ما لم أقله حيّاً في الفكر والأدب والسياسة: الأمة الممزقة (4 من 5)

في ما يلي الحلقة الرابعة من سلسلة المقالات التي كتبها الأديب السوري عبد السلام العجيلي قبيل وفاته، وتنفرد “الأوان” بنشرها…

أصل هنا إلى العامل الثالث في تمزّق الأمّة أو تمزيقها، وهو العامل الأجنبيّ. بعض الباحثين أو المتتبّعين أو المتسائلين، يعطون لهذا العامل دوراً كبيراً، وربّما أوّليّاً، في تمزيق الأمّة. إذا صحّ هذا بعضاً، فإنّه لا يصحّ كليّاً، وإذا صحّ أحياناً، فإنّه لا يصحّ دوماً. وحتّى في الحالات التي يصحّ فيها فإنّ دور هذا العامل يأتي متأخّراً عن أدوار العاملين السابقين. هذان الأخيران هما اللذان يمهّدان الطريق للأجنبيّ فيغريانه بالتدخّل، بحثاً عن مصلحة خاصّة له، أو شفاء لحقد قديم، أو لغير هذا وذاك من المآرب.

تأثير الأجنبي حين يجد الأرض ممهّدة أمامه لنشر شروره ربّما يفوق في ضرره وفي ضرواته تأثير العاملين الأوليّين. لكنّه قلّما يكون هذا الأجنبيّ هو البادئ في عمليّة التمزيق. حينما يحتدم النقاش حول أسباب ما نزل وينزل بأمّتنا العربيّة من فواجع، ويشتدّ التأكيد على مسؤوليّة العامل الأجنبيّ عن هذه الفواجع، وعن أنّه وراء كلّ مصائبنا وكوارثنا، كنت أستعين بالمثال الآتي لأبيّن رأيي في الموضوع. كنت أقول إنّي طبيب، وأعرف مثل كلّ طبيب أنّ الجوّ الذي يحيط بنا، ونعيش نحن فيه مملوء بعناصر وكائنات أجنبيّة كثيرة الضرر بصحّتنا. من الجراثيم نجد جراثيم السلّ والحمّى التيفيّة وعوامل الزحار، وربّما ضمّات الكوليرا وعصيّات الطاعون.

ومع ذلك فليس كلّ من يتنفّس هواء مشحوناً بالمكروبات الفتّاكة يقع فريسة لتلك المكروبات، فيمرض بها. يمرض بها من تهيّؤه بنيته لذلك. وهذا الأجنبي الذي نشكو إضراره بنا ما كان قادراً على الإضرار لو لم يجد عندنا التربة المهيّأة لإنزال بأسه بنا. والتربة التي أعنيها هي الحال التي أوصلنا إليها العاملان الأوّلان اللذان تحدّثت عنهما: الحاكم والمحكوم في أمّتنا.

عن الحكّام في أمّتنا سمّيت ثلاثة منهم بأسمائهم، ومشاركتهم في تمزيق الأمّة صريحة وواضحة للعيان. وصل أحدهم بهذه المشاركة إلى تقتيل أبناء شعبه، دعك عن أبناء شعب شقيق، وشعب آخر يرتبط معه برابطة الدين والجوار، في مناسبتين على الأقل. لم يدركه في ما جناه وأجرم به ندم، أو يسوقه على اعتذار، أو يهديه إلى اعتبار. وشارك الآخران في التمزيق، كلّ منهما بطريقته التي وصفتها في ما سبق. بقيّة حكّام البلدان العربيّة لم يتخلّفوا عن المشاركة في تمزيق أمّتهم، إذا لم يكن بطريقة مباشرة، فذلك بسوء التخطيط، وفساد السياسة، وقصر النظر، والعجز عن إدراك المسؤوليّات أو النكوص عن تحمّلها.

والملاحظ أنّ كلّ القائمين على الحكم، سواء بأسمائهم الخاصّة أو بأسماء النظم التي يمثّلونها، يدّعون إيماناً بالمثل العليا لأمّتهم، وافتخاراً بالانتساب إليها، كما يدّعون العمل لرفعة شأنها وللحفاظ على قيمها، والأرض أولى تلك القيم. وباستثناء قلّة من حكّام لبنان المارونيين، لم يحدث أن تنصّل أحد من القائمين على الحكم في الوطن العربيّ، من أشخاص أو نظم، بصراحة من دعوى الإيمان والعمل اللذين أشرنا إليهما في يوم من الأيّام. التنصّل كان يحدث فعليّاً رغم ادّعاء البقاء على القيام بهما كلاميّاً. يحدث فعليّاً بعقد معاهدات مع العدوّ تصبح حجّة تبرّر الابتعاد عن النضال، كما هو حال مصر والأردن، وبالممارسة الفعليّة ومن دون تراجع أو اعتذار، كما هو الأمر في قطر وموريتانيا، وتونس أحياناً، بين دول الجامعة العربيّة.

في كلّ حالات التمزّق أو التمزيق، أو السكوت عنهما، أو تجاهلهما، أو المشاركة فيهما، تكون حجّة الحكّام والنظم والحكومات أنّ الإمكانيّات تستدعي هذا، أو لا تسمح بغير هذا. حجّة تكون معلنة أحياناً، وتكون مضمرة أحياناً أخرى. ولكن من أوصل هذه الإمكانيّات إلى الدرجة التي هي عليها من الضعف والهزال والهشاشة، حتّى غدت عاجزة عن صيانة الحقوق والحفاظ على الأرض، واسترداد المسلوب والمنهوب؟

الجواب واضح أنّ الحكّام ونظم الحكم، الذين والتي لم يتغيّروا ولم تتغيّر إلاّ ظاهراً، في خلال أربعة عقود أو خمسة من الزمن، هم وهي السبب في هبوط تلك الإمكانيّات من مستوى معقول ومقبول، وقادر على التحسّن والتقوى، إلى ما هو عليه من بؤس وهزال.

هذا الذي أقوله يصحّ على كلّ البلدان العربيّة، حتّى التي تبدو نظم الحكم فيها أكثر تصلّباً وعناداً وأبعد ما تكون خضوعاً لضغط الأجنبيّ ومحاولات إضعافه لها. الدواعي التي تساهم في التمزيق تختلف من بلد على آخر، وتتناسب مع أنواع المقاومة التي يفترض أن تتعرّض لها.

بلد مثل سورية يبدو للمراقب أنّها بعيدة عمّا تخضع له بلدان أخرى من تسيير حاكم مجرم أو مجنون أو ذليل لأمورها، فهي ثابتة على التمسّك بحقوقها، لا تضعف عنها، ولا تساوم فيها. فكيف يمكن لبلد مثل هذا أن يكون له قبول بتمزيق الأمّة، دعك عن المشاركة في ذلك التمزيق؟

للتمزيق الذي نتحدّث عنه أساليب وطرق عديدة، بعضها خافية عن العيان، لا تدرك إلاّ بالتقصّي، والدرس الدقيق، وبعضها واضح وسهل على الإدراك. والأمران يحدثان في سورية كما يحدثان في البلدان العربيّة الأخرى. الأساليب والطرق الخافية على العيان لن أتكلّم عليها الآن، وإنّما أكتفي بذكر عامل كبير من عوامل التمزيق، في بلدنا سورية، يلحظ وجوده كلّ إنسان، وإن لم يقدّر فاعليّته في الضرر قدرها الصحيح كلّ إنسان.

هذا العامل هو الفساد المسيطر والمستشري في الأمور العامّة، وفي القضايا التي تديرها وتتحكّم في مسيرتها وفي مصائرها الدولة بصورة خاصّة. هذا الفساد لم يحدث ويتركّز ويتفاقم بصورة عفويّة، وإنّما يبدو للمتتبّع أنّه ناجم عن خطّة إفساد متعمّدة، وأنّ هذه الخطّة هي التي اعتمد تطبيقها لتمزيق لم يتيسّر بالطرق التي اعتمدت في البلدان العربيّة الأخرى.

منذ أخذت بلادنا النهج الاشتراكيّ، في أوائل الستينيّات من القرن الفائت، أصبحت الدولة فيها مسيطرة على المرافق والخدمات والقسم الأعظم من قطاع الإنتاج والتوزيع، يدير كلّ هذه الجوانب، موظّفو الحكومة وعمّالها. أصبحت الدولة هي المحتكر الأوّل، والمستخدم الأكبر، المتحكّم بالرواتب والأجور، يكاد لا يسري عليها اعتراض، ولا تفيد معها شكوى أو تستجيب لتظلّم. ومع مرور الزمن حدثت فوارق بين أسعار المعيشة والحاجات الاستهلاكيّة، وبين رواتب موظّفيها، فوارق تعدّدت وتزايدت. وقد وجد كثير من الموظّفين في هذه الفوارق مبرّراً لتجاوز الخطّ القويم في ممارسة وظائفهم التي تخوّلهم قدرة على التحكّم بكثير من مقدّرات المواطنين العاديين. وكان هذا أوّل الوهن، الخطوات البادئة للفساد الحاليّ والمعمّم.

وإذا كنت ذكرت النهج الاشتراكيّ الذي أخذت به بلادنا فلست أعني بهذا مسؤوليّة هذا النهج في استقرار الفساد وتفاقمه عندنا. ثمّة دواع أخرى لذلك الاستقرار والتفاقم. كما أنّي أعتقد أن ليس كلّ الباحثين يرون في الفساد المستشري مسؤوليّته التي أراها أنا في مساهمته تمزيق أمّتنا. من ناحيتي أرى أنّ القوى، من خفيّة وظاهرة، التي لم تقع في سورية، لأسباب مختلفة، على ما وقعت عليه في البلدان العربيّة الأخرى من عوامل الحكم السيئ والحكّّّّّّام الأشرار، وجدت في الفساد طابوراً خامساً قادراً على أن يفعل في التمزيق ما يفعله أولئك السيّئون والأشرار.

بدأ الفساد كما قلت، تابعاً للعيب الذي وقع بالتفاوت بين حاجة الموظّف الذي أصبح ركناً أساسيّاً وطاغياً في بناء المجتمع، وبين ما تجزي به الدولة هذا الموظّف من راتب لسدّ تلك الحاجة. لست أعني بهذا أنّه لم يكن وجود للفساد قبل الفترة التي أتحدّث عنها. فالحيدة عن الطريق المستقيم، عند الموظّفين وغير الموظّفين موجودة منذ القدم، بشكل وآخر. غير أنّي أتحدّث عن الفساد بشكله الحاليّ والمعمّم والضارّ، والذي كاد يصبح، لألفة الناس له، وعجزهم عن محاربته، مقبولاً وشبه مشروع، عدا عن إسقاط صفة الاعوجاج والتحريم والعيب عنه.

قال لي أحد الأصدقاء: كنت عائداً من قريتي في الجبل إلى اللاذقيّة في سيّارة عامّة. لفت نظري في طريقنا قصر مبنيّ على ربوة عالية على يسارنا. سألت جاري في السيّارة، وكان رجلاً مسنّاً لي به معرفة خفيفة، ترى لمن هذا البناء الجميل؟ قال لي الرجل: إنّه لفلان، مدير الدائرة الفلانيّة. وهزّ رأسه قليلاً وأضاف يقول: يا بنيّ، كان السارق في أيّامنا يستحي من الناس، ويخاف من الدولة، فكان يجني جنايته في الظلام، ويسترها عن العيون. أمّا اليوم فإنّه يسرق في وضح النهار، ويعرض سرقته مفتخراً بها، وكأنّه يقول: نعم هذا ما سرقته منكم، فموتوا بغيظكم!

19/2/ 2003

(يتبع)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق