ما بين الحاضر.. والذاكرة الحاضر بطل الأزمنة الحديثة!..

منذ البدء.. حارب “العقل/ الوعي” البشري، أزمته الوجودية الأعتى، المتمثلة بكينونته ” ولد لينتهي”.. مثلت النهاية “الموت” أزمة أخلاقية شديدة الحساسية، إذ حكمت على أي جهد بشري بالضياع..! فاستحدثت الحضارات، قبل انغماسها في عبث النسيان، بديلا جماليا دينيا عالي الشفافية، منح دبيب البشر على الأرض القاسية معنى مطمئناً، ووعدا بالخلود.. حيث كانت “الدراما” المنبثقة من التقليد، المولودة في رحم التذكر.. الموشاة بعبق الماضي الذي تم إحياؤه، هي الحل الأجمل والأكثر مقاربة للتجربة الإنسانية.. حضرت الذاكرة كحارس للإرث البشري.. كانت ذاك البديل الذي حضر دوماً في كل ثانية من زمن البشرية.. شكلت الذاكرة، خزاناَ غنياً رفد تجربة البشر، عبر استحضار التأريخ، و تبنيه كأهم اختراع مضاد للموت.. مناهض للنسيان!

عبر الحكايا والغناء، ورسومات الكهوف وألوان الأجساد العارية.. عبر العمارة، والكتابة، والصوت، وديناميكية المنجز في الطقس الديني/الفني! خلّد البشر تجاربهم.. ماثلوا ذاكرتهم وتطابقوا معها.. استحضروا الماضي وأعادوا إحياءه، بتكرار دوراني.. رقص البشر لآلهة ستعيدهم أحياءً، وتمنح عبث أزمنتهم وهم الاستمرار وحلم الأبدية..على حواف النسيان وقبل الغرق في وحوله.. مثّل الفن أجنحة الإنعتاق الأولية ليصبح، منقذا أولا.. ثم تطهر من وظيفته المؤرخة للحظات العيش، وترك مهمته كمقاتل عنيد ضد الموت “النسيان”، وتحرر ليصبح الفن غاية بحد ذاته!

عندما بدأ البشر بتبني التذكر، أو استحضار تفاصيل الحياة عبر الذاكرة.. سيطرت الأوهام.. واحتل الخوف من التزوير المساحات الأهم في المعتقد البشري.. أو بالأحرى في ضميره.. كُرس الخوف من التلفيق بطريقة ارتدت في أحيان كثيرة مسوح السلطة المتحكمة، بأمر الغيب حيناً، وبأمر الأخلاق والأحكام القيمية أحياناً أخرى.. خاصة عندما ظهرت الأديان، أو بالأحرى تطورت لتصبح سماوية، وتحولت الآلهة بسماتها الإنسانية إلى “الله” بشكله الوجودي وأسئلته المعقدة، وظهوره، وتجليه كمؤسسة محاسبة من ناحية الثواب و العقاب، فانفصل – جنينيا وبالتدرج- الديني عن الفني، والروحاني عن الجمالي، فأخذ دور الذاكرة المؤرخة شكلا أكثر تعقيدا.. إذ ضاع ما بين الذاكرة المؤرخة كضرورة جمالية.. أو تلك الذاكرة المؤرخة كضرورة سلطوية دينية أولا.. ثم سلطوية سياسية ثانيا..

تناوبت الحواس في تلقي الفن أو إنتاجه.. فما بين اللمس، الرؤية، السمع..الخ تداولت حواسنا السلطة فيما بينها، لتحوز إحداها السيادة تعبيرا وتلقيا، لكن المنتج الأهم والمحرض الأبقى.. كانت “الذاكرة” !!صحيح إن التكرار لم يكن متطابقاً.. والدوائر لم تكن مكتملة.. دارت التجارب بشكل هندسي آخر مختلف عن كمال الدوائر.. اهليلجي ربما.. لكنه لم يعد ولو مرة، لنقطة انطلاقه الأولى.. بعبقرية ظل البشر يتذكرون التجارب مضافا إليها المتخيل، مضافا إليها الرؤية، والتشوف.. تلك المساحة من الاحتمال.. من “الربما” أغنت تجارب الأمم.. باختلاف تجاربها، وزاد غنى البشرية.. اختلف الشرق عن الغرب.. والشمال عن الجنوب!!

قدمت بعض الحضارات نفسها كمنتجة للعقلانية ومصدرة للمناهج الفلسفية الرزينة، صارمة حينا أو متناقضة مع الزهد والتقشف والتشذيب الذي يمارسه العقل على الحواس.. بقيت حضارات أخرى متماهية مع حالتها البدئية بشكلها الطوطمي، أو حتى مع روحانيتها، وتدينها اللتين كرستا لتحوزا نمطية فكرية، لا مناص من تكرارها، كما في الهند أو الصين مثلا ، وذلك لم يكن فقط بسبب تأثيرات جغرافية وتاريخية مندغمة بشكل مريب..! بل بإصرار منكر لمرور الزمن، ورّث جينياً عبر قرون طوال..!

لكن النتاج الفني الحديث، ظل وعلى الدوام مناهضا لأفعال التذكر..

يرفض الفن الحديث بمجمله، هيمنة الذاكرة، رفض منتجو الفن الآن، روائيين وشعراءً وسينمائيين أن يصبحوا ضحايا للذاكرة.. تحديدا تلك الاتجاهات الشعرية المنغمسة باللحظة، المنسلخة عن الماضي، المنطلقة من الحاضر والمثبتة به..! ُكرس اتجاههم عبر قطيعة مع الشعر المنطلق من التاريخ والأسطورة والمخيلة، نُبذت الذاكرة بشكلها ” النوستالجي” وتم تبني الحاضر..خسرت الذاكرة، لصالح واقع “درامي” صوري سينمائي دوغمائي بفجاجته، بدأت إرهاصاته الأولى بالظهور عبر العالم مع هيمنة الرواية، وتجييرها إلى صورها السينمائية الأشد تشبثا بالواقع المرئي، وأصبح الشعر بحالته المكثفة لا يمثل حالة، ولا يؤسس لفضاء، بل يلتقط لحظة فارة ويؤطرها، لا ليصنع التاريخ وامتداده عبر تلك الذاكرة الملعونة، بل عبر وقف الزمن مطلقا صرخاته أن قف..!! فما بين خلود الفن، وانفلات امتداداته خارج الزمن، إلى ثبات يشبه الـ “pose” في لقطة مصورة.. أختار الفنانون فناء الرؤية الآنية، وانحازوا للواقعية وصدقها كما فعلت السينما التسجيلية وتلفزيون الواقع عبر جعل كل البشر مشاركين في صنع التاريخ..!

منذ بدايات القرن الماضي مع تفسخ البيئة الأخلاقية في أوربا بعد الحربين الكونيتين اللتين زلزلتا البنية الاجتماعية والدينية والثقافية في تلك البلدان، ضاع الاحتفال بالطبيعة البشرية، ففي أرض يباب بلا أفق ولا فضاء بشّر به ” ت س إليوت” أصبح بطله “بروفروك” الباحث عن انتحاره في لندن تلك العاصمة التائهة في غيوم هباب فحمها الحجري، أصبح رمزا لجيل بدأ يلتقط صورته ويثبتها في الفناء، في النسيان، في الموت ، في “الانتحار” قبل أن تفر به تلك “الصورة” إلى مجهول آخر أو فضاء لم يعد مطمئنا أو مفهوما، بل مؤلما فقط.. فالفن المؤمن بقدرات البشر أو بؤسهم، ولعنات الأجداد، والذاكرة الحافظة لوجدان الأمم..! ابتعد عن زخارف بلاغية مكررة رافضاً أو منكرا على نفسه الارتحال والبكاء على الأطلال ، أو حتى المطالبة بالانعتاق والحرية وإطلاق اللحظة حتى فضاءات ممتدة، رفض أن يستعيد الماضي ، أو يكرس تجارب الأقدمين، أحلامهم،بالارتحال والانعتاق، وهرب إلى لحظة مثبتة وانعكاس مباشر..! تحول منتج الفن! الروائي/ الشاعر إلى مرآة صماء.. كاميرا تدور وتلتقط صورا في أجزاء من الثانية، صورا متشظية، متبعثرة، تحكي الاعتيادي وتناقض المخيلة العاجزة عن تصديق حقيقة ما يجري..! “تروي” لكن بالرؤية بالنظر إلى ما تشاهد من واقع مهيمن، اختفت الشعرية والسحر.. اختفت الذكرى والتذكر.. أنكرت اللغة لغتها وبدأ البحث عمَا لا تؤديه الصفة..

بعد الاعتراف بمشروعية طرحه، أو التسليم بذاك التوجه، تحت ضغط واقع معيش..! بشّر الفن بولادة جديدة له، تجاوزت قصيدة النثر، أو شعرية الرواية.. تحوَُلا إلى نثرية أخرى، مورست في الرواية، والفيلم السينمائي، وحتى في برامج تلفزيون الواقع..إذ راوح النتاج الفني بين الشعرية ونكرانها، لكنه غادر دون خوف نحو نتاج مثبت، متمفصل، في بيوغرافيا الصورة، فلا امتدادات زمنية تجاه الماضي أو المستقبل.. فقط الحاضر كان بطلا لكل الأزمنة.. فلا ذاكرة هنا لتتبنى، ولا ماضي يجثم فوق كل الصور ويحتلها.. ساد الحاضر بلحظويته!! لأنه كان أقسى من أن يُهمل، والحروب مشتعلة، والبشر في المعتقلات بالآلاف، والعنف والقمع الاجتماعي الديني، والسياسي كلها تأكل الحب والحرية وتجيرهما إلى استغراق بالجسد.. بالجنس.. خلعت اللغة ثيابها المهلهلة.. المهترئة مثل البنية الاجتماعية التي أفرزتها..! سادت لغة جديدة.. لغة انفتحت على الدلالات الصورية، ودرامية اللغة الجديدة، الحاضرة في وجدان منتجي الفن الحديث. عبر هذا الاستقراء السريع للنتاج الفني، في الأعوام القريبة من نهاية القرن العشرين، وبدايات قرننا الحالي، ندرك وببساطة أن هناك اقتراحا جديدا يخص التناول الإبداعي الحديث ، ففي عالم لم تعد فوضاه محتملة ولا مفهومة ..كان الحل في نبذ الذاكرة بحالتها النوستالجية.. والتشبث والثبات في مكان ما مألوف الهيئة.. مدرك وملتقط في الوعي، في اللحظة، في “صورة” اعتيادية لا مرتحلة ولا منطلقة عبر حنين إلى ماض مندغم، ضائع في المدى، بل متثبتة بالحاضر الذي كُّرس وأصبح بطلاً لكل الأزمنة الحديثة..!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق