ما لم أقله حيّاً في الفكر والأدب والسياسة: الأمة الممزقة (3 من 5)

في ما يلي الحلقة الثالثة من سلسلة المقالات التي كتبها الأديب السوري عبد السلام العجيلي قبيل وفاته، وتنفرد “الأوان” بنشرها…

كرّرت القول في ما سلف إنّ أداة تمزّق الأمّة أو تمزيقها تبدو في أوّل الأمر للباحث أنّها تتمثّل بالحكّام، سواء كانوا دكتاتوريين أفراداً، أم نظم حكم ممثّلة بهيئات موروثة أو محدثة، أم كانوا مزيجاً مؤلّفاً من هذين العنصرين. يسهل اتّهام الحاكمين لأنّهم الجزء الظاهر من جبل الجليد المغموسة بقيّة أجزائه في البحر. وعلى إنّهم مسؤولون حقّاً، يجب ألاّ ننكر أنّهم ليسوا وحدهم المسؤولين دوماً. هناك آخرون لهم مشاركتهم في المسؤوليّة وإن اختلفت حصّتهم منها واختلفت في أسبقيّتها ونوعيّتها عن ما يتحمّله الحكّام منها. نعدّ من هؤلاء الآخرين الشعوب التي تتألّف منها الأمّة الممزّقة والمنكوبة هي نفسها بما يحلّ بأمّتها، ثمّ نعدّ العوامل الخارجيّة الممثّلة بالأجنبيّ، وأعني بالأجنبيّ في الدرجة الأولى الدول الأجنبيّة الساعية وراء مصالحها، أو المندفعة بأحقادها في مشاركتها في عمليّة التمزيق.

عن الشعوب، أقول دوماً إنّ الشعب مادّة خام، بمعنى أنّها مادّة محايدة مبدئيّاً، قابلة للتكيّف بالمؤثّرات التي تتعرّض لها، سواء أكانت خيّرة هذه المؤثّرات أم شريرة، ووفاقاً لقوّة تلك المؤثّرات واستمرارها. فالشعب ليس خيّراً بصورة مطلقة، ولا شريراً بصورة مطلقة، إنّه ينساق في المجرى الذي يُهيّأ له. ومن هنا تصحّ، ولو صحّة جزئيّة، المقولة الشائعة: الناس على دين ملوكهم. وأنا أستشهد في هذا المجال بكلمة قالها عليّ بن أبي طالب لـعمر بن الخطّاب أيّام حروب العرب المسلمين وفارس. فقد جيء إلى المدينة بغنائم تلك الحروب وطرحت أمام الخليفة بحضور الصحابة وجمهور المسلمين. وكانت غنائم كثيرة من المعادن الثمينة والجواهر، من بينها زينة كسرى وسلاحه، ممّّا لم تألف أعين العرب رؤيته. بهر عمر الفاروق بما رآه فقال، وهو يعني المجاهدين الذين أرسلوا إليه بهذه الغنائم: إنّ قوماً أدّوا هذا لأمناء! قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه آنذاك: يا أمير المؤمنين، عففتَ فعفّوا، ولو رتعتَ لرتعوا!

هنا تصحّ، كما أسلفت، مقولة إنّ الناس على دين ملوكهم. عفّ الخليفة فعفّت رعيّته، أو غالبيّتها، حين وجدت الحاكم يقدّم لها المثل الحسن في استقامة السلوك والتصرّف. البادئ هو، والرعيّة تبع له. وحين يحيد الحاكم عن الطريق المستقيم وتغلب الحيدة عن هذا الطريق من جانب رعيّته ومحكوميه فقد يتناسى الناس البادئ في هذه الحيدة ويلقون المسؤوليّة على المجتمع بكامله، والحاكم فرد من هذا المجتمع. هنا يفسح المجال للمقولة الثانية، ومنطوقها هو الآتي: كما تكونوا يولّ عليكم. بمعنى أنّ مجتمعاً فاسداً هو المسؤول عن إفرازه حاكماً فاسداً! وإلى هذه المقولة نردّ كلمة قالها عبد الملك بن مروان لجلسائه في ذات يوم. قال عبد الملك: يطالبوننا بأن نسير فيهم بسيرة عمر بن الخطّاب… هاتوا لنا ناساً مثل ناس زمان عمر لنسير فيهم سيرته!

أهي البيضة التي جاءت بالدجاجة، أم هي الدجاجة التي جاءت بالبيضة؟ أهو الحاكم الذي يفسد المجموعة، أم أنّ المجموعة هي التي تأتي بحاكمها الفاسد؟

سبق أن قلت إنّ الشعب مادّة خام وكتلة محايدة. إنّه قابل للتأثّر بما يراه أو يزيّن له، أو يفرض عليه. الرؤية والتزيين والفرض عوامل تأتيه في الغالب، إذا لم يكن على الدوام، من خارجه. إنّها تأتيه ممّن اصطلحنا على تسميتهم بالنخبة. هذه النخبة قد تكون ثقافيّة وفكريّة، وقد تكون متميّزة عن مجموع الشعب بالقوّة الماديّة كما في النخب العسكريّة، أو يكون تميّزها بقوى معنويّة وروحيّة كما في النخب الدينيّة. والنخبة، أيّاً كان نوعها، قد تكون خيّرة في ذاتها وقد تكون شريرة. إنّها بسلوكها وتصرّفاتها تضرب المثل للشعب، فتقوده أو تسوقه إلى الاقتداء بها. ربّما بدت من الشعب مقاومة لسلوك الطريق الذي تريد له النخبة سلوكه أو بدا منه بعض التردّد، ولاسيّما إذا كان هذا الطريق بعيداً عن الاستقامة وعن القيم الصالحة. إلا أنّ استمرار سير النخبة في ذلك الطريق لا بدّ من أن يؤثّر في نظرة أفراد الشعب إلى المبادئ والقيم، ويدعوه إلى الموازنة بين العقاب والثواب في مقاربة ما يقاربه من أمور الحياة.

بهذا الذي أقوله يتبيّن أنّ المسؤوليّة الأولى في الصلاح والفساد تقع على عاتق النخبة. ولا شكّ في أنّ الميل إلى الفساد، بما يعنيه من تغلّب المصلحة الفرديّة والمؤقّتة على المصلحة العامّة والدائمة، هو الأسهل والأكثر إغراء من الميل إلى الصلاح. فإذا استمرّ الفساد في المجموع بعد أن بدأت به النخبة أصبح باستمراريّته طبيعة ثانية لهذا المجموع، يعسر على المصلحين معه إعادة الفاسدين من عامّة الشعب إلى الطريق المستقيم. يصبح الاعوجاج هو القاعدة، وتصبح الاستقامة هي الشذوذ. ويصحّ ذلك حتّى إذا لم يكن للشاذّ مكسب شخصيّ من تنكّبه عن الطريق القويم.

في الأيّام الأولى لتولّي الدكتور بشّار الأسد رئاسة الجمهوريّة، أصدر هو أمراً بالكفّ عن تزيين جدران الشوارع، ومكاتب المصالح من رسميّة وغير رسميّة، وحتّى زجاج السيّارات العامّة والأهليّة، بالكفّ عن تزيين هذه المواضع بصور رئيس الجمهوريّة، كما كانت عليه العادة طيلة العقود الفائتة من السنين. نشط رجال الشرطة والموظّفون المختصّون في تطبيق هذا الأمر الرئاسيّ في كلّ مكان. و روى لي أحد الأصدقاء أنّه استوقف سيّارة تاكسي، ثمّ ركبها إلى غاية له، فلاحظ أنّ صاحب السيّارة يرفع صوته محتجّاً ومتذمّراً من شرطي مرور تعرّض له قبل قليل. عرف الصديق أنّ احتجاج السائق وتذمّره كانا لأنّ الشرطي انتزع الصورة الكبيرة لرئيس الجمهوريّة التي كانت ملصقة على الزجاج الخلفيّ للسيّارة، وهو عمل قام به الشرطيّ امتثالاً لأمر رؤسائه، الذين امتثلوا هم في شأنه بأمر رئيس الجمهوريّة بالذات. ومع ذلك فإنّ هذا العمل لم يرض السائق، فرفع صوته بالتذمّر والاستنكار الشديدين.

هذا الحادث على بساطته، يصلح مثالاً لتحوّل السلوك المعوجّ إلى سلوك مقبول ومفضّل إذا استمرّ الاعوجاج في سيرة أفراد المجتمع زمناً طويلاً. فلا شكّ في أنّ الإفراط في زرع صور الرئيس الحاكم في كلّ مكان، إلى جانب ظواهر أخرى مفرطة في تمجيد ذلك الحاكم، هو نوع من عبادة الشخصيّة، ممّا لا يتفق مع الأصول السليمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. قد تعتبر هذه الظاهرة مثيرة للاستهجان في أوّل تطبيقها، ولكنّها مع الزمن، ومع اقترانها بالترغيب والترهيب، تصبح مقبولة، ثمّ تصبح لازمة وضروريّة، يثير استنكارها ومحاربتها الحذر والتخوّف، وربّما العقاب.

في حكاية الصور هذه نجد أنّ المر الرئاسيّ الصادر بنزعها لم يلبث أن أهمل، أو ألغي العمل به، فعادت الصور إلى أمكنتها وبأكثر ممّا كانت عليه. ممّا يدعو إلى الظنّ بأنّ جهات معيّنة لها مصالحها في التمكين لعبادة الشخصيّة، وهي مصالح تسير في اتجاه تمزيق الأمّة، قد أقنعت السلطة الرئاسيّة بأنّ هذه العبادة هي أساس من أسس نظام الحكم السائد.

إذن، فالشعب الذي كان محايداً قد فرض عليه العيش في بؤرة بعيدة عن الصلاح فتحوّل، بفساد النخبة، إلى القبول بالفساد المضرّ بالصالح العام، ثمّ شارك في سلوك طريق هذا الفساد ابتغاء لمصالح شخصيّة لأفراده، أو تخوّفاً، أو سيراً في الطريق الذي كثر سالكوه. وحينما تطول فترة الفساد على المجموع يصبح طبيعة ثانية له، يعسر تخلّصه منها. وهنا تصحّ كلمة “كما تكونوا يولّ عليكم” لأنّ المجموع الفاسد لا يعود قابلاً إلاّ لحكّام فاسدين. إذ توضع أمام الصالحين العقبات، وتسدّ أمامهم الطرق، ويفتقدون المعينين والأنصار في جهودهم لوضع الشعب على الطريق المستقيم.

19/2/2003

(يتبع)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق