ما الذي يدعو إليه عمرو خالد؟

يوم بَشَّرَتْنا القنوات الصَّوْصَوية، أي التي تبث بالصورة والصوت، باكتمال أُهبتها لخوض حومة الإعلان في رمضان، حزمتُ أمري واشتريت عدداً من الكتب المتنوعة المواضيع كي لا أجد وقتاً لمتابعة هَبْرَمَتِها. غير أن حملة السيد عمرو خالد التي قرأتُ إعلاناتها في صحف عربية ذات شأن، والمؤلفة من ثلاثين حلقة موقوفة على قصة موسى في القرآن الكريم، وَلَّدتْ عندي وسواساً لا يبشر بالخير. فمن الصحف مَن كَتب “أن المسلسل سيواكب المتغيرات الحديثة ويُبرز الإبهار في الصورة ويسرد تاريخاً قد لا يعلمه أحد عن بني إسرائيل، ليكون علامة فارقة في تاريخ مسلسلاته المتلفزة”. وكتبتْ صحيفة أخرى: “أن غالبية أحداث القصة قد صُوّرت في مواقعها الحقيقية مع الاستعانة بالـ Graphic لتجسيم بعض المواقع. وسيكون هناك ربط واضح بين أحداث القصة وواقع الأمة الإسلامية الآن”. جرى التنويه بكلمة ﭽرافيك في أكثر من صحيفة كأنها كلمة هيروغليفية تَمكَّن عالمُ آثار من فهم معناها أخيراً، مما عَزَّز لدي الوسواس بأن كثيرين من إعلانيينا لا يُفكرون لأنهم يكتفون بأبصارهم لا ببصائرهم.

وكان ما خفتُ أن يكونَ، يوم وقعتُ في واحدة من القنوات على “الحلقة الحاسمة الخطيرة” من المسلسل إياه (على حد قول الداعية)، حيث تَحققتْ وساوسي كلها في أقل من ربع الساعة… لست أود الخوض في بحث قصص القرآن الكريم، فهذا ليس ميداني. ولست على يقين من أن عمرو خالد قد جشَّم نفسه عناء العودة إلى أمهات الكتب في هذا الشأن الخطير، ودليلي إلى هذا الشك هو عنوان المسلسل وتَطَاول حلقاته، لأن الوحدة القصصية في القرآن الكريم، كما كتب الأستاذ محمد أحمد خَلَف الله: “لا تدور بحال من الأحوال حول شخصيات الرسل والأنبياء، وإنما تقوم قبل كل شيء على الموضوعات الدينية والأغراض القصصية من اجتماعية وخلقية”.

أتوقف قليلاً عند استعمال كلمة ﭽرافيك بصيغتها الإغريقية المعدلة التي لا تعني إلا التمثيل بالرسم أو بالأحرف والعلامات المكتوبة. فالأبجدية هي أنظومة ﭽرافيكية ليس إلا، فلماذا هذا التهليل لكلمة ليست أكثر أهمية من غيرها؟ إلا إذا كان الداعية يريد إضحاكنا وسَبْرَجَةَ الأمرِ علينا أي تَعْمِيَتِه. جعلتني الحلقةُ الخطيرة الحاسمة، كما وضعها الداعية، أتساءل: هل يُقدِّم المسلسلُ قصةَ الخروج كما جاءت في القرآن الكريم؟ فليس هناك من لا يعرف أن سورة طه تضمنت أكثر جوانب القصة أهمية، حيث لا أثر لأسماء الأماكن ولا لمسالك الخارجين، لأن الأمر لا يدخل في نهج القرآن الكريم. لكن العهد القديم يطيل في هذا الشأن بالتفصيل الممل في سفر الخروج وفي سفر العدد وفي غيرهما. فهل يريد السيد عمرو خالد دعوتّنا إلى التبحُّر في العهد القديم من خلال “الـﭽرافيك” الفسيح الذي رسمه لدلتا النيل وسيناء، مُوقّعاً عليه مسلكَ الخارجين ومحطات استراحاتهم وصولاً إلى أرض كنعان؟ وإذا كان هذا قصده، كما فهمتُ من الـﭽرافيك، فلماذا لم يضف إلى عنوان مسلسله “قصة موسى لا في القرآن الكريم فحسب بل وفي العهد القديم”؟ وهل بوسعنا إرجاع اهتمامه الـﭽرافيكي التوراتي إلى اقتناعه بوحدة النص والمغزى في المصدرين على تباين أسلوب كل منهما وأهدافهما؟ الجانب الأكثر أهمية في المسألة كلها، كما أرى، هو يقين مقدم المسلسل ومن يقف وراء إعداده وتسويقه وبثّه بأنهم يجسدون التاريخ الحقيقي وفي أماكن حدوثه.

ندع القرآن الكريم الآن جانباً لنسأل هؤلاء جميعاً، وأولهم وزراء الإعلام والثقافة ومدراء القنوات الفضائية وغيرها التي تبث من دول السادة الوزراء، لنسألهم هذا السؤال “الحاسم” كما قال الداعية عن حلقته التوراتية الـﭽرافيكة: هل سمعتم بالحرب الدائرة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى اليوم، حول إثبات تاريخية العهد القديم وارتباطه بالأرض الموعودة بين النيل والفرات؟ وهل جاءكم حديث جماعة التعصّب التوراتي من “علماء” أمريكا وأوروبا وما بذلوه من جهود من أجل إلغاء تاريخ المنطقة القديم مما لا مجال للتوقف عنده هنا…؟ وهل سمعتم أو قرأتم ما كتَبه ويكتبه علماء آثار ومؤرخون إسرائيليون أمثال زئيف هرتزوﭺ وإسرائيل فنكلشتاين ونل آشر سيلبرمان وشلومو ساند، ومنهم من تُرجمت كتبهم إلى لغات كثيرة منها العربية؟

ألفت النظر بصورة خاصة إلى كتاب “إماطة اللثام عن التوراة” للأستاذين فنكلشتاين وسيلبرمان، الذي يتضمن فصلاً كاملاً عنوانه: هل حدث الخروج فعلاً؟ هكذا يصوغ العالِم كلامَه ويضع كلَّ ما يفعل موضع الشك والتساؤل، رغم توصله إلى نتائج حاسمة في بحثه، لكن ليس على طريقة غير العالم الذي لا يأتيه الشك لا من بين يديه ولا من خلفه. هذا الفصل الذي ينبغي للسيد عمرو خالد أن يقرأه وهو يشرح لنا ﭽرافيكيته الضخمة عن دروب الخروج ومسالكه ومحطاته، ففيه شهادة أهل الخروج أنفسهم بهذه الأسطورة من أساطير العهد القديم التي جددتها الصهيونية المعاصرة لتسويغ غزو الأرض الموعودة بين النهرين. إن النتيجة الأكثر أهمية لأعمال المدرسة المستنيرة التي تضم علماء الآثار والمؤرخين الإسرائيليين تكمن في إثباتهم عدم توافق مرويات العهد القديم في الزمان والمكان مع أحداث تاريخ المنطقة الفعلي، مما ينسف الزعم “بالوعد الإلهي” في ملكية أرض كنعان.

في اللحظة التي يعمل فيها علماء إسرائيليون بوحي من ضمائرهم الباحثة عن الحقيقة، ويواجهون المستعمرين المتوحشين التوراتيين القادمين من مانهاتن وغابات الحبشة ومواخير دول البلطيق، ويتوصلون إلى نتائج مدهشة تلقن مؤرخي العروبة وباحثيها درساً بليغاً في العمل الميداني وفي الشجاعة الباحثة عن الحقيقة، في هذه اللحظة بالذات التي بدؤوا فيها بفك الارتباط بين الخيال والواقع، ووضع العهد القديم في مكانه الصحيح، لم يجد داعيتُنا الـﭽرافيكي إلا أن يتلفز دعوته ويختار موضوعاً توصل من عرضه إلى إقناع المسلمين بأن القرآن الكريم أيضاً، لا العهد القديم وحده، هو الذي يمنح فلسطين إلى الحركة الصهيونية كمرحلة متقدمة من أجل القفز إلى عقر دار السيد عمرو خالد الذي كسفَ مسلسلات التفاهات التي أفطرت عليها أمتنا العظيمة.

ما الذي سوف يفعله عمرو خالد يوم يزاحمه علماء يهود إسرائيليون ويدحضون أقواله بالأدلة المادية الحاسمة، دون الاستعانة بالـﭽرافيك ولا بالإبهار، تلك الأدلة الأثرية التي استغرقهم الحصول عليها عشرات السنين.

أود، ولو أطلت، أن يقرأ السيد عمرو خالد هذه السطور من كتاب فنكلشتاين وسيلبرمان، الواردة في الصفحة 104 وما بعدها من إماطة اللثام عن التوراة، الطبعة الفرنسية الثانية التي نشرتها دار ﭽـاليمار في 2007:

[لئن آمَنَّا بما جاء في التوراة، ينبغي القبول بأن بني إسرائيل قد جاسوا في صحراء شبه جزيرة سيناء وجبالها طولاً وعرضاً، وخيَّموا في فيافيها المتنوعة طوال أربعين سنة معدودات(….) وإذا قبلنا أن عدد الهاربين ستمئة ألف وهو رقم مُبالغ به(….) وإذا استثنينا بقايا القلاع المصرية على طول الطريق الشمالية، فإن أي أثر لمخيم، أو أية إشارة أو علامة تدل على الإقامة في أي مكان تعود إلى زمن رمسيس الثاني أو إلى من سبقوه أو من تبعوه مباشرة، لم يتم العثور عليها في أي مكان في سيناء. فلقد أُجريت تنقيبات أثرية في نواحيها كلها وفي زواياها البعيدة بما في ذلك الجبال المتاخمة للمكان المفتَرَض فيه أن يكون جبل سيناء قرب دير القديسة كاترين إلا أنها لم تقدم شيئاً إيجابياً: لم يتم العثور على كسرة فخار، ولا على بُنْية أو أثر للسُكنى أو بقايا مخيم قديم. لكن قد تتساءلون كيف يمكن لعصابة متواضعة من المشردين الإسرائيليين أن تترك أي أثر وراءها؟ تتيح التقانات التنقيبية المعاصرة كشفَ أتفه البقايا وأصغرها كالتي يتركها وراءهم الصياديون وقاطفو الثمار أو الرعاة الرُحَّل في أي مكان على سطح الأرض(….) النتيجة التي لا تُدحض؛ أن الخروج لم يحدث لا في العصر الذي تحدده التوراة ولا بالطريقة التي وصفَتْها، ما إن نفحص المكتشفات في المواقع التي افتُرض تخييم بني إسرائيل فيها مدداً طويلة أثناء تجوالهم في الصحراء (سفر العدد 33). ولو أن دليلاً أثرياً أياً كان شأنه قد وُجد لكان تم اكتشافه]…

كان هذا رأي علماء الآثار والتاريخ من أهل التوراة فلماذا يتبنى “داعية إسلامي” ما جاء في الفصل الثالث والثلاثين من سفر العدد ويقدمه ﭽرافيكياً إلى المسلمين الصائمين في رمضان من القرن الهجري الخامس عشر والقرن الحادي والعشرين الميلادي؟ كتب محرر سفر العدد: (رحلوا من رعمسيس… ونزلوا بسُكُّوت… ثم نزلوا بإيتام… ورجعوا على فم الحيروت التي تجاه بعل صَفُون [هل يعرف عمرو خالد أين تقع بعل صَفُون؟]… ونزلوا أمام مِجدَل… وعبروا في وسط البحر [من أمام الحيروت] وساروا ثلاثة أيام في برية إيتام ونزلوا بمارَّةَ… ووافوا إبليم… وارتحلوا من إبليم ونزلوا على بحر القلزم…) وما زلنا في بداية خارطة الطريق التي لا يستطيع وصفها إلا قائد الحملة، فما بالك بمن دَوَّنها من خياله بعد مئات من السنين على الحَدَث المزعوم… هل يعرف الداعية أن السيد أبراهام بورﭺ رئيس الحركة الصهيونية العالمية ورئيس الكنيست السابق، عندما يكتب عن احتفالهم بعيد الفصح يقول: ذكرى خروجنا الخرافي من مصر… أما داعيتنا الإسلامي فيتبنّى خيالات كتبة سفر العدد، ويرسمها مجسمة، لا بل يشرحها لنا بصوته الناشز: “خَرجُم من هِنا هُوّة ونزلوا من هنا هَوَّة وعبروا هنا هُوَّه وتجمعوا هنا هُوَّة”… فَيُلقي في رَوْع الصائمين – المنبهرين بالـﭽرافيك – أن القرآن الكريم قد وافق على خارطة الطريق هذه كما وافق الفلسطينيون على خارطة طريق مجرم الحرب جورج بوش…

أما كان أجدى لو أن الداعية ومن وراءه لم يزجوا أنفسهم في هذا المسلك الذي لا طائل تحته؟ ألم يجدوا في القرآن الكريم ما هو أكثر فائدة لحياتنا اليومية؟ ألم يأتهم نبأ “إن الله يأمر بالعدل”… مثلاً… مع أن السيد الداعية غير مسؤول شخصياً عن غياب العدل في بلاد المسلمين، إلا أنني أسأله، أليست الدعوة إلى إقامة العدل، مع بيان مسالك الوصول إليه، أكثر أهمية وارتباطاً بواقعنا من قصة موسى؟

لا تقل لي كما كتبت أماني محمد في الاتحاد الإماراتية: (كان هناك حكاية الطغاة الذين تحولَّتْ سلطتهم وجبروتهم إلى عملية بطش بشعوبهم وكان هذا حال فرعون الذي حارب إيمان موسى ورسالته…). فالطغاة مازالوا يملؤون هذا الكوكب في حين لا يوجد أي أثر للعدل… في بلاد المسلمين بشكل خاص مع أن الله يأمر بالعدل…

يوم تُقَرِّر التركيز على صناعة العدل وعلى نشره في البلاد أرسل لي SMS لأصغي إليك بجوارحي كلها… “إنما بلاش ﭽرافيك والنبي”…

{{ملحوظة: أود التنويه بمقالة الأستاذ عمار علي حسن بهذا الشأن (الحياة 19/9/2009) وبصفحة الأستاذ آدم ريان على الشبكة العنكبوتية في 22/9/2009 جزاهما الله كل خير.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This