ما بعد الإسلام السياسي

يمكن القول إن “براديغم الإسلام السياسي” قد دخل النفق المسدود نفسه الذي دخل إليه من قبل الأنموذجين الإيديولوجي القومي والاشتراكي في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. لا يتعلق الأمر هنا بطبيعة الحال بالفكر الإسلامي من حيث هو خطاب نظري ومشروع ثقافي، بل بالإيديولوجية التي رفعت الشعار الإسلامي أنموذجا للحكم وإطارا للممارسة السياسية.

وكما أن الفكر القومي العروبي لا يمكن اختزاله في التشكيلات الإيديولوجية التي تبنته واعتمدته، فإن الفكر الإسلامي يتجاوز بداهة هذا البراديغم السياسي الذي يمكن تلخيصه في الأسس الثلاثة التالية:

–فكرة الدولة الإسلامية كمرتكز للهوية العقدية للأمة: أي النظر إلى الدولة ككيان محايث للدين وحافظ لنمط الاجتماع الإسلامي، ما يعبر عنه شعار مؤسس جماعة الإخوان المسلمين المصرية المشهور “الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف.”

–مقولة “الغزو الثقافي” كإطار للنظر إلى الفكر الحديث: باعتبار مصدره الغربي وخلفياته الدينية الصريحة أو الملتبسة. ـ مقولة “حتمية الحل الإسلامي” وفكرة السقوط الوشيك “للجاهلية الغربية” المرتبطة بها. فبخصوص المقولة الأولى، ندرك من خلال استنطاق النصوص والرجوع للسياقات التاريخية أنها تقوم على مصادرة زائفة، هي إناطة هوية الأمة وعقيدتها في الدولة، وعدم تبين الفروق الجوهرية بين الدولة السلطانية الوسيطة والدولة القومية الحديثة. فعلى الرغم من أن الإجماع قائم تقريبا بين علماء الأمة على وجوب نصب الإمام (على اختلاف بين القول بالوجوب النصي أو العقلي)، إلا أن ربط شروط التدين وهوية الأمة وتماسكها في الدولة ليس موقفا إسلاميا مألوفا، بل يرجع إلى خلفيتين خارجيتين: فارسية قديمة عبّر عنها عهد أردشير المشهور الذي ينص على التوأمة بين الدين والملك، وغربية حديثة عبّرت عنها الصياغة الهيغلية لفكرة الدولة القومية بصفتها تجسيدا لروح الأمة.

ولا شك أن التجربة التاريخية أثبتت أن الدولة لم تكن هي التي نشرت الدين وحافظت عليه، بل إن الإسلام انتشر في أصقاع كبيرة في آسيا وإفريقيا خارج أي معادلة سياسية. ولم تتماه دولة الخلافة والدولة السلطانية التي ورثتها مع الأمة بصفتها دائرة الهوية الجماعية، بل إن الدين ارتكز على مؤسسات المجتمع الأهلي المستقلة عن الدولة (من أوقاف وأصناف ومؤسسة إفتاء وتدريس) أكثر من ارتكازه على الدولة التي اتسمت طيلة التاريخ الإسلامي بالهشاشة والضعف. وليس رفع شعار الدولة الإسلامية في غياب هذا الوعي بمميزات اللحظة التاريخية قديما وحديثا سوى تحويل الإسلام إلى إيديولوجيا للدولة الوطنية الحديثة، ما ينسجم مع طموحها الكلي الشمولي. أما المقولة الثانية التي نشير إليها باقتضاب، فتخلط بين مسار تاريخي نظري هو مسار الحداثة كحالة فكرية ووجودية، وسياقات تشكلها الثقافية والمجتمعية التي لا تنحصر في المجال الغربي (الذي يتسم بالتنوع والديناميكية).

فالخطاب الإسلامي السائد الذي يتبنى مقولة الغزو الثقافي يستبطن لامحالة أكثر المقولات إيغالا في التحديث، بل ما في بعد الحداثة أحيانا، ولو بصفة ملتبسة غير واعية كالاستناد إلى الأطروحات الوجودية سابقا والتفكيكية راهنا في نقد الحداثة الغربية. أما المقولة الثالثة التي رفعها الجيل الثاني من حركة الإخوان المسلمين فتحمل بصمة الحتميات الماركسية وأدبيات النقد الكولونيالي التي راجت في الستينيات والسبعينيات، وتنم عن عجز جلي في التواصل مع الآخر والتحاور معه.
لامناص من الاعتراف بأن الفكر الإسلامي قد راجع الكثير من الآراء المنضوية تحت هذه المقولات، بل إن العديد من التشكيلات الحزبية الإسلامية المنخرطة في الحراك السياسي قد غدت واعية بالمأزق الذي يفضي إليه هذا البراديغم، إلا أن التحدي القائم هو تحول هذه الاتجاهات، إما إلى أنموذج الأحزاب المحافظة المستندة إلى المرجعية الحضارية الإسلامية من ضمن النسق الليبرالي، على غرار حزب العدالة والتنمية في تركيا، وليس البديل سوى إما الانكفاء على خط التربية الروحية والإرشاد الخلقي (كما كانت بداية جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية)، وإما الاصطدام بالمجتمع وحمل السلاح على الناس وانتهاج مسلك العنف المدمر، كما حدث في ساحات عربية وإسلامية عديدة.

{نشر في جريدة أوان في 29/3/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق