ما تُنذر به مجزرة عقرب / عمر قدور

تفتح مجزرة عقرب في سهل الحولة السوري على أنماط كارثية من السلوك قد ترافق الساعات الأخيرة للنظام، وربما تنسحب على الساعات الأولى للمرحلة الانتقالية. فمجزرة عقرب هي الأولى من نوعها التي يرتكبها شبيحة علويون بحق نساء طائفتهم وأبنائها، في عملية أشبه بالانتحار الجماعي كما يروي الناجون منها. لا يخدش هذا التشبيه أن الشبيحة قاموا أولاً بقتل النساء والأطفال الذين أخذوهم في البداية كرهائن أو كدرع بشري أمام حصار الجيش الحر لهم، لأن الشبيحة عبّروا وهم يقتلون ضحاياهم عن تفضيلهم الموت على الانتهاك المتوقع من «العدو»، وعبّروا بخاصة عن خشيتهم من وقوع النساء ضحية الاغتصاب، ما يجعل قتلهن واجباً من دواعي الشرف!
سيكون من السهل ردّ تصورات الشبيحة عن الثوار إلى التشرب بالدعاية الطائفية للنظام التي رافقت الثورة منذ بدايتها، إلا أن ذلك قد يقع في فخ الاستسهال لأنه يتجاهل الإرث الذي لعب عليه النظام واستُثمر في مروياته القديمة. مثلاً، لقد واظبت محطة تمارس التشبيح على عرض «برومو» يُظهر امرأة مسنّة وهي تقول متوجهة إلى العائلة الحاكمة: «كنا قبلكم لا شيء». ولم يكن من المصادفة اختيار امرأة علوية مسنّة، لأن عمرها يرجع بالمتلقي المقصود إلى إرث بعيد تتواتر فيه الروايات عن عمليات اغتصاب واستباحة قام بها السنّة بحق بنات الطائفة العلوية وأبنائها. في مثل آخر، يعرف عموم السوريين أغنية من الفولكلور الساحلي أعيد إنتاجها وراجت في الثمانينات من القرن الماضي، تتحدث بأسى عن فتاة اسمها مريم قام العسكر العثمانيون بأخذها، كنايةً عن اغتصابها. ومن المرجح أن الدمج بين العثمانيين ووكلائهم المحليين السنّة قائم في المخيال الجمعي للطائفة المتضررة، من دون النظر إليه ضمن بعده التاريخي، ومن دون النظر إلى أكثر من أربعة عقود تالية شهدت نضالاً وطنياً مشتركاً ضد الحكم الفرنسي ومن ثم العهد القصير للاستقلال الأول.
في معزل عن كون الشبيحة من جميع الطوائف يمثلون الحثالة الأخلاقية اجتماعياً، فإن قيامهم بقتل النساء تحديداً في عقرب، وضمن التخوفات التي أعلنوها، هو مباشرة لدورهم الذكوري التقليدي في حماية شرف الطائفة، ولو اقتضى الأمر «وأده» تحسباً من الاغتصاب. هنا أيضاً تعود المرويات القديمة لتطل برأسها، إذ لم تخرج من التداول تلك السير عن «أبطال» قاموا بقتل نسائهم استباقاً لحملات الاستباحة التي يقوم بها العثماني ووكلاؤه السنّة. يستأنف الشبيحة الجدد سيرة أولئك «الأبطال»، وكأنهم خرجوا تواً من قصص الجدّات لا من معطف الاستبداد والفساد الراهن. لذا، لن يكون مستبعداً النظر إليهم الآن من جانب البعض بوصفهم استمراراً لملحمة عنوانها عقدة الاضطهاد، وقد لا ينفع هنا تكرار القول بأنهم أصلاً توسلوا حماية أولئك المدنيين وكانوا المسؤولين أولاً وأخيراً عن مقتلهم.
ومع أن النظام هو المسؤول الأول عن دفع التخوفات الأقلوية إلى العتبة الحالية، إلا أن الكثير من القوى الدولية قد شاركه في تعزيزها. لا يقتصر هذا على الروس الذين أعلن وزير خارجيتهم بوقاحة معارضته لتولي «السنّة المتطرفين» الحكم، بل واظبت دوائر غربية فاعلة، وبخاصة الأميركية منها، على العزف على وتر الأقليات والحصول على ضمانات لها في مرحلة ما بعد الأسد. واستسهلت قوى معارضة «معتدلة» هذه النغمة، واستخدمتها بمنطق كيدي للنيل من القوى المنافسة الأكبر عبر اتهامها بالطائفية. لا يوازي هذا الرخص في الأداء سوى أداء بعض المتطرفين حقاً الذين هددوا بالانتقام من العلويين، واسترجعوا بتشفٍّ مرويات الطائفة ذاتها عن مرحلة الاضطهاد، مهددين بإعادتها إليها.
ضمن هذه العوامل قد لا تكون مجزرة عقرب الأخيرة من نوعها، وقد يكرر شبيحة آخرون ما فعله شبيحة عقرب إذا ما وجدوا ظهورهم إلى الحائط. يتطابق هذا مع السلوك الانتحاري للنظام الذي يخوض معركته، لا بوصفها معركة سياسية بل معركة وجود. بمعنى أن انتحار النظام قد يتناسل من رأس الهرم ليطاول قسماً من شبيحته الصغار، وهو لن يكون في مستوياته الكثيرة انتحاراً فروسياً، بل سيكون أقرب إلى الانتحار الوجودي المعمم، وربما الشبيه بالانتحار الجماعي لبعض الطوائف الدينية الصغيرة التي قررت لحظة قيامتها بنفسها. بالتأكيد، ذلك لا يعني قيام أبناء الطائفة العلوية جميعاً بالانتحار، فالأمر مقتصر على الشبيحة الذين تورطوا في الدم، والذين قد يلجأون في لحظاتهم الأخيرة إلى قتل الفئات الأضعف تقليدياً لجعل انتحارهم الشخصي ذا مغزى عام.
غير أن سلوكاً كالذي حدث في عقرب، وربما أنماطاً أخرى من السلوك قد تفاجئنا، تستدعي التوقف ملياً عند حجم الانقسام في المجتمع السوري وجدوى التطمينات التي ترسل لمعالجة التخوف من المستقبل. وسواء كانت التخوفات محقة أم لم تكن، فهي قائمة، أي أنها واقعية، وحيث لا يتسع الوقت، ومن المرجح عدم وجود جدوى تُذكر من التطمينات اللفظية، فإن التحسب لتداعياتها قد يكون أفضل ما يمكن عمله الآن.
ينبغي الاعتراف بأن الطائفة العلوية على نحو خاص تم تهجيرها رمزياً من المجتمع السوري. لقد ساهم في هذا النظامُ وبعض القوى الدولية وجزء من المعارضة، لكن أمر إعادتها إليه واجب وطني لا يخص أبناء الطائفة وحدهم، بل يستدعي المساعدة في إخراج من عاد منهم إلى حضن الطائفة، إلى الفضاء الوطني العام.
الدولة الديموقراطية المنشودة لن تفي بالغرض، أقله في المراحل الأولى لها وهي الفترة الحرجة، وينبغي التحسب فيها من حدوث عمليات انتقام عنيفة تلي إسقاط النظام، أو عمليات انتقام غير عنيفة تؤدي إلى عقاب جماعي لأبناء الطائفة وإقصائهم عن الفضاء الوطني المشترك، بالتزامن من انكفاء ذاتي لهم.
صحيح أن الثورة غير مسؤولة عن المستوى المأزوم من الاحتقان الطائفي، لكن توسّل أم أيهم، الناجية من مجزرة عقرب، إلى الثوار ألا يغدروا بها، يرتّب عليهم واجب حمايتها، وحمايتها من مخاوفها بالدرجة الأولى أياً يكن المتسبب في هذه المخاوف. لقد عرّف الكثيرون الثورة السورية بأنها كسرت حاجز الخوف لدى غالبية السوريين، لكن ما حصل مع الأسف استغلالها لتعزيز الخوف لدى البعض الآخر منهم، فصار محك اكتمالها كثورة وطنية كبرى أن تنتزع الخوف، بما في ذلك تخوفات الماضي القديم، من أفئدة السوريين جميعاً.
L
جريدة الحياة 17/12/2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق