ما السبيل إلى جعل الثقافة مشروعاً مجتمعياً؟

يتباكى كثير من الدعاة في بلداننا العربية، من رجال السياسة ورجال الدين وسواهم، على “الأمن الثقافي العربي” المخترق من طرف الخارج وقواه الشريرة، ويطالبون بتحصين المجتمعات العربية من “الغزو الثقافي” الذي يحمل معه “الأفكار الهدامة” و“الأفكار المستوردة”..إلخ. ويتناسى هؤلاء الدعاة أن جلّ ما حولهم “مستورد”، وأنهم ليسوا أكثر من مستهلكين سلبيين إزاء كل شيء تقريباً ما عدا الأفكار التي تغاير تلك التي تسكن أذهانهم والآراء المختلفة عن آرائهم.

والواقع هو أن مفهوم “الأمن الثقافي” هو من المفاهيم الحديثة نسبياً، ظهر في البلدان العربية في الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم، وشاع تداوله في الأوساط الثقافية والرسمية بما يعني الحفاظ على المكونات الثقافية الأصلية في مواجهة المؤثرات الثقافية الأجنبية “المشبوهة”، وبالتالي حماية وتحصين الهوية الثقافية من الغزو والاختراق أو الاحتواء القادم من الخارج العربي والإسلامي.

وظهر مفهوم “الأمن الثقافي” كرديف لمفاهيم ومصطلحات نشأت في حقول ومجالات أخرى، مثل: “الأمن الاقتصادي” و”الأمن الغذائي” و”الأمن الاجتماعي”.. الخ. وعنت هذه المفاهيم والمصطلحات الحاجة العربية لاستراتيجيات تحدّ من الانكشاف على الخارج، لكنها تخفي بين طياتها صعود مفهوم “الأمن”، بمعناه السياسي الضيق، في الدول العربية، بعد أن سيطرت النظم السياسية القائمة على مقدّرات الدول وحولتها إلى دول أمنيّة بامتياز.

وإذا تفحصنا مفهوم الأمن الثقافي، نجد أنه مفهوم ملفق وهجين، من جهة كونه يحاول الجمع والتوفيق ما بين مجالين مختلفين تماماً هما: الأمن والثقافة، إذ كيف يمكن للأمن أن يتيح للثقافة مناخ الحرية الذي من دونه لن تكون خلاقة ومبدعة؟ وكيف يمكن لها أن تحلّق في فضاءاتها بحرية ومن دون قيود، وأن تحظى بذلك من دون خوف أو عقد؟ ذلك أن الأمن يفترض الحيطة والتوجس والحذر، وإقامة الحواجز ووضع المعيقات، وإشادة أجهزة الضبط والمراقبة. وهو أمر وعته جيداً الأنظمة العربية الحاكمة، فأخذت بالجانب الأمني من مفهوم الدولة الحديث من دون أي اعتبار للمفاهيم المترابطة معه، كالمواطنة والديموقراطية وحقوق الإنسان وتحقيق التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي ..إلخ. ولا شك في أن أخذها للجانب الأمني من المفهوم مرتبط بمصالح حزب أو فئة أو جماعة أو أقلية عرقية أو مذهبية أرادت أن تركّب مفهوم تحقيق الأمن، بالمعنى الاستخباراتي، من أجل ضبط ثقافة المجتمع، وتأكيد سيطرتها على حراكه، ومنع حدوث المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تؤثر على هدف هذه الفئة أو هذا الحزب المتمثل في المحافظة على البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية.

ومع المتغيرات والمستجدات التي عرفها العالم منذ العقدين الأخيرين من القرن العشرين المنصرم، صار الحديث عن الثقافة أمراً مختلفاً عن ذي قبل، وغدت المسألة الثقافية مثار نقاش واسع. فقد غيرت ثورة التكنولوجيا والاتصالات من طبيعة الأشياء، وصارت المعلومات ورؤوس الأموال تنتقل في زمن حقيقي، مخترقة الحدود والدول والفضاءات. ونتج عنها أن الثقافة أصبحت بضاعة معولمة، تتحكم في إنتاجها وتسويقها شركات عملاقة. وساد تنميط للبضاعة الثقافية وتسويقها عبر شبكات تتحكم فيها شركات عالمية تنتمي في الغالب إلى بلدان الشمال، ويتحكم فيها عدد من المتنفذين الذين حولوا المنتوج الثقافي والإعلامي والترفيهي إلى سلعة معولمة.

وإذا اعتبرنا أن المعلومات والإعلام هما شكلان من أشكال الثقافة، فإن حجم التدفق المعلوماتي والإعلامي أضحى هائلاً في أيامنا هذه، وفيه بعض مكامن الخطر على البيئة الثقافية العربية، التي لم تعد بالقوة التي كانت عليها يوم كان الفعل الحضاري العربي أقوى أثراً وفاعلية، لكن الحل ليس بتشييد الأمن الثقافي الذي يُجيّر لصالح إغلاق النوافذ والأبواب تجاه كل ما هو قادم من خارج البيئة الثقافية العربية، بل بانتهاج إستراتيجية تنمية ثقافية، فضلاً عن أن إغلاق النوافذ في هذا العصر بات عصياً ومستحيلاً.

ويؤكد علماء الاجتماع على دور الثقافة المميز في التنمية الإنسانية، حيث يعتبرونه موازياً للبُعدين الاجتماعي والاقتصادي. لذلك علينا التركيز والبحث عن الكيفية التي تجعل الثقافة ركيزة من ركائز التنمية، وبالتالي علينا رعاية الثقافة وتوفير الأسس والإمكانيات التي تعمل على إرسائها في المجتمع المدني، ورعاية الإنسان، حامل الثقافة وبنائه مادياً ومعنوياً. وقد بينت تجارب الشعوب أن الاستثمارات الأجنبية والمساعدات لا تحقق التنمية المرجوّة، لأن من يحقق ذلك هو الإنسان المكوّن المتمكن من استخدام وتوظيف التقنيات والتكنولوجيا. وليس هنالك مبالغة في القول بأن الرباط ما بين التنمية والثقافة هو رباط متين وعضوي، نظراً للدور الأساسي الذي تضطلع به الثقافة في التنمية، لذلك ينبغي تحسين ظروف معيشة الإنسان، بما يحافظ على القيم الاجتماعية وإنتاج قيم جديدة، عبر عمل دؤوب، يسطّره مسار ثقافي يمكن للفرد بواسطته التعبير عمّا يدور بداخله وإتاحة فرص الاتصال والخلق والتطلع إلى فضاءات جديدة. فالإنسان هو الذي يسير ويشارك وينفّذ التنمية، وهو مركب من جسد وفكر، ومغمور بالمشاعر والأحاسيس والأفكار والمعتقدات والمواقف والاجتهادات والتطلّعات والرغبات والأماني.

وتأتي الثقافة كعامل إغناء، وبما ينتج تنمية الثقافية، عبر تقوية مختلف أشكال التعبير الثقافي، ونشر الثقافة من خلال توفير الظروف المناسبة للإنتاج وللإبداع، وتوفير الظروف المناسبة كذلك لامتلاكها. لذلك فإن بقاء الثقافة أمر خاص بالنخبة، وغيابها عن بقية أفراد المجتمع، سيهدده بأسره، وبالتالي من الضرورة بمكان جعل الثقافة مشروعاً مجتمعياً، وليس حكراً على قلة قليلة فقط.

إن طبيعة المخاطر التي تهدد بلداننا العربية لا تأتي من الخارج فقط، بل من الداخل كذلك، أي من النهج الانفرادي والاقصائي للسلطات السياسية الحاكمة، والسبيل الوحيد لدرء المخاطر هو تمتين الداخل بما يتيح لكل القوى الاجتماعية الفاعلة في التعبير عن مكنوناتها والمشاركة في التنمية الثقافية، وتجاوز الأزمات المتمثلة في الضعف والعجز والتردي، والبدء بتنمية إنسانية حقيقية وشاملة وإرساء دعائم الممارسة الديموقراطية، من خلال تعزيز مؤسسات المجتمع المدني، وتفعيل الحوار والتعددية، والإقرار بالآخر المختلف واحترام الرأي الآخر. وكذلك توفير حرية التفكير والبحث العلمي، وإشادة نظام تعليمي مختلف تماماً عن النظم التعليمية القائمة حالياً في بلداننا العربية، يقوم أساساً على تأهيل كوادر تعليمية رفيعة المستوى، واحترام عقول الناس وتوفير وسائل تمكينهم من الاستيعاب النابه للمعلومات والآراء وإبداع الأفكار.

{عن جريدة أوان 11/2/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق