ما لم أقله حيّاً في الفكر والأدب والسياسة: الأمة الممزقة(1 من 5)

“أمة تتمزق”، هذا هو العنوان الذي وضعه الأديب السوري الراحل، الدكتور عبد السلام العجيلي (1918-2006) لمجموعة من المقالات كتبها عام 2003 ، وتنفرد “الأوان” بنشرها تباعا، على خمس حلقات. إلى جانب عمله في الطب وتوليه عددا من المناصب الوزارية، كتب العجيلي القصة والرواية والمقالة والشعر. من بين مؤلفاته “الليالي والنجوم” (شعر 1951)، “باسمة بين الدموع” (رواية 1958)، “أزاهير تشرين المدماة” (قصص 1974)، “من كل واد عصا” (مقالات 1984)، “أحاديث الطبيب” (قصص 1997) “ومجهولة على الطريق” (قصص 1997).

…. أو أنّها أمّة تُمزّق. أداة التمزّق، أو التمزيق، لهذه الأمّة هي في أوّل ما يبدو للمتسائل، أو في أسهل ما يجيب به الباحث، هي حكّامها. حكّام هذه الأمّة. والأمّة التي أعنيها هي أمّتنا العربيّة. حتّى النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم تكن الأمّة العربيّة ممزّقة، بل كانت متفرّقة. تفرّقها كان واقعاً فرضه الاستيلاء والاستعمار تحت أسماء مختلفة، والعامل الأوّل فيه كان القوّة العسكريّة للمستولي والمستعمر. كما كانت أمّتنا هذه، حتّى منتصف العقد الثاني من القرن العشرين، أمّة إسلاميّة، أو أنّها جزء من أمّة إسلاميّة، قبل أن تكون أمّة عربيّة. الفكرة القوميّة كانت كامنة فيها، ولم تظهر بعد للعيان. وكانت أجزاء هذه الأمّة المتفرّقة تحت سيطرة الإسبان والفرنسيين والطليان في المغرب، وتحت سيطرة الإنكليز وحمايتهم في مصر وبلدان الخليج، وكانت جزءاً من السلطنة العثمانيّة في الحجاز والعراق وبلاد الشام.

كانت أمّتنا إذن متفرّقة بفعل عوامل أجنبيّة قاهرة في الدرجة الأولى، وذلك حتّى منتصف القرن التاسع عشر. حوالي هذا التاريخ الأخير ظهرت الفكرة القوميّة للعيان بعد نضجها في عقول المتنوّرين من أبناء الأمّة، وبدأت مرحلتها العمليّة بالرصاصة التي أطلقها الشريف حسين، معلناً الثورة على الحكّام الأتراك الذين تحوّلوا من عثمانيين مسلمين إلى طورانيين. انطلقت رصاصة القوميّة من الحجاز، وإن كانت بلاد الشام وأرض العراق هما مهد فكرتها. غير أنّ النار التي شبّت بانطلاق تلك الرصاصة لم تقو على القضاء على التفرقة التي ابتليت بها الأمّة العربيّة عشرات السنين ومئاتها. فبلاد الشام جزّأتها معاهدة سايكس بيكو إلى سورية ولبنان وفلسطين ثمّ الأردن. والعراق احتلّه الإنكليز. وظلّت مصر تحت الحماية البريطانيّة، تقرّبها الثقافة من القوميّة العربيّة، وتبعدها السياسة عن هذه القوميّة. ومع ذلك فإنّ نار هذه القوميّة لم تهمد. إذ استمرّ النضال وتتالت الثورات في مصر وبلدان المشرق العربيّ، حتّى انتهت هنا وهناك بتحرّر الجانب الشرقيّ من الوطن بجلاء الأجنبيّ عنه بشخصه، وبتولّي أبناء العرب حكم بلاد العرب في هذا الجانب.

إذن، فقد تحرّرت بلاد الشام والعراق ومصر في منتصف القرن الفائت، القرن العشرين، وحكمها أبناؤها، وكذلك حكم الجزيرة العربيّة، ممالك وإمارات وسلطنات، أبناؤها، كلّهم، حكّاماًُ ورعايا، يعتزّون بانتمائهم إلى الأمّة العربيّة، ويقولون بوحدتها. ومع ذلك فقد ظلّت هذه الأمّة مفكّكة ومتفرّقة.

تولّت الجامعة العربيّة دور حامل مشعل القوميّة الواحدة، إلاّ أنّها لم تستطع تأدية مهمّة هذا الدور تأدية كافية. ولم يقف الأمر عند التفكّك والتفرقة، بل تلاهما التزاحم والتنافس والتقاتل. التقاتل بين دول هذه الأمّة، وحتّى بين أبناء الدولة الواحدة. والجناية في هذا تبدو، كما قلت، أوّل ما تبدو للباحث في أمرها واقعة على عاتق حكّام هذه الدول. على الأقل في الجانب الكبير من هذه الجناية. أحياناً تقع على الحكّام بسبب عجز بعضهم وفقده الكفاءة والمقدرة المطلوبتين من حاكم شعب ووطن وأمّة، وأحياناً بسبب شرّ جُبل عليه بعض آخر منهم، صنع منهم دكتاتوريين حكموا بأمرهم، فكانوا طغاة وجناة ومجرمين.

ماذا يرى الباحث إذا استعرض صور الحاكمين، ثمّ صور نظم الحكم، في البلاد العربيّة خلال العقود التي انتهى بها القرن العشرون واستمرّت إلى السنوات التي بدأ بها الواحد والعشرون ؟

في العراق، حاكم لا نخطئ بقولنا عنه إنّه مجرم. تناولت ديكتاتوريّته شعبه بالجور والاضطهاد، فقتّل فيها كلّ من يرفع رأسه أو يحرّك لسانه بانتقاد واحتجاج. وكذلك يكون نصيب من يخيّل إلى الديكتاتور أو إلى زبانيته أنّه ممكن أن ينتقد ويحتجّ. ساق بلده وشعبه إلى حرب عشواء مع جيرانه الإيرانيين انتهت بخذلانه، بعد أن تسبّبت بهلاك الآلاف المؤلّفة من أبناء أمّته والأمّة التي حاربها، كلّ ذلك وراء أوهام العظمة وألقاب المجد الكاذب.

واستدار على بلد مجاور في حرب مزّقت أمّة العرب كلّ ممزّق، عدا ما أهلكت به جيشه وأنهكت أبناء شعبه. وبينما ظلّ هو سليماً بشخصه وأحلامه الجنونيّة والإجراميّة، انقسم وطنه الواحد إلى مواطن متعدّدة، وشعبه الواحد إلى طوائف وقبائل، وضرب على بلده حصار هلك به الأطفال والعجائز والشيوخ، وكلّ من لا يملك مناعة أو مقدرة لمقاومة آفات الحصار المريعة.

وفي ليبيا، حاكم غريب الأطوار. مجنون برغبته في التميّز عن غيره، وبولعه في الشعارات الفضفاضة، والألقاب الطنّانة، والأزياء الصارخة، وبأحلام عظمة كاذبة يحاول تحقيقها مستنزفاً ثروة بلاده التي هي حقّ لمواطنيه، مستنزفاً إيّاها في دعم حركات رافضة أو ثوريّة، بين صادقة وكاذبة، في مختلف بقاع الأرض، ما عدا أرض الأمّة العربيّة. هوسه بالتميّز عن غيره يدفعه إلى تغيير اتجاهه من عربيّ إلى إفريقي، وإلى تغيير أسماء الشهور بأسماء مخترعة ومستغربة، وإلى تغيير التأريخ الإسلاميّ البادئ بهجرة السيّد الرسول إلى تاريخ جديد يبدأ بوفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ بتسمية دولته الصغيرة المتواضعة، بالجماهيريّة العربيّة الليبيّة الشعبيّة الاشتراكيّة العظمى!

وحاكم الدولة الفلسطينيّة التي وضعها الفلسطينيّون والعرب في عيونهم، وهي لا تزال حلماً أكثر منها واقعاً، حاكم هذه الدولة الحلم بدأ رمزاً وانتهى مسخاً، بتنازلاته المشينة والمتتابعة من وراء ظهور الدول العربيّة، المخالفة لقناعات شعبه واعتقادات الشعوب العربيّة، حول دولته من مشروع مقبول ومهيّأ للحياة إلى مزق من الأرض منفصل بعضها عن بعض، وتزداد ضيقاً في سعتها يوماً بعد يوم. حرصه على البقاء في منصب لا يحسد على البقاء فيه، وحمايته للفساد في نظامه واستمراره في فساده هو، جعلاه مدمناً للتذلّل. فهو يسارع إلى تقبيل أيدي صافعيه، ويدعو إلى إخماد كلّ مقاومة فعليّة للعدوّ وإلى الاقتصار على المقاومة الكلاميّة، انتظاراً أن يرقّ قلب العدوّ، فيلقي إليه بفتات من أرض الوطن، وفتات من حسّ الكرامة الكاذب، مدعومة ببضعة ملايين من الدولارات تلقيها في صحن تسوّله الدول الغربيّة التي تذرف على بؤسه دموع التماسيح.

هؤلاء ثلاثة حكّام عرب شاركوا، في عشرات السنين التي حكم فيها كلّ منهم بلده وشعبه، في تمزيق أمّتنا. مشاركتهم كانت بإجرام الأوّل، وجنون الثاني، وهوان الثالث، ولم يخلُ واحد منهم من مساوئ الاثنين الآخرين كرافد ثانويّ لمساءته الرئيسة الشخصيّة. كلّهم، في بداية حكمهم، مجّدوا مثل أمّتهم العليا، وادّعوا العمل لها، ثمّ لم تلبث أنانيّتهم وانتهازيّتهم وجشعهم وفسادهم أن طغت على السطح، وفضحت تنصّلهم من العمل لخير الأمّة، بل عملهم لنكبتها وشقائها. إنّهم أشخاص مفردون، يسهل بيان المسؤوليّة التي تقع على عاتق كلّ منهم في تمزيق الأمّة. ولكنّ جهات أخرى شاركت في هذا التمزيق لا تقع المسؤوليّة بشكل رئيس على الأفراد فيها، بل على الهيئات التي الأفراد يمثّلونها ويعملون باسمها. أقصد بهذه الهيئات نظم الحكم في البلدان عربيّة متعدّدة لها دورها المشين في تمزيق أمّتنا.

(يتبع)

19/2/2003

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق