ما الشواش؟

{{المقدّمة:}}

هل هناك قوانين حتميّة مطلقة تحكم الكون؟ هل تقدّم لنا قوانين الفيزياء توقّعات وتنبّؤات دقيقة وصارمة عن سلوك المنظومات الفيزيائيّة؟ وهل هناك أيّ درجة من الدّقة واليقين في الأرصاد الّتي نقوم بها سواء في النّماذج الفيزيائيّة أو الجّويّة أو الاجتماعيّة والإنسانيّة؟ وهل معرفتنا الإنسانيّة الّتي كنّا نحصّلها على مدى قرون عديدة وسفكت لأجلها بحار من الدّماء هي معرفة يقينيّة مطلقة أو هي معرفة تعتمد على قدر معيّن من الدّقة؟ والكثير من الأسئلة المطروحة على طاولة الحوار العلميّ المعاصر في النّدوات والمعامل والمختبرات العلميّة التّي تتناول موضوع جدليّة الشّواش والنّظام في كافّة مجالات المعرفة.

فضّلت البحث في هذا الموضوع الهامّ جداً الّذي يعدّ من المواضيع الّتي لم تتناولها أبحاثنا وتفتقر لها مكتباتنا ودوريّاتنا، لذلك كان لهذا الموضوع من الأهميّة ما يجعله مدخلاً إلى البحث عن مدى صحّة معرفتنا وعلومنا الّّتي نعتمد في تحصيلها ككائنات واعية على آلات معيّنة للقياس، ونراهن على صحّة ودقّة المعطيات الوافدة إلينا من وراء العدسة أو أيّ مقياس آخر. ولعلّ أهّمية هذا الموضوع لا تتوقّف عند مدى صدق معلوماتنا أو كذبها، إنّما ترسم لنا خطوطاً عريضة نسير عليها لنصل إلى أقصى درجة ممكنة من اليقين والدّقّة؛ في العلوم الطّبيعيّة والإنسانيّة والأدبيّة والاجتماعيّة وغيرها.

ففي القسم الأوّل سوف نتعرّف على مفهوم الشّواش وسنورد لمحة تاريخيّة مبّسطة عن بروزه كعلم.

أمّا في القسم الثّاني فسنتحدّث عن فلسفة الحتميّة الّتي هي مفهوم أساسيّ في علوم الفيزياء المعاصرة، والّتي يرى أنصارها أنّ لكلّ سبب نتيجة خاصّة به.

وفي القسم الثّالث سوف نتعرّف على الشّروط الأوليّة والمبدئيّة لكلّ منظومة فيزيائيّة، وكيف أنّ قوانين الفيزياء ترجع إلى قياسات أيّ نظام فيزيائي، مستخدمة رابطة مفترضة بين السّبب والنّتيجة، حيث أنّ الشّروط الأوليّة هي حجر الأساس لوضع أيّ تنبّؤات وتوقّعات مستقبليّة.

وفي القسم الرّابع سوف نتعرّف على اللّايقين في القياسات الّذي هو بدوره مبدأ علميّ ومنطقيّ يقول بأنّه لا يمكن أن يوجد أيّ قياس نهائيّ ودقيق بشكل مطلق.

وفي القسم الخامس سوف نرى كيف أنّ الحتميّة، والشّروط الأوليّة، والّلايقين في القياس سوف يفسح المجال لبروز عامل هامّ جداً في المنظومة وهو ما يسمّى (الارتياب الدّيناميكي) الّذي هو بدوره من أكثر الاصطلاحات الفيزيائيّة ترادفاً مع مفهوم الشّواش.

وأخيراً، في القسم السّادس من البحث سوف نستعرض كيفيّة نشوء الأنظمة والنّماذج الرّتيبة عن الشّواش.

أرجو أن يجد القارئ المتعة والفائدة في هذا البحث الذي نقدّمه بتواضع بين يديه، والّذي يتحّدث عن أهمّ المسائل في العلم في الوقت الحاضر.

{{ 1)- ما الشّواش1؟ What is Chaos}}

إنّ كلمة الّشّواش في الفيزياء هي كلمة تخصّصيّة يستخدمها العلماء فيما بينهم، ومصطلح (الحركة الشّواشيّة / الفوضويّة / العشوائيّة) يحمل معنى الاهتياج والقلقلة في نظام فيزيائيّ مرصود غير متماسك أثناء عمليّة الرّصد. كما أنّ الشّواش يمكن أن يظهر ويتطوّر في نموذج يبدو شديد الانتظام والتّماسك. وبمعنى آخر، فالشّواش يعود في الأصل إلى نظام ما سواء كان ممكناً أم غير ممكن وضع أي تنبّؤ دقيق وبعيد المدى لهذا النّظام.
وقد يبدو الشّواش كامناً في قلب المنظومات الفيزيائيّة التّي ندرسها على أساس من الدّقّة واليقين، حيث أنّها تظهر لنا متماسكة ورتيبة بشكل كامل. إلاّ أنّها تنطوي على قدر من الفوضى الّتي تشوّشها في صميمها.

خلال أربعة قرون مضت كانت قوانين الفيزياء قد عكست ترابطاً وثيقاً ومتكاملاً بين مفهوميْ النّتيجة والسّبب في الطّبيعة، وظلّ الأمر على حاله هذه حتّى وقت قريب. حيث كان من المفترض أنّه من الممكن وضع تنبّؤ دقيق وبعيد المدى لأيّ نظام فيزيائي. وقد كان كافياً أن يعرف أيّ شخص الشّروط الأوّليّة حتّى يتمكّن من معرفة النّتيجة الحتميّة لهذا النّظام وبشكل دقيق تماماً. ولكنّ اكتشاف المنظومات الشّواشيّة منذ حوالي المائة عام كان قد حطّم هذه الفكرة بشكل مخيف، حيث هزّ هذا الاكتشاف كيان المذهب الحتميّ وأصابه في الصّميم.

كان لاكتشاف النّظام الشّواشي في الفيزياء وقع كبير في الأوساط العلميّة، إلّا أنّه لاقى استهجاناً من قبل عدد كبير من العلماء شأنه شأن أيّ اكتشاف جديد هائل سابق على عصره. ولكنّ توالي الاكتشافات وتطوّر أجهزة القياس ساعدا على إثبات وجهة النّظر هذه.

فلنتعرّف على المفاهيم الأساسيّة المرتبطة بالشّواش .

{{ 2)- فلسفة الحتميّة: Philosophy of determinism}}

فلسفة الحتميّة هي عبارة عن مذهب فلسفيّ يرى أنّ كلّ ظاهرة هي نتيجة حتميّة لحادث أو فعل ما مسبق كان هو السّبب في حدوث هذه الظّاهرة. وبالتّالي، فإنّ كلّ منظومة أو حدث يمكن التنبّؤ بنتائجها في المستقبل – من حيث المبدأ على الأقلّ – وبشكل دقيق كلّ الدقّّة، وذلك من خلال الرّجوع إلى الماضي، أي إلى عواملها الأوّليّة والمبدئيّة.

وكما هو شأن الاعتقاد بالعالم المادّي، فإنّ جذور الحتميّة ترجع إلى عهد الإغريق القدماء قبل آلاف السّنين. وقد أدمج هذا المصطلح في العلم الحديث منذ القرن الخامس عشر، حيث تزامن مع بروز فكرة السّبب ¬ النّتيجة، وقد صار هذا المبدأ يسيطر ويتحكّم بشكل كامل بكافّة البنى والأنظمة في العالم المادّي. وحسب النّموذج الحتميّ في العلم، فإنّ الكون قد تمدّد مع الزّمن كآلة ميكانيكيّة تعمل بشكل متكامل، وبدون أيّ شكل من العشوائيّة والفوضى أو خروج عن القوانين الحتميّة الدّقيقة التّي تسيّره.

وقد كان إسحق نيوتن هو الشّخص الأكثر شهرةً في هذا المجال منذ تأسيس فكرة الحتميّة، فقد عاش في لندن منذ حوالي 300 سنة وكان قد اكتشف مجموعة من القوانين البسيطة والواضحة حيث وضعها في جمل صغيرة ووجيزة. وكان يعرض من خلال قوانينه هذه إمكانيّة التنبّؤ الدّقيق بالحركة ضمن مجموعة كبيرة من المتغيّرات الواسعة في نظام معيّن، وهذه التنبّؤات تكون على درجة مطلقة من الدّقّة واليقين. وقد أثبت نيوتن من خلال قوانينه الثّلاثة في الحركة أنّه بعمليّة حسابيّة منطقيّة بسيطة يمكن التنبّؤ بتوقيت حركة الكواكب السّيّارة حول الشّمس، ومسار حركة قذيفة على الأرض، ووضع جدول دقيق لحركات المدّ والجزر في المحيط على طول أشهر السّنة، وهذه بين أشياء كثيرة.

وبهذا فإن قوانين نيوتن هي قوانين حتميّّة ذات طابع جبريّ ومطلق؛ لأنّها تدلّ على أنّ أيّ شيء يمكن أن يحدث في المستقبل فهو يعتمد بشكل نهائيّ وحتميّ على ما يحدث الآن في الحاضر. وعلاوة على ذلك فإنّ كلّ شيء يحدث الآن في حاضرنا هذا فهو يرجع بالضّرورة على ما حدث في الماضي. ولذلك فقوانين نيوتن كانت ناجحة وعمليّة لعدّة قرون تلت بعد اكتشافه إيّاها، وعلم الفيزياء بدوره يحتوي على مجموعة واسعة من الشّروحات والإيضاحات عن كيفيّة حساب أيّ حركة مرصودة من خلال قوانين نيوتن. كما أنّ هذه القوانين النيوتونيّة كانت قد حلّت محلّ عدد كبير وضخم من القوانين الفيزيائيّة وذلك حوالي العام 1900، وبهذا فإنّ بقايا مذهب الحتميّة اليوم هي الفلسفة الأساسيّة والهدف النّهائي الذّي تسعى إليه العلوم الفيزيائيّة.

{{3)- الشّروط الأوليّة: Initial conditions}}

إنّ إحدى أهمّ الأفكار الثّوريّة الّتي وضعت في القرن الخامس عشر والّتي قام على أساسها العلم الحديث، هي فكرة أنّ قوانين العالم المادّيّ يمكن فهمها بشكل جيّد فقط عندما تعبّر عن الخاصّيات الفيزيائيّة باعتبارها مجرّد قياسات تخمينيّة، وذلك من خلال رموز عدديّة وليس من خلال الكلمات فقط. فاستخدام مقادير كمّيّة عدديّة لوصف العالم المادّي هو السّبب الرّئيسي في أنّ قوانين الفيزياء يجب كتابتها على شكل معادلات رياضيّة بشكلها النّهائي. وليس باعتبارها جمل لغويّة وكتابيّة بسيطة. ومثال ذلك أنّه من الضّروري جدّاً صياغة قوانين نيوتن كمعادلات رياضيّة بالرّغم من أنّها وضعت كجمل بسيطة.

قد تكون قوانين نيوتن من أهمّ الأمثلة عن القوانين الدّيناميكيّة، حيث أنّها تربط القيم الكمّيّة والعدديّة للقياسات المرصودة في أوانها بقيمها التّي رصدت في الزّمن الماضي للمنظومة أو في المستقبل. فالقياسات التّي تظهر في قوانين نيوتن تعتمد بشكل أساسيّ على نظام دقيق كان قد رُصد من قبل، ولكنّها تتضمّن الموضع، والسّرعة، واتّجاه حركة كافّة الجسيمات في النّظام بشكل نموذجيّ أكثر بغضّ النّظر عن سرعة واتّجاه أيّ من هذه الجسيمات، وفي أيّ وقت من أوقات رصد النّظام. وأثناء تسجيل القياسات المرصودة لأيّ نظام (وليكن النّظام الشّمسي، أو الأجسام القادمة السّاقطة من السّماء إلى الأرض، أو تيّارات المحيطات والبحار،…) فإنّ قيم القياسات الأوّليّة التّي تأتي في المرحلة الأولى من عمليّة الرّصد تدعى (الشّروط الأوّليّة) لذاك النّظام.

نلاحظ أنّ قوانين نيوتن الفيزيائيّة هي قوانين تمتاز بالطّابع الحتميّ، كما هو الأمر في القوانين الميكانيكيّة، لأنّها تتمتّع بنزعة حتميّة لأيّ نظام مدروس، وشروطها الأوّليّة ينتج عنها نفس النّتائج المنطقيّة المطابقة لها. فالنّموذج النّيوتوني للعالم غالباً ما يصف الكون على أنّه شبيه بطاولة البليارد، لذلك فإنّ أيّ نتائج تنتج عن الشّروط الأوّليّة لمنظومة ما هي ذات طابع حتميّ، مثل الفيلم الّذي يمكن التّحكّم بسيره في الزّمن إلى الأمام أو إلى الخلف.

أظنّ أنّ لعبة البليارد هي لعبة مفيدة جدّاً في طريقة لعبها، لأنّه ضمن النّطاق الميكروسكوبي (المصغّر) فإنّ حركة الجزيئات يمكن تشبيهها في تصادمها مع بعضها البعض، بكرات البليارد، والقوانين الميكانيكيّة الّتي تحكم كرات البليارد هي ذاتها الّتي تحكم الذّرّات والجزيئات.

{{ 4)- الّلايقين في القياس: Uncertainty of measurements}}

إنّ أهمّ المبادئ الأساسيّة في الفيزياء التّجريبيّة المعاصرة هو عدم وجود أيّ نتائج أو تنبّؤات أو توقّعات دقيقة ومطلقة بشكل كامل. ولكن عوضاً عن ذلك يجب أن تكون هذه التّوقّعات والنّتائج متضمّنة أفضل درجة من الدّقّة واليقين، وذلك لأنّ اّللايقين سيبقى متخلّلاً هذه النّتائج بنسب متفاوتة. وهذا الّلايقين في القياس يعني أنّ أيّ آلة للرّصد مهما بلغت دقّتها وتعقيد صناعتها، فبإمكانها أن تسجّل القياس بدقّة محدودة للغاية، وبشكل قد يكون فيه من الخلل ما تعجز العين المجرّدة عن تمييزه. والطّريقة الوحيدة لإدراك هذه الحقائق هي أن نفهم بأنّه لكي نحصل على أكبر درجة ممكنة من الدّقّة في القياس من خلال الآلة الّتي نستعملها هي أن نقوم بالرّصد على مسافات ضئيلة جّداً، والحصول على أرقام متناهية في الصّغر. وكلما زادت دقّة آلات القياس المستخدمة نقصت درجة الّلايقين في الرّصد باطّراد. ولكنّ المشكلة أنّنا لا يمكننا إلغاء حالة الّلايقين مطلقاً.

وفي الفيزياء، فإنّ بروز حالة الّلايقين في أيّة آلة قياسيّة أثناء القيام بعمليّة الرّصد لأيّ نظام فيزيائي، تكون الشّروط الأوّليّة عادةً غير دقيقة، ولا يمكنها أن تسجّل أيّة نتائج بدقّة تامّة. وأثناء دراسة أيّ نظام من خلال قوانين نيوتن فإنّ الّلايقين المتغلغل في الشّروط الأوّليّة لهذا النّظام المدروس يسبّب شكّاً متناظراً ومتشابهاً – ولو كان ضئيلاً جدّاً- في مدى صحّة التنبّؤ والتّوقّع لأيّ زمن كان في الماضي أو في المستقبل.

وقد بقي العلماء حتّى الآن يعتقدون أنّه يمكن تقليص حالة الّلايقين في قيم القياسات والشّروط الأوّليّة، وذلك للحصول على أفضل درجة ممكنة من الصّحّة والدّقّة واليقين في التّوقّعات والنّتائج النّهائيّة لعمليّة الرّصد. وبذلك، كما في حالة قذيفة على سبيل المثال، يمكننا أن نعرف المسقط النّهائيّ للقذيفة بأعلى درجة تقريبيّة إذا عرفنا الشّروط الأوّليّة أثناء عمليّة الإطلاق بشكل أكبر. ومن المهمّ جدّاً أن نتذكّر أنّ الّلايقين في التّوقّعات الميكانيكيّة لا يظهر في المعادلات والقوانين، على اعتبار أنّها حتميّة الطّابع، ولكنّها تنتج من الافتقار إلى الدّقّة والتّعيين في الشّروط الأوّليّة.

إنّ الهدف الأساسي في العلوم التّجريبيّة كان ومازال هو الطّموح العميق في الوصول إلى آلات للقياس أكثر دقّة وأقلّ تشكّكاً وذلك باستخدام التّكنولوجيا المتقدّمة وعلى اختلاف أشكالها. فوضوح القياسات ودقّة التّوقّعات والنّتائج المعتمدة على استخدام أدوات القياس المتطوّرة وتطبيق القوانين الميكانيكيّة سوف تصبح أكثر دقّة ووضوحاً، وستكون الأقوى في السّعي للوصول إلى النّتائج الصّحيحة واليقينيّة. ولكنّها لن تكون دقيقة بشكل مطلق أبداً… للأسف.

{{ 5)- مبدأ الارتياب2 الدّيناميكي: Dynamical Instabilities}}

والآن، وبعد أن درسنا مفهوم الحتميّة في الفيزياء، والشّروط الأوّليّة في النّظم الفيزيائيّة، ومبدأ الّلايقين في القياس، فبإمكاننا الآن دراسة مفهوم الارتياب الدّيناميكي الّذي هو بدوره مفهوم مرادف لكلمة الّشواش في الفيزياء. والارتياب الدّيناميكي هو سلوك يرجع إلى نمط خاص جدّاً لاضطّراب فيزيائيّ مرصود في زمن معيّن داخل المنظومة الفيزيائيّة. وقد صيغ هذا المبدأ في القرن التّاسع عشر على يد الفيزيائي الرّياضي هنري بوانكاريه.

كان بوانكاريه عالماً فيزيائيّاً اهتمّ بالرّياضيّات والمعادلات الرّياضيّة الّتي تصف حركة الكواكب التّي تدور حول الشّمس. حيث أنّ المعادلات الّتي تصف دوران الكواكب حول الشّمس ما هي إلّا تطبيقات لقوانين نيوتن في الحركة، ولذلك فهي تتضمّن طابعاً حتميّاً. وما دامت هذه المعادلات الرّياضيّة حتميّة، طبعاً من جرّاء معرفتنا بالشّروط الأوّليّة المناسبة – في هذه الحالة، مواقع وسرعات الكواكب السّيّارة في زمن محدّد – فإنّنا سنكتشف مواقع وسرعات الكواكب السّيّارة في أيّ زمن سواء في الماضي، أو ما ستكون عليه في المستقبل. ولكن كانت هناك حالة دائمة من الإبهام والشّكّ والغموض، مهما بلغت ضآلتها، في جميع التنبّؤات والتّوقّعات الفلكيّة التّي نستخلصها من القوانين الرّياضيّة النّيوتونيّة. وقد ظلّ الأمر كذلك حتّى حلول عصر بوانكاريه، حيث أنّ حالة الّلايقين المزعجة الكامنة في التنبّؤات والتّوقّعات الفلكيّة كانت تعتبر من المشكلات الرّئيسيّة، وذلك بسبب افتراض ضمنيّ تمّ اتّخاذه من قبل جميع الفيزيائييّن في ذلك العصر… ويقول هذا الافتراض: (أنّك إذا استطعت تقليص حالة الّلايقين الكامنة في الشّروط الأوّليّة – ربّما باستخدام آلات بالغة الدّقّة في القياس – فإنّ أيّ غموض أو ارتياب في التنبّؤ سوف يتقلّص بنفس الطّريقة). وبعبارة أخرى، عندما نزيد من مقدار الدّقّة ضمن المعطيات والشّروط الأوّليّة في القوانين النّيوتونيّة، فإننا نحصل على نتائج أكثر دقّة وصحّة في التّوقّعات المستقبليّة.

لكنّ بوانكاريه كان قد لاحظ أنّ هناك عدّة أنظمة فلكيّة لا تخضع للقانون الذّي يقول: (كلّما قلّت كمّيّة الشّروط الأوّليّة، أدّى ذلك إلى تقليص كمّيّة التّوقّعات المستخلصة بطريقة متساوية). وعندما قام بوانكاريه بتحليل المعادلات الرّياضيّة وجد أنّه حتّى الأنظمة الفلكيّة البسيطة تخضع لقانون (تقليص ــ تقليل) للشّروط الأوّليّة والنّتائج المستخلصة النّهائيّة، وهناك أنظمة أخرى لا تخضع لهذا القانون.

أمّا الأنظمة الفلكيّة التّي لا تخضع لهذا القانون (تقليص ــ تقليل) فإنّها تتكوّن من ثلاثة أو أكثر من الأجرام الكوكبيّة متفاعلة فيما بينها بشكل نموذجيّ. ومن اجل أنواع كهذه الأنظمة، فقد رأى بوانكاريه أنّ هناك تشويشاً وفوضى بالغة الصّغر ضمن الشّروط الأوّليّة سوف تتزايد مع الزّمن وبدرجة هائلة. وقد أثبت بوانكاريه أنّ هذا التّشويش، وهذه الفوضى بالغة الضآلة، الكامنة في الشّروط الأوّليّة سوف تبقى حتّى ولو تقلّصت الشّكوك والّلايقين إلى أصغر حجم يمكن تخيّله. وهكذا في مثل هذه الأنظمة – حتّى لو تمكّنّا من تعيين القياسات لآلاف المرّات، بل لملايين المرّات – فإنّ حالة الّلايقين لن تتناقص في المستقبل، بل ستبقى ولكن بنسب متفاوتة.

وقد حاول بوانكاريه إثبات أنّ هذه “الأنظمة المعقّدة” هي الطّريقة الوحيدة لتحقيق النّتائج المرجوّة مع أكبر درجة ممكنة من الدّقّة. وسوف يستلزم تعيين الدّقّة في الشّروط الأوّليّة إلى توقّعات ضخمة وغير محدودة. وأيّ غموض أو تشويش – مهما بلغت ضآلته – ضمن هذه الأنظمة الفلكيّة التّي تكلّم عنها بوانكاريه سوف ينجم عنه – بمرور الوقت – نوع من الارتياب الّذي قد يكون من الصّعب جدّاً قياسه في صلب التنبّؤات الحتميّة. وقد أطلق على هذه الحساسيّة المفرطة تجاه الشّروط الأوّليّة اسم (الارتياب الدّيناميكي)، أو ببساطة (الشّواش / Chaos).

ولأنّ التنبّؤات الرّياضيّة بعيدة المدى التّي تصف المنظومات الشّواشيّة لم تعد أكثر دقّة من الصّدفة العشوائيّة، فإنّ معادلات الحركة لا تستطيع أن تقدّم سوى توقّعات قريبة المدى مع درجة ضئيلة من الدّقّة واليقين.

لقد عدّ عمل بوانكاريه عملاً هامّاً في ذلك الوقت من قبل بعض الفيزيائييّن النّظرييّن، وقد تطلّب مضيّ العديد من العقود قبل اكتشاف المضامين الحقيقيّة لهذه الاكتشافات من قبل المجتمع العلميّ… والسّبب الأساسيّ هو الاكتشافات العديدة التّي حققّها عدد من الفيزيائييّن ضمن مجال جديد في الفيزياء يدعى (الميكانيك الكمومي*).

{{6)- مظاهر الشّواش3: Manifestations of Chaos}}

عندما اكتشفت ظاهرة الشّواش اعتبرت هذه الظّاهرة شذوذاً رياضيّاً، وبعد عقود من تحقيق هذا الكشف الكبير، اكتشف الفيزيائيون أنّ السّلوك الشّواشيّ منتشر بشكل كبير جّداً في الطّبيعة، حتّى أنّهم اعتقدوا أنّ الشّواش هو سمة من سمات الكون. وكان أحد أكبر الاكتشافات في هذا المجال قد حدث على يد عالم الأرصاد الجوّيّة إدوارد لورينتز الّذي وضع برنامجاً رياضيّاً حاسوبيّاً لدراسة نماذج مبسّطة لحالة الطّقس. وقد درس لورينتز بالتّحديد كيفيّة صعود وهبوط تيّارات الهواء عند تسخينها من قبل الشّمس.

تضمّن برنامج لورينتز الرّياضي معادلات تتحكّم بتدفّق التّيّارات الجوّيّة، في حين أنّ قوانين البرنامج كانت تعمل بطريقة حتميّة. وقد اعتقد لورينتز أنّه بإدخاله ذات قيم الشّروط الأوّليّة في كلّ مرّة في الحاسوب فإنّه سيعطيه نفس النّتائج التّي أعطاه إيّاها في المرّة الأولى. ولكنّ الذّي حدث أنّه كان يحصل على نتائج مختلفة في كلّ مرّة، وبعد تمحيص دقيق اكتشف لورينتز أنّه لم يكن يدخل ذات القيم في الحاسوب، بل كانت تختلف من مرّة إلى مرّة بتفاصيل دقيقة جّداً. ولم يلاحظ لورينتز أنّ قيم الشّروط الأوّليّة التّي كان يدخلها مختلفة لأنّ التغيّرات فيها كانت ضئيلة للغاية، لدرجة تعتبر أنّها ميكروسكوبيّة وغير هامّة حسب المعايير المعتادة.

لقد درست البنى الرّياضيّة للنّماذج الجوّيّة التّي وضعها لورينتز في السّبعينات من القرن الماضي، وكان معروفاً أنّ أيّ تفاوت بسيط وغير ملحوظ بين قيم شرطين أوّليّين سينجم عنه اختلاف كبير جدّاً -عاجلاً أو آجلاً – في النتّائج المترتبّة عنها. وطبعاً، هذه هي السّمة الأساسيّة والمميّزة للمنظومات الشّواشيّة.

يعتقد علماء اليوم أنّ الطّقس عبارة عن منظومة شواشيّة – على غرار برنامج لورينتز الإلكترونيّ – وهذا يعني أنّه لكي نضع توقّعات جوّيّة بعيدة المدى وبأفضل درجة ممكنة من الدّقّة واليقين، فإنّ علينا أن نأخذ بعين الاعتبار عددا غير محدود من القياسات، حتّى ولو فرض علينا هذا أن نملأ الغلاف الجوّيّ بعدد هائل من أجهزة القياس: مقاييس الحرارة، مقاييس سرعة الرّياح، مقاييس الضّغط الجوّي… ولكن الارتياب والمتغيّرات سوف تظهر منذ اللّحظة الأولى ضمن القيم الأوّليّة التّي جمعت من آلات القياس الموزّعة على شكل مصفوفات في كافّة أرجاء الغلاف الجوّيّ. ولأنّ الغلاف الجوّيّ ذو طبيعة شواشيّة في الأساس، فهذه المتغيّرات الارتيابيّة – مهما بلغت ضآلتها- سوف تطغى على أيّ قياس وتعمل على تشويش النّتائج وتسقط عنها الدّقّة واليقين.

غالباً ما يطلق على هذا المبدأ ضمن مجال الأرصاد الجوّيّة بــ “تأثير الفراشة*”، وينصّ هذا المبدأ على أنّه لو رفّت فراشة بجناحيها في قسم ما من العالم، قد ينتج عن هذه الرّفّات في غضون سنة أعاصير وعواصف هائلة في الجهة المقابلة من العالم. وبذلك تكون التّوقّعات الجوّيّة قريبة من الدّقّة فقط عندما تكون على المدى القريب حسب المبدأ السّابق4. أمّا التّوقّعات ذات الطّابع بعيد المدى، فلن تكون أكثر من مجرّد توقّعات محكومة بالصّدفة في أحسن الأحوال، حتّى ولو كانت موضوعة من أكثر العقول الإلكترونيّة تعقيداً.

الظّاهر أنّ وجود الأنظمة الشّواشيّة في الطّبيعة قد حدّ من قدرتنا على تطبيق القوانين الفيزيائيّة للحصول على تنبّؤات دقيقة، فاكتشاف الشّواش دلّ على أنّ صفتي الفوضى والعشوائيّة كامنتان في قلب النّماذج الكونيّة التّي نعتقد بأنّها حتميّة وجبريّة. وبسبب هذه الحقيقة، بدأ العلماء بالتّساؤل عمّا إذا كان القول بوجود نظام حتميّ للكون له أيّة معنى.

يبقى هذا التّساؤل قائماً ومفتوحاً على مصراعيه، ولكنّه سيقدّم الأجوبة للعلماء – ولو حتّى جزئيّاً – عن كيفيّة عمل الأنظمة الشّواشيّة. وأحد أهمّ الجوانب في مجال دراسة هذه الأنظمة هو ما إذا كان الشّواش يخلّف نظاماً ونماذج رتيبة في الشّكل العامّ. وقد اعتقد علماء الفيزياء المعاصرة أنّ الشّواش – الفوضى التّي تعمل ضمن القوانين الحتميّة والجبريّة ضمن المجال الميكروسكوبي – هو أمر ضروريّ جدّاً وأساسي لبروز النّماذج الفيزيائيّة المنتظمة في الشّكل العامّ. ويعتقد بعض العلماء في الوقت الحالي أنّ وجود الشّواش في الفيزياء هو الذّي يعطي الكون “سهمه الزّمني”*، الّذي هو سريان غير معكوس للزّمن من الماضي باتّجاه المستقبل.

{{الخاتمة:}}

دخلت دراسة الشّواش في الفيزياء القرن الحادي والعشرين، ومازال التّساؤل قائماً هل للكون خصائص حتميّة وجبريّة، وستبقى على هذه الحال بلا شكّ، حتى ولو فهمنا المزيد والمزيد عن طريقة عمل المنظومات الشّواشيّة. ولعلّ دراسة الشّواش ستكون الطّريق لفهم مكوّنات معرفتنا البشريّة التّي أُزهقت من أجلها ملايين بل مليارات الأرواح، وسيكون الشّعلة المنيرة لفهم تعقيدات المعرفة البشريّة والعقل البشريّ، بل ولفهم ذاتنا الإنسانيّة وما نحن عليه في الحقيقة.

{{عن موقع:

http://order.ph.utexas.edu/chaos

E-mail: outlandish2020@yahoo.com}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق