ما بين الكتب والواقع…كنتِ أنتِ!

لا أستطيع استرداد الكلمات التي آذتك بعلم مني أو بغير معرفة مني، لكني أحاول أن أعوض عليك بهذا البوح الطالع من أعماقي.

أنا أتفهّم الآن الشعور الذي كان يدفعك لامتصاص ما فعلناه بك في طور نشأتنا إلى أن قسا عودنا الغض، وبدأت رحلتنا الحقيقية في الحياة بعيداً عنك.

أأغضبتك مراهقتي؟ عنادي وجموح خيالي و انشداد الصغيرة للأحلام؟

نعم لا بد أن حصل وغضبت مني: خوفاً عليّ، فأنت تعرفين أن مصطلح الجموح كان موجوداً في خيالي وليس خارجه، وأكثر من ذلك أنت تعرفين: أن العالم لم يستقبل أي مولود فاتحاً له صدراً حنوناً، وكنت تتعاملين مع تغيراتي ببداهة حتى حين اعتقدت أنّ العالم فتح ذراعيه كي يحرض كياني على أن أمد يديّ خارج عباءة العائلة، لألتقط النجوم بلمح البصر!!

لكن ما ذنب المراهقين إن كان بعض من يصوغون الأفكار في المدرسة والتلفزيون والإعلام والأدب والأفلام متناقضين، فمرة يحرضوننا على التمرد ومرة يعاقبوننا إن تمردنا ومرة يقولون لنا: أن الله محبة وتسامح ومرة يقولون: أنه سيحرق جلدنا إن لمسنا أجسادنا أو لمس يدنا شخص آخر والأسوأ من هذا أن: كلما احترق جلدنا في النار يظهر لنا جلد جديد كي يحرقه الله المتسامح!!

ما ذنب هؤلاء المراهقين أن يسمعوا عن الحب ومعجزاته ثم يتلقفهم المتاجرون في الحب؟

مع ذلك فالمراهق يتعلم أن العالم ليس كما يتخيله، ولكن ستكون لديه الإرادة الكافية ليجرب صدق أو كذب الأفكار في الخفاء أو العلن. إذا أين كانت تكمن حكمتك؟ أني كنت محظوظة بك لتتلقفي أخطائي البشرية بالدفء قبل أن أطبّق على الواقع قانون البساط الأخضر: الممدود أمامي كي أمشي عليه.

حكمتك هي نفسها التي دفعتك لكي تقفي أمام جموحي موقف المراقب النافذ البصيرة، لكنها هي نفسها التي دفعتك لتوفير فسحة من الحرية كي أجرب، فتعثرت ووقفت ثم كبوت ونهضت ثم أطبقت على خنّاق روحي وحررتها وكل ذلك تم بكلمة واحدة: “أثق بك!”

كنتِ تكرهين الخوض في أمور لا أستطيع تغييرها لكني كنت نسخة عنك وما كان أمامك سوى أن تكوني متأهبة لاحتضاني لحظات التعثر والكبوة، وكان هذا أفضل ما في أمومتك.

{{أذكر واقعتين مازالتا محفورتين في دماغي:}}

الأولى حين مرّ عليّ عيد الأم الأول، كنت بعيدة عنك.. في مدينة أخرى، وكنت منشغلة إلى حدّ الإعياء بالدراسة والعمل والعائلة والمال الشحيح ولن تبتسمي إن قلت: بالقضايا الكبرى، وكنت نسيت عيد الأم.

كان ذاك اليوم من آذار ماطراً، ومثل العادة كنت متأهبة للخروج مستعجلة كأن الكرة الأرضية تدور بسرعة لا أستطيع مع هذا الدوران أن أنجز ما يترتب عليّ، وما أن فتحت الباب أهمّ بالخروج حتى وجدتك أمامي، وملابسك المبللة تقطر ماءً و انحسر الشال عن رأسك وبانت خصلات شعرك الشيباء، لكني لن أنسى بريق اللهفة في عينيك:
“كل عام وأنت بخير.. هذا أول عيد أمّ تمرّين به.. صنعت بنفسي قالب الحلوى”

لازلت أتساءل مراراً وتكراراً: قطعت مسافة مئتي كيلومتر في بلد لم يعرف وسائل النقل الحديثة إلا منذ بعض الوقت، بحيث أن قطع تلك المسافة كان أشبه بعقاب وفوق ذلك في جو ماطر، وها أنا أقول لك: مجيئك لي هو أفضل كرنفال حضرته وقالب الحلوى البسيط: أفضل هدية تلقيتها، وأمومتك؟ ما عاش ظالم يسبي الأمومة.

مرّة أخرى: أتيتك متعبة مرهقة وأستطيع القول: غير متوازنة، وكانت تستوي لديّ الحياة والموت. لم أكن صغيرة كنت تعدّيت الخامسة والعشرين

التفاتة سريعة منك موجهة نحوي واطلعتِ على تقرير مفصّل عن أحوالي، وحين جاء الليل جاءت معه لغتك النافذة إلى القلب: وضعتِ في حجرك قدميّ الباردتين، ولففتني بدفء لم أعرفه منذ خرجت من بيتك.

أنت لا تفرضين علىّ تعلم الدروس لكني تعلمت منك أن الأمومة فنّ يجب أن نتقنه بعيداً عن المثالية التي صورتها لنا الكتب المدرسية، وفي جوهر الأمر أنا لا أحب النظر إليك على أنك كاملة، فالآلهة وحدها كذلك، لكني مندهشة أتساءل: من أين أتيت بكل الهبات العاطفية لتوزعيها بعدل على ستة أولاد وزوج، بينما أنوء تحت عبء توزيع عواطفي على عدد أقل من هذا بكثير؟

قد تكون الإجابة صعبة.. تعادل صعوبة تعلمنا لفنّ صناعة الحب والحياة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق