ما بين حريّة التّعبير والانتهاكات الجسيمة لمنظومة القيم الإنسانيّة


1- تصدير من وحي الأحداث… من حوار الحضارات إلى صدامها 
 تمّ خلال السّنوات الفارطة تدشين نقاش واسع عبر ربوع العالم حول ما يسمّى عادة بحوار الحضارات، أو التّحالف بين الحضارات، أو التّواصل الحضاري. لكنّ هذا النّقاش ظلّ تأثيره محدودا عند ما حقّقه من صدى إعلامي غطّى في الحقيقة على جوهر الدّاء؛ حينما كان يقدّم مهدّئات عديمة الجدوى، دون الإقدام على طرح القضيّة بكامل الوضوح، دون لفّ أو دوران.
 ولأنّ هذا النّوع من الحوار يخصّ بدرجة أولى الغرب في علاقته بالعالم العربيّ الإسلاميّ، فقد تمّ ربطه بشبكة من المصالح نسجها من خلال التّحالف القائم بين النّموذج التكنولوجي الغربي،
ومصادر الطّاقة التي تتمركز في الشّرق الأوسط خاصّة، وعلى امتداد رقعة العالم الإسلاميّ بشكل عام. 
 من هنا يمكن أن نتساءل بشكل عفويّ، هل كان الحوار حوارا حضاريّا يسعى إلى تقريب المسافة الفاصلة بين نموذجين حضاريّين مختلفين جمعت بينهما قرون من الصّراع؟
أم كان حوارا تتحكّم فيه المصالح الاقتصاديّة المتبادلة بين الطّرفين ما دام كلّ طرف يقدّر درجة التّهديد التي يمكن أن يشكّلها الطّرف الآخر؟ 
بالتّالي يمكن لهذا النّوع من الحوار أن يعيش على إيقاع المدّ والجزر في علاقة بدرجة المصالح أو التّهديدات الموجودة. 
 إنّ الأزمات المتوالية التي طبعت علاقة الغرب بالعالم العربيّ الإسلاميّ، كانت في الحقيقة امتدادا لنوعيّة العلاقة الرّابطة بين الطّرفين وهي علاقة يطبعها جهل مزدوج أي إنّ كلّ طرف يصرّ على تجاهل المقوّمات الحضاريّة للطّرف الآخر، ولذلك فهو لا يتوانى في احتقارها بل وتهديد وجودها. 
 لكن إذا كان جزء كبير من العالم الإسلامي قد دخل منذ القرن التّاسع عشر في تثاقف مثمر مع الحضارة الغربيّة من خلال الانفتاح على آدابها وعلومها واقتصادها وذلك من خلال بذل مجهودات فكريّة جبّارة من طرف النّخبة الفكريّة والسّياسيّة والاقتصاديّة؛ وقد ساهمت هذه المجهودات إلى أبعد الحدود في جسر الهوّة الفاصلة بين الطّرفين، لينتقل بذلك الغرب في المتخيّل الإسلاميّ من دار الكفر والحرب إلى امتداد حضاريّ أصبحت نسبة كبيرة من المسلمين تنفتح عليه وتستفيد منه دون أدنى مركّب نقص. 
إذا كان الأمر كذلك في العالم الإسلاميّ، فإنّ الأمر كان مختلفا تماما لدى الطّرف الآخر، فقد نظر الغرب منذ بوادر نهضته الأولى إلى العالم الإسلاميّ، باعتباره دار حرب ودار كفر بالمعنى “القروسطويّ” للكلمة. ولذلك فقد استباح سفك دمائه، بالمعنى المادّي والرّمزي، وقد كان الثّأر هو المتحكّم في علاقة الغرب بالعالم الإسلاميّ، ومن ثمّ تمّ استعادة معجم حربيّ متكامل لتأثيث المشهد السّياسي المتفجّر من الإنسان الأبيض/المسيحي المتفوّق، الذي يغزو العالم لنشر القيم والحضارة، إلى الحرب الصليبيّة المحشوّة بلفاف دينيّ/طهرانيّ، يبيح للغربيّ (المؤمن) قتل المسلم وتشريده (الكافر).
 إنّ أزمة المآذن التي أثيرت في سويسرا، و كذلك أزمة الرّسوم المسيئة للرّسول (عليه السّلام) و أخيرا حرق نسخة من المصحف الشّريف، وبعده الفيلم المسيء لنبيّ الإسلام تتزامن معه رسوم كاريكاتورية مسيئة… 
إنّ هذه الأحداث جميعها ليست في الحقيقة، سوى الشّجرة التي تخفي الغابة المتوحّشة، التي ترفل في اللّاشعور الجمعي للغرب، غابة تفرج عن وحوشها المفترسة، كلّما تعلّق الأمر بقضيّة ترتبط بالإسلام و المسلمين.
 وإذا عدنا إلى افتحاص و تفكيك الصّورة، التي نسجتها نخبة الغرب عن الإسلام و المسلمين يمكن أن نستوعب بشكل جيّد هذا الرّعب. فقد صاغ هكتنكتون كتابا كاملا “صدام الحضارات” حذّر فيه الغرب من العدوّ الأخضر القادم، والذي لا يختلف في شيء عن العدوّ الأحمر(الشّيوعيّة) المندحر، لذلك يجب أن تستعمل نفس الوسائل القديمة في المواجهة القادمة، والغاية المحوريّة هي المحافظة على طهرانيّة الغرب المسيحي-اليهودي- من دنس الشرّق الإسلاميّ “الكونفوشوسيّ”. 
 لذلك يجب على الغرب أن يحافظ على تماسكه و نسقيّته، باعتباره يشكّل نهاية للتّاريخ وتتويجا للتّطوّر الإنسانيّ منذ العصور البدائيّة الأولى و إلى الآن.
 يقول فوكوياما (الكونفوشوسي على الطريقة الأمريكية):
 “إنّ كلّ تطرّف على مستوى الممارسة، يزكّيه تطرّف مماثل على مستوى الفكر”. 
ونحن هنا لا نجانب الصّواب حينما نعتبر أنّ الحركة اليمينيّة المتطرّفة في الغرب، تعتبر صياغة إيديولوجية متماسكة، لمجموع الأفكار التي طرحت منذ هيجل، مرورا بالمرحلة الاستشراقيّة، وانتهاء بفوكوياما و هكتنكتون. و هي أفكار انطلقت من مركزيّة أوربيّة شوفينيّة، تعتبر أنّ الغرب هو مركز الحضارة التي يجب أن توزّع بالتّقسيط على شعوب العالم، وقد قادت مثل هذه الأفكار إلى حركة استعماريّة متوحّشة خلال القرن التّاسع عشر. وهي ما تزال إلى الآن تقود حروبا تدميريّة بشعة باسم نشر الدّيمقراطيّة والحريّة خارجيّا، وفي نفس الوقت تقود- داخليّا- حركة يمينيّة متطرّفة، تعادي كلّ ما هو مغاير ومختلف عن النّموذج الأوربيّ -الأمريكيّ- بادّعاء الخطر الذي يشكّله هذا المختلف والمغاير على “النّموذج الطّهرانيّ” للغرب. 
 إنّ النّقاش الدّائر اليوم حول الانتهاكات الجسيمة التي يمارسها الغرب- مؤسسات و أفراد- في حقّ منظومة حضاريّة ضاربة جذورها في أعماق التّاريخ والحضارة الإنسانيّة باسم حريّة التّعبير المفترى عليها، إنّ نقاشا من هذا النّوع، لا يجب أن يقتصر على المقاربة الوصفيّة السّطحيّة التي تكتفي إمّا بمسايرة الفعل (من منظور ليبيرالي فجّ) أو بردّ الفعل (من منظور سلفيّ متهافت) ولكن يجب أن نتجاوز ذلك إلى تفكيك و تحليل ما يجري ووضعه ضمن سياقه التّاريخيّ والفكريّ.
 الأمر هنا يتجاوز الفعاليّة الاحتجاجيّة (العنيفة) التي تسيء لقضيّتنا أكثر مما تخدمها، وذلك في اتّجاه التّأسيس لفعاليّة فكريّة مؤهّلة لفهم و تحليل ما يجري، في علاقة بالمثيرات التي تستهدف تحقيق استجابات من نفس جنسها . 

2 – ضرورة تفكيك مفهوم الحريّة 
تعتبر الحريّة قيمة أساسيّة ضمن المنظومة الفكريّة و القانونيّة الغربيّة؛ إذ يقترب الأمر أحيانا من مستوى القداسة و يعود ذلك – تاريخيا- إلى مجموعة من العوامل التي يمكن تناول بعضها:
مارست الكنيسة طوال قرون من الزّمن حجرا تاما على المواطنين، بدعوى تمثيلها للحقّ الإلهي الذي كانت تفوّضه للملوك. وقد شمل هذا الحجر جميع مجالات الحياة. فعلى المستوى الدّيني لم يكن يسمح بأيّ نقاش خارج “البراد يغم” الفكريّ/الكنسيّ السّائد. لذلك منعت كتب ابن رشد من التّداول، لأنّها تدعو إلى إقامة الاتّصال بين الشّريعة (الدّين) والحكمة (الفلسفة/التّفكير)؛ كما حوربت جميع المحاولات الدّاعية إلى الإصلاح الدّيني (مارتن لوثر/كالفنّ). ونفس القانون سرى على مستوى الممارسة العلميّة، فقد حورب العلماء بادّعاء أنّهم يزعزعون الإيمان ويمثّلون خطرا على النّسق الدّينيّ الكنسيّ، وخير مثال يحضرنا يرتبط بكلّ من (كوبرنيك) صاحب نظريّة “دوران الأرض ومركزيّة الشّمس” و(كاليلو) الذي دعّم هذه النّظريّة وأثبتها بالدّليل الرّياضيّ، فقد أدين العالمان من طرف الكنيسة، وتمّ حظر كتبهما.
كردّ فعل على القيود التي فرضتها الكنيسة – في شراكة مع الملوك و الباباوات- على حريّة التّفكير والإبداع و التّعبير، قامت ثورات عارمة عمّت كلّ أوربا. وإذا كانت مطالب هذه الثّورات سياسيّة – بالدّرجة الأولى- عبر الدّعوة إلى القطيعة السّياسية مع الأنظمة الملكيّة المطلقة الحاكمة؛ فإنّ الصّراع كذلك لم يخل من الشّحنة القيميّة، حيث حضرت الدّعوة إلى الحريّة باعتبارها قيمة القيم. وذلك بهدف تحطيم القيود الكنسيّة السّائدة. لذلك كان ثالث مبادئ الثّورة الفرنسيّة مثلا هو “الحريّة “(Liberté).
 ضمن هذا الإطار التّاريخيّ، وهذا السّياق السّياسيّ والفكريّ – إذن- يمكن أن نفهم كيف تحوّلت الحريّة إلى قيمة مقدّسة لا يمكن المساس بها.
 هذا ما تمّت بلورته – فيما بعد- من خلال مذهب فكريّ كبير ساهم – إلى أبعد الحدود- في تشكيل الفكر الغربيّ الحديث، وهو المذهب اللّيبراليّ الذي اتّخذ من لفظ الحرّية جذرا لغويّا و(فكريّا) LIBERALISME)). 
 و قد انعكست هذه القيمة الكبرى (الحريّة) على جميع المجالات. فعلى المستوى الاقتصاديّ جاءت الرّأسماليّة كبلورة لمفهوم الحريّة (حريّة الأسواق، حريّة المبادرة …) كما أنّها تقوم على شعار يرتبط جوهريّا بالمنظومة الفكريّة اللّيبراليّة (دعه يعمل، دعه يمرّ( Laissez faire Laissez Passé- / ). أمّا على المستوى السّياسيّ فقد جاءت الدّيمقراطيّة كبلورة لمفهوم الحريّة ( حريّة الاختيار، حريّة التّصويت …). وأفضل تجسيد لهذه المعاني، نجده في تعريف (أبراهام لنكولن) للدّيمقراطيّة – باعتبارها – ” حكم الشّعب بواسطة الشّعب من أجل الشّعب” Gouvernement du peuple par le peuple pour le peuple
 إنّ الحريّة بهذا المعنى أصبحت “معتقدا” لكن ما يجب التّركيز عليه أكثر، هو أنّ هذا المعتقد ارتبط بسياق تاريخيّ محدّد؛ وهذا لا ينفي – طبعا – أنّ الحريّة لدى الإنسان عامّة تعتبر قيمة وجوديّة. فلا يمكن استعباد من “ولدتهم أمّهاتهم أحرارا” بتعبير الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).
 لكنّ الحريّة في السّياق الأوربيّ، لها خاصيّتها المميّزة لأنّها – في الأخير- ثمرة تفاعلات سياسيّة واجتماعيّة خاصّة. ومن هنا يمكن تفهّم الحساسيّة المفرطة جداّ في علاقة الغربيّين بهذا المفهوم؛ حيث يتحكّم لاشعور جمعيّ و اجتماعيّ (بالمعنى النفسيّ والاجتماعيّ) في شحن الكلمة بدلالات تاريخيّة، تمتح من شبكة نفسيّة و اجتماعيّة ضاربة في التّعقيد.
 لذلك فإنّ إثارة هذا المفهوم في الفكر الغربيّ الحديث يتجاوز علاقة “الدّال” ب”المدلول” (بالمعنى اللّسانيّ) والتي تخضع لتوافق المتكلّمين، بل تحضر عمليّة استدعاء سيكولوجي، تطبع الكلمة بطابع سحريّ. واللّجوء إلى السّحر-غالبا- ما يكون كردّ فعل على الخوف من شرّ داهم ما، وليس هذا الشرّ المخيف – حقيقية- سوى تلك القرون من الحجر الذي مارسته الكنيسة في حقّ شعوب بأكملها، وأغرقتها في الظّلام، بعد أن جمّدت كلّ قوّاها على التّفكير والإبداع والإنتاج.
 إنّنا ونحن نثير الحديث حول مفهوم الحريّة في ثقافتنا الإسلاميّة، لا نستدعي هذه الشّحنة النّفسيّة وكذلك هذا السّياق التّاريخيّ والفكريّ الذي طبع المفهوم في السّياق الغربيّ/المسيحيّ. 
وهذا لا يعني أنّ السّياق الإسلاميّ كان متحرّرا على امتداد القرون، ولكن يجب أن نعترف أنّ الإسلام لم يوظّف رجال الدّين لكبت الإبداع والتّفكير، وإلّا لما كان “ابن رشد”، ولما كان “ابن خلدون”، ولمّا كان “زرياب”، ولقتل “أبو نواس” … إنّ علاقتنا في الفكر الإسلاميّ بمفهوم الحريّة، علاقة طبيعيّة (إلى حدّ ما) لا تطبعها جراح سيكولوجيّة غائرة كما هو الشّأن مع السّياق الغربيّ/المسيحيّ.
 لذلك فإّننا نتعامل مع الحريّة كقيمة وجوديّة واجتماعيّة، ولكن لم نصل إلى حدّ بلورتها كمعتقد دينيّ، ولعلّ هذا هو ما يساعدنا على التّعامل مع المفهوم بمرونة كبيرة، حيث نتقبّل مثلا – أنّ حرّيتنا تتوقّف عند حريّة الآخرين- كما نتقبّل أنّ الحريّة لا تعني مسّ المعتقدات، أو أنّ الحريّة يجب أن تضبطها قوانين اجتماعيّة و دينيّة … 
لكنّ الغربيّ لا يتفهّم كلّ هذا لأنّ الحريّة في اعتباره “كلّ لا يتجزّأ” بل هي أكثر من ذلك معتقد لا يخضع للمرونة بل سمته الاعتقاد الخالص.
 إنّ هذا التّحليل، هو الذي يمكنه أن يساعدنا على فهم سوء التّواصل الحاصل بين السّياق الثّقافيّ الإسلاميّ والسّياق الثّقافيّ الغربيّ/المسيحيّ، والذي أصبح خاصيّة مميّزة للعلاقة بين السّياقين، الأمر الذي أصبح يهدّد بانفجار الأوضاع في أيّ حين، وذلك بناء على أسباب تافهة لا ترقى إلى مستوى تهديد الاستقرار العالمي، بل تحتاج فقط إلى مجهود تواصلي بسيط يجعل كلّ طرف يفهم السّياق الثّقافيّ للطّرف الآخر و يحترمه، وهذه مسؤوليّة النّخبة الفكريّة والسّياسيّة التي يجب عليها ألاّ تنساق مع التّيّار الشّعبيّ العام.
3- حريّة التّعبير في السّياق الغربيّ… “الانتقائيّة العمياء” 
 في علاقة بمفهوم الحريّة – في السّياق الغربيّ – باعتبارها استقلاليّة للذّات الفرديّة في التّفكير والإبداع والتّعبير والممارسة … حضرت حريّة التّعبير كملمح أساسيّ ضمن هذا السّياق، وعندما نذكر هذا النّوع من الحريّة فإنّنا لا نربطه بمجال أو سياق محدّد، فهو يرتبط بمجال الإعلام وبمجال الممارسة الفكريّة بالمعنى الأكاديميّ، وكذلك بمجال الإبداع… و كلّها مجالات شكّلت فيها حريّة التّعبير حجر الزّاوية. وذلك من منظور أن لا تفكير ولا إبداع في غياب حريّة التّعبير التي تضمن مجالا واسعا للتّعبير والممارسة.
 وقد حضرت حرّيّة التّعبير – في السّياق الغربيّ – باعتبارها التّجسيد الأكثر قداسة في ممارسة الحرّية. ومن ثمّ جاءت الدّساتير والمواثيق الدّوليّة لحماية هذا الحقّ وتحصينه من أيّ اختراق سياسيّ. وهذا ما فتح مجالا واسعا، أمّا الخطاب الإعلاميّ والفكريّ والإبداعيّ لتحقيق الانتشار. 
بعد ذلك التّحوّل إلى سلطة موازية لسلطات الدّولة، إلى درجة تحوّل الخطاب الإعلاميّ إلى سلطة رابعة إلى جانب السّلطات التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة.
 السّؤال الذي أصبح يطرح نفسه اليوم – بقوّة- هل حرّية التّعبير تعني الانفلات من سلطة القانون والقيم الإنسانيّة المتعاقد عليها قولا و كتابة وممارسة…أيّ شيء من دون أيّ اعتبار؟ أم إن حريّة التّعبير مسؤوليّة قانونيّة وفكريّة وقيميّة تفرض نفسها على الأفراد والجماعات، باعتبارهم ذوات راشدة وعاقلة، قادرة على التّمييز والفرز بين مجال الحريّة ومجال التّسيّب والإيذاء؟ 
إذا كان السّياق الفكريّ الغربيّ قد قطع أشواطا، في بلورة مفهوم حريّة التّعبير، وذلك ما تؤكّده الأدبيّات الفكريّة والسّياسيّة والقانونيّة ذات الصّلة بالمفهوم.
 فلماذا يعبّر هذا المفهوم عن قسط كبير من الانحطاط على مستوى الممارسة الشّعبيّة؟
 هل لحريّة التّعبير سياقات متعدّدة داخل السّياق الغربيّ الواحد؟
 وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يساير هذا الجموح الشّعبيّ الغربيّ نحو (قول/فعل) كلّ شيء، تأطير قانونيّ وقيميّ على مستوى الحدث، مع العلم أنّ التّشريع الدّوليّ يفتح المجال واسعا أمام الحدّ من أيّ تسيّب أو فوضى في التّعبير والممارسة التي قد تسيء للأفراد والجماعات؟
 إذا كان الكثير من المفكّرين والسّياسيّين والإعلاميّين في الغرب يذهبون إلى أنّ حريّة التّعبير أمر مقدّس، لذلك لا يمكن لأيّ كان أن يلجم هذه الحرّيّة أو يحدّ منها حتّى ولو أدّى الأمر إلى إيذاء الآخرين. إذا كان هؤلاء يصرّون على هذا الاتّجاه وخصوصا لمّا يتعلّق الأمر بقضايا العالم الإسلاميّ، فإنّ التّاريخ الغربيّ الحديث نفسه يسجّل الكثير من الأحداث؛ التي تؤرّخ لمجموعة من القرارات السّياسيّة التي سعت إلى الحدّ من حريّة التّعبير حينما تصطدم بلغة المصالح أحيانا أو بلغة التّمييز العنصريّ المقيت أحيانا أخرى.
 في أمريكا – التي تتباهى بحماية حريّة التّعبير- يسجّل التّاريخ الأمريكيّ الحديث حظر مجموعة من الكتب مثل كتاب “مدار السرطان” لهنري ميللر، وكتاب “أوراق من العشب” لوالت هويتمان. كما يعاقب القانون الأمريكي على التّمييز العنصريّ ضدّ السّود ولا يدخله ضمن حريّة التّعبير سواء أكان فكرا أم إبداعا أم ممارسة، أضف إلى ذلك “الطّابو” الكبير؛ الذي يوجّه السّياسيّة الأمريكيّة بضغط من “اللّوبي الصّهيوني” وهو قانون معاداة السّامية؛ الذي يعتبر سيفا حادّا يهدّد رقاب جميع الأمريكيّين الذين قد يلمّحون – كتابة أو تمثيلا – إلى اليهود. 
و كم عانى المفكّر الفلسطينيّ/الأمريكيّ الكبير “إدوارد سعيد” من تحرّشات و تهديدات “الصّهاينة” حتّى وهو يقدّم محاضرات أكاديميّة في أعرق الجامعات الأمريكيّة. ورغم ذلك لم توفّر له الحماية التي يتمّ توفيرها لصعاليك المجتمع الأمريكيّ حينما “يخربشون أو يهرطقون” باسم حريّة التّعبير.
 وغير بعيد عنّا نتابع باستمرار ما يعانيه اللّسانيّ والمفكّر الأمريكيّ الكبير (تشومسكي) مع صنّاع القرار السّياسيّ والإعلاميّ والأكاديميّ في الولايات المتّحدة كعقاب له على رؤيته النّقديّة التي لا تهادن اللّوبيّ الصّهيونيّ المتحكّم في السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة. ولعلّ المسار يطول بنا لو عرضنا لأمثلة أخرى، لأنّها كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، لكنّ الخاصيّة التي تطبعها جميعا هي أنّ حريّة التّعبير مصانة بقوّة القانون إذا كانت فيها إساءة للحضارة الإسلاميّة، لكنّها تفقد هذه الحصانة مباشرة إذا كانت موجّهة إلى “اللّوبي الصّهيونيّ” أو تهدّد المصالح الخارجيّة الأمريكيّة.
ولا يختلف الأمر في أوروبا حيث تحضر نفس المنهجيّة في التّعامل الانتقائيّ مع القضايا والأحداث. فجميع دول أوربا تطبّق قانون معاداة “السّاميّة” ضدّ مواطنيها حتّى ولو كان التّلميح فقط إلى اليهود وبذلك يتمّ إلغاء حريّة التّعبير وغالباً ما يستخدم التّشهير بمعاداة السّامية لمنع الكلام حول ذلك حتّى ولو اتّصف بالتّاريخيّة والعلميّة. 
و تحضر فرنسا ضمن السّياق الأوربيّ كقائدة لهذا الاتّجاه الانتقائيّ. ويمكن أن نستحضر فقط ما عاناه مفكّر فرنسي كبير من حجم “روجي جارودي” بسب كتاباته المتحرّرة حول “الصّهاينة”. ولم تشفع له حريّة التّعبير في تحقيق الانتشار والنّجاح الأكاديميّ حتى في وطنه، لأنّ “اللوبيّ الصّهيونيّ” كان له بالمرصاد ونجح في شراكة مع إيديولوجيّي السّياسة الفرنسيّة في تهميش طاقة فكريّة عظيمة في التّاريخ الأوربيّ الحديث، حيث عاش غريبا ومات غريبا. فطوبى للغرباء في بلد الانتقائيّة العمياء. وضمن نفس السّياق الانتقائيّ و”الانتخابوي”، تمّ خلال اللّحظات الأخيرة من ولاية اليمينيّ( (نيكولا ساركوزي) تقديم مشروع قانون في البرلمان الفرنسيّ حول الإبادة الأرمينيّة ليوسّع حلقة تقييد حريّة الرّأي والتّعبير في بلد الحريّة والإخاء والمساواة. ولا يجب أن ننسى الضجّة الكبيرة التي أثارها اليمين المتطرف الفرنسي ضدّ الرّموز الدّينيّة بادّعاء حماية القيم العلمانيّة الفرنسيّة، مع العلم أنّ الحرب كانت موجّهة ضدّ مسلمي فرنسا بالدّرجة الأولى. ودائما ضدّ حريّة التّعبير (السّيميولوجيّ) والرّأي. 
 كلّها تجارب تؤكد – بالملموس- أنّ دفاع الغرب الأوربيّ الأمريكيّ عن حريّة التّعبير يطبعه الكثير من الانتقائيّة لأنّ القانون الانتقائيّ الذي يعتبر- في النّهاية – نتيجة لموازين القوى السّائدة في الدّولة والمجتمع. هذا القانون قد يحمي حريّتك في التّعبير حينما لا تمسّ مصالحه ورموز قوّته و”لوبيّاته” المسيطرة على صناعة القرار السّياسيّ والاقتصاديّ لكنّك تظلّ عرضة للملاحقة القانونيّة باسم قوانين “هلاميّة” لا تستجيب حتىّ لفلسفة التّشريع مثل جريمة معاداة السّاميّة أو جريمة نفي مذبحة الأرمن أو جريمة الحجاب … فأيّ حريّة هذه وأيّ تعبير هذا إن لم تتحكّم فيه روح قانونيّة سامية تقوم على الاحترام المتبادل للرّموز والمعتقدات بعيدا عن أيّ انتقائيّة مقيتة توظّف القانون بأهداف عنصريّة ومصلحيّة . 
4- حريّة التّعبير في التّشريع الدّوليّ 
 لا أحد يجادل في كون أنّ التّشريع الدّوليّ أعطى حريّة التّعبير حصّة الأسد على مستوى القوانين المؤطرة لها. وقد كان الهدف هو حماية الأفراد والجماعات من تسلّط الحكومات على الأصوات المعارضة. لذلك حضرت حريّة التّعبير كحقّ أساسيّ من حقوق الإنسان، تمّ التّنصيص عليه في مجموعة من المواثيق الدّوليّة سواء من خلال الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، أو من خلال العهد الدّوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة. وكذلك من خلال إعلان الأمم المتّحدة بشأن الألفيّة المؤرّخ في أيلول/سبتمبر 2000. كما اهتمّت مجموعة من المنظّمات الدّوليّة بإبلاء الموضوع كامل الأهميّة، ونذكر هنا منظّمة اليونسكو. لكن في مقابل التزام التّشريع الدّوليّ بحماية حريّة التّعبير والرّأي نجد اهتماما موازيا بتأطير حريّة التّعبير بمجموعة من الضّوابط والالتزامات؛ التي بإمكانها المحافظة على الطّابع القانونيّ من خلال ربط الحريّة بالمسؤوليّة والالتزام. 
 جاء التّنصيص صريحا في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة سنة 1948م على حماية حريّة التّعبير. فقد نصّت المادّة (19) منه على أنّ ” لكلّ شخص الحقّ في حريّة الرّأي والتّعبير، ويشمل هذا الحقّ حريّة اعتناق الآراء دون تدخّل واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأيّة وسيلة كانت دون تقيّد بالحدود الجغرافيّة. وبنفس الوضوح والصّراحة فإنّ العهد الدّوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة في المادّة (19) وفي الفقرة الأولى من المادّة نصّ على أنّ ” لكلّ إنسان الحقّ في اعتناق آراء دون مضايقة”. وهذا ما تمّ تأكيده من خلال الفقرة الثّانية من نفس المادة ” لكلّ إنسان الحقّ في حريّة التّعبير” ويشمل هذا الحقّ حرّيته في التماس مختلف ضروب المعلومات و الأفكار و تلقّيها و نقلها إلى آخرين دون اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
 لكن ومقابل هذه الحماية القانونيّة لحريّة التّعبير، فإنّ ربط هذه الحرّية بالمسؤوليّة والالتزام كان واضحا بجلاء. نقرأ في الفقرة الثّالثة من المادّة (19) من العهد الدّوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة ” تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة الثّانية من هذه المادّة واجبات ومسؤوليّات خاصة. ولذلك يجب إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محدّدة بنصّ القانون. وأن تكون ضروريّة لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم، ولحماية الأمن القوميّ أو النّظام العام أو الصّحّة العامّة أو الآداب العامّة “. ونفس هذا التّقييد حضر في المادّة (20) من نفس العهد الدّوليّ، فقد تمّ التّنصيص بشكل صريح ” تحظر بالقانون أيّة دعوة إلى الكراهيّة القوميّة أو العنصريّة تشكّل تحريضا على التّمييز أو العداوة أو العنف”. وبالإضافة إلى ما جاء في العهد الدّوليّ من تقييد لحريّة التّعبير بالمسؤوليّة والالتزام. فإنّ إعلان الأمم المتّحدة بشأن الألفيّة المؤرّخ في أيلول/سبتمبر 2000 يعتمد نفس هذا المنطق المتوازن فهو يؤكّد – بشكل صريح- على أنّ التّسامح يشكّل قيمة أساسيّة لازمة للعلاقات الدّوليّة في القرن الحادي والعشرين، وينبغي أن يشمل التّشجيع الفعليّ لثقافة تقوم على السّلام والحوار بين الحضارات، يحترم فيها البشر بعضهم بعضاً بكلّ ما تتّسم به معتقداتهم وثقافاتهم ولغاتهم من تنوّع . وعلى نفس المنحى صار القرار الصّادر عن المجلس التّنفيذيّ لليونسكو في آذار/مارس 2006 بشأن “احترام حريّة التّعبير واحترام العقائد والقيم المقدّسة والرّموز الدّينيّة والثّقافيّة” (القرار 174م ت/46) وهو قرار يعزّز احترام حريّة التّعبير واحترام العقائد والرّموز الدّينيّة. ويشدّد على أنّهما مبدآن مترابطان ومتلازمان في مكافحة الجهل وانعدام الفهم بغية بناء السّلام وإرساء الحوار بين الثّقافات والحضارات والأديان والشّعوب.
عود على بدء 
 إنّ محاولة استقرائيّة لمعظم نصوص التّشريع الدّوليّ لتشي بإرادة قويّة يعبّر عنها المنتظم الدّوليّ، بهدف حماية حريّة التّعبير والرّأي باعتبارها حقّا أساسيّا من حقوق الإنسان. لكن في نفس الوقت نجد نفس النّصوص تؤكّد على المسؤوليّة والالتزام في ممارسة الأفراد والجماعات لحريّتهم في التّعبير والرّأي. فالحرّيّة لا تعني- بتاتا- إلحاق الأذى بالآخرين عبر الكتابة أو التّمثيل … واعتمادا على روح المواثيق الدّوليّة هاته فإنّ ما يروج اليوم في المشهد الثّقافيّ والسّياسيّ الغربيّ في علاقة برموز الحضارة الإسلاميّة يعد انتهاكا جسيما في حقّ شعوب بأكملها. ويجب على المؤسّسات الدّوليّة أن تتحمّل مسؤوليّتها كاملة في حماية حقوق ضحايا هذه الانتهاكات. وهي بذلك لن تستحدث شيئا جديدا لأنّ التّشريع الدّوليّ يربط بين حريّة التّعبير والرّأي وبين المسؤوليّة والالتزام. 
 وفي علاقة بالعالم الإسلاميّ فإنّ الخيار الوحيد المفروض اليوم هو اللّجوء إلى التّشريع الدّولي؛ الذي يفسح مجالا واسعا للمرافعة القانونيّة بهدف وقف هذا النّزيف القيميّ الذي أصبح يسيء للإنسانيّة جمعاء. أمّا أن نقتصر على ردود الفعل العنيفة فإنّنا سنخسر الكثير من قيمنا الحضاريّة لأنّنا سنفسح المجال لقوّانا الغريزيّة. وفي المقابل سنجمّد قوّانا العاقلة لأنّ اللّجوء إلى العنف دليل على فشل الفكر في بلورة الحلول النّاجعة. ونحن هنا لا نمارس وصاية على شعوب العالم الإسلاميّ لأنّ الممارسة الاحتجاجيّة(السّلميّة) حقّ تضمنه جميع الدّساتير والقوانين الدّوليّة ولا نرى أنّه من حقّ أيّة سلطة أن تمنع هذا الحقّ عن الأفراد والجماعات. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق