ما لم أقله حيّاً في الفكر والأدب والسياسة: الأمة الممزقة (2 من 5)

في ما يلي الحلقة الثانية من سلسلة المقالات التي كتبها الأديب السوري عبد السلام العجيلي قبيل وفاته، وتنفرد “الأوان” بنشرها…

نظم الحكم في البلاد العربيّة، وفي بلاد المشرق العربيّ بصورة خاصّة، في غير البلدان الثلاثة التي تكلّمنا عليها آنفاً، ومنذ منتصف القرن العشرين على الأقل، نمطان، الأوّل قديم وراسخ في ظاهره، وهو المتمثّل بالملكيّة وبالإمارة والمشيخة الموروثتين. والثاني جديد مفتعل وقلق في بداية قيامه، ومستقرّ مؤقّتاً وظاهريّاً بعد ذلك، ويتمثّل بنظم الحكم التالية لانقلابات عسكريّة تطلق على نفسها اسم ثورات. النمطان مختلفان في كثير من الأمور والصفات، إلاّ أنّهما يتفقان في اعتبار الأولويّة فيهما للتمسّك بالحكم والمحافظة عليه.

أمّا القيم القوميّة الأخرى، مثل السعي إلى الوحدة، والحفاظ على أرض الوطن، والبحث عن أمن الشعب وتنمية موارده وصيانة كرامة المواطن، فهي قيم لها أهميّتها في النمطين، وترتفع الأصوات في الدعوة إليها فيهما، وقد يسار في خطوات نحوها. لكنّها تظلّ ثانويّة بعد القيمة الأولى التي هي الحفاظ على الحكم. بل إنّ التنازل عن القيم التالية، بعضاً أو كلاًّ، مقبول ومطلوب في سبيل صيانة تلك القيمة الأولى. مثال على ذلك في النمط الأوّل إنذار الملك حسين، ملك الأردن، الحكّام الإسرائيليين، قبل نشوب حرب تشرين 1973، بنيّة مصر وسورية القيام بعمل عسكريّ واسع النطاق ضدّ إسرائيل. وهو إنذار لم تأخذه إسرائيل جدّاً في ذلك الحين. وفي النمط الثاني نذكر كمثال ما تردّد بكثرة على ألسنة الحزبيين في سورية بعد نكسة حرب الأيّام الستة عام 1967، من أنّ إسرائيل فشلت في ما كانت تسعى إليه، فهي وإن هزمت الجيش واحتلّت الأرض، لم تستطع إسقاط الحزب، والقضاء على نظام حكمه!

ومع أنّ الشرّ واحد في مشاركة نمطي نظم الحكم في عمليّات تمزيق الأمّة، فإنّ نوعيّة هذه المشاركة تختلف من نمط إلى آخر. نظم الحكم القديمة والراسخة تكتفي في مشاركتها بأن تكون على العموم سلبيّة في صيانة القيم السامية. فهي لا تندفع في مبادرات تضرّ بهذه القيم، وإنّما تنكص وتتقاعس وتتخاذل عن دعمها لها، إذا وجدت أنّ هذا الدعم يهدّد حكمها في وجوده أو في رفاهيّته. إنّها تنسحب من الإجماع على مقاطعة إسرائيل مثلاً، وتقبل التعامل مع عدوّ العرب الأوّل، ولا تعارض مشاريع أميركا المضرّة بالعرب، بل تدعو إلى الخضوع لهذه القوّة العظمى والتماس عونها، مع أمور أخرى من هذا القبيل.

أمّا عند نظم الحكم المدعوّة ثوريّة، فإنّها في سبيل الحفاظ على وجودها، تكون أكثر فاعليّة وإقداماً على خلق الشرّ. تسفر عن تنكّرها للقيم، وتحارب الشقيق والصديق، وتضطهد أبناء شعبها، وتدخل في متاهات من التجارب والمحالفات، باحثة عمّا يصونها من الزوال، مهما كان الثمن.

ولا بدّ لنا من القول إنّ نظم الحكم، وإن كانت في نوعيّتها تعتبر مؤسّسات تقوم على مجموعة من مسؤولين، فإنّها لا بدّ من أن تتأثّر بفرد أو أفراد من هؤلاء المسؤولين يجرّها أو يجرّونها إلى اتجاهات خيّرة أو غير خيّرة تتجاوز الخوف من ضياع السلطة من بين أيديها. أكثر ما يحدث هذا في النمط الأوّل من نمط هذه النظم. مثال ذوي الاتجاهات الخيّرة الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي بادر إلى دعم الموقف القومي العربي في حرب 1973 بإدخال النفط كسلاح في المعركة ضدّ مصالح أمريكا ورغباتها. وهو تصرّف شجاع ناجم عن عقيدة كلّفت الملك حياته بعد زمن قليل، على ما هو سائد في تقدير المطّلعين. ونستطيع أن ندخل في هذه الاتجاهات الخيّرة ثورة الملك عبد العزيز بن سعود نفسه على من جاؤوا يطالبونه بالتساهل في مقاومة المطامع الصهيونيّة في فلسطين لقاء منافع ماديّة كبيرة، كان نظام حكمه بحاجة إليها في ذلك الزمن. لقد جرحت كبرياء الملك عبد العزيز بتلك المطالبة إذ رأى في مجرّد عرضها عليه استصغاراً له حين يعتبر قابلاً لخيانة أمّته ساكتاً عن هدر حقوقها.

وما جرى في قطر مثال لأثر الأفراد في التوجيه غير الخيّر في النمط الأوّل من أنظمة الحكم. كان الاتجاه العروبيّ المحافظ، وإن لم يكن اتجاهاً صارخاً، لحاكم هذه الإمارة الشيخ خليفة بن حمد السبب الرئيس لقيام ابنه حمد بالانقلاب عليه، أسفر عن تولّي هذا الأخير الحكم مكان أبيه، وتحويل الإمارة إلى نقطة وهن شديد في حلقة الحكومات العربيّة بالنسبة لوحدة السياسة والتعامل والمصير. والعامل الأوّل في هذا الاتجاه، كما أسلفت، يظلّ هاجس الاحتفاظ بالحكم في نظام الحكم.

19/2/ 2003

(يتبع)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق