ما لم أقله حيّاً في الفكر والأدب والسياسة: الأمة الممزقة (5 من 5)

في ما يلي الحلقة الخامسة والأخيرة من سلسلة المقالات التي كتبها الأديب السوري عبد السلام العجيلي قبيل وفاته، وتنفرد “الأوان” بنشرها…

الفساد بذاته، إذا كان معمّماً وإذا أصبح مقبولاً، هو تحطيم للسور الأخلاقيّ الذي يحيط بالقيم الصحيحة والمثاليّة عند المواطن وعند مجموع الشعب. يقلّ معه الإيمان بهذه القيم، ويضعف العمل لها. قد لا يظهر أثره الضارّ والمخرّب في أزمنة الهدوء والرخاء، ولكنّ هذا الأثر يبرز بقوّة في زمن الأزمات، حين تحتاج الأمّة إلى العمل الجماعيّ وإلى التكاتف، وإلى اندفاع الفرد إلى التضحية الشخصيّة في سبيل مصلحة المجموع. ومن الناحية الأخرى، الناحية التي نستطيع تسميتها ماديّة، إذا سمّينا الأولى معنويّة أو نفسيّة، يبدو أثر الفساد في الخسائر التي ينزلها بثروة البلاد حاليّاً، وفي تنمية هذه الثروة مستقبلاً، وفي عرقلة المواطن والشعب بمجموعه عن التقدّم واللحاق بركب الحضارة المتسارع. وينكشف حجم تلك الخسائر في الظروف الحرجة، والمفاجئة، التي لا بدّ من أن تتعرّض لها كلّ أمّة في مراحل وجودها المختلفة.

هاتان الناحيتان، المعنويّة والماديّة، ولاسيّما الأولى التي قلت عنها إنّها تحطيم للسور الأخلاقيّ، تتضافران كي تخلقا جوّاً يتيح للعامل الضارّ الثالث الذي هو الأجنبيّ أن يفعل فعله في تمزيق الأمّة. فعل هذا الأجنبيّ قد يكون صريحاً وواضحاً حين يكون الحاكم، أو تكون أنظمة الحكم مسيطرة على الرأي العام، تعمل وتتعامل بقحة وبوقاحة مع الأجنبيّ للحفاظ على مصلحة الحاكم، أو تطبيقاً لإيديولوجيّة الأنظمة. ولكنّها في نظام ينادي بإيديولوجيّة سليمة، لا تقبل الائتمار بأمر الأجنبيّ، فإنّ الجوّ الذي يخلقه الفساد في الناحيتين اللتين ذكرناهما، يجعل الأجنبيّ قادراً على إنزال ضرره بصورة لا مباشرة وخفيّة في النظام الذي يبدو ظاهريّاً أنّه معاد له. في هذا الجوّ يستطيع الأجنبيّ أن يدسّ عملاءه في المراكز الحسّاسة، وأن يطبّق سياساته في إدارة الدولة، وأن يهيمن اقتصاديّاً بواسطة مؤسّساته الغنيّة، على مقدّرات هذه الدولة، عن طريق الإعانات، وقروض التمويل التي تستهلك خدماتها موارد هذه الدولة عاماً بعد عام، وعقداً بعد عقد.

حين أتحدّث بهذا فإنّي أفكّر في الواقع ببلدي سورية، التي يتظاهر فيها الفساد بالشكل الذي أصفه، والذي أدرك أضراره الحاضرة، وأتخوّف كلّ التخوّف من أضراره المستقبلية.

أرى وأقرأ وأسمع في كلّ يوم عن صور للفساد يتحدّث عنها المواطنون بينهم بأصوات خافتة في بعض الأحيان، وبصراحة أصوات عالية في أحيان أخرى. بل إنّ كثيراً من هذه الصور يشار إليها في الصحف السوريّة، وهي صحف رسميّة في مجموعها، بعد أن تكون تحوّلت إلى فضائح، وأصبح لا بدّ من الإشارة إليها.

صورة الفساد هذه تتراوح بين الاختلاسات من صناديق الدولة، أو من ثروات المواطنين، ومن خسائر في شركات القطاع العام، ومن التزوير والاحتيال على المواطنين، وعلى الدولة. ويتظاهر الفساد أحياناً بشكل كارثيّ حين ينهار بناء على رؤوس سكّانه أو المارّة بقربه، ويتبيّن أنّه بني مخالفاً للأنظمة والقوانين أمام أعين المكلّفين بتطبيق الأنظمة والقوانين على كلّ بناء يُبنى. من أشهر هذه الأشكال الكارثيّة في الزمن الأخير، انهيار سدّ زيزون بعد سنوات قليلة من بنائه، وما أحدثه من فقد في الأرواح، وتلف في الأراضي المسكونة والمزروعة حوله، وما ألحقه باقتصاد البلاد من خسائر بالغة.

وقلّ أن تعقب اكتشافات العمليّات الفاسدة، ووقوع الكوارث بسببها، إجراءات فعّالة تستعيد ما هو مختلس، أو تعاقب من هو مختلِس، أو تحاسب المسبّبين الرئيسيّين والحقيقيين للكوارث الواقعة.

عشرات ملايين الليرات السوريّة المختلسة تجد طريقها إلى خارج البلاد قبل أن يعلن عن فقدها، والجناة فيها يهرب كبارهم، وإذا ألقي القبض على بعض منهم فيكونون صغارهم. أحداث من هذه الأصناف كثيرة ومتكرّرة. وأورد مثالاً على هذا نموذجاً وارداً في خبرين قرأتهما في صفحة واحدة من جريدة تشرين الحكوميّة، في عددها رقم 8515 الصادر في 5 كانون الثاني من عام 2003. في الخبر الأوّل تقول الصحيفة ما يلي:

تشقّقات وتصدّعات وهبوط بالأرضيّات في مدرسة 7 نيسان ببرزة، بعد مضيّ ما يقارب ثلاثة أشهر على تدشين مدرستي 7 نيسان للحلقة الأولى والحلقة الثانية للتعليم الأساسيّن في منطقة برزة، في حيّ تشرين، واللتين تمّ تدشينهما في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني الماضي. وقع المحظور، وبدأت تظهر في أرضيّات المدرسة، وفي الحمّامات التشقّقات والتصدّعات وهبوط في الأرضيّات في المدرستين، وخاصّة في مدرسة 7 نيسان الحلقة الثانية، ممّا اضطرّ القائمين على المدرسة إلى إخلاء حوالي 15 شعبة، ونقلهم إلى مدرسة مجاورة…

أمّا الخبر الثاني في الصحيفة نفسها من الجريدة نفسها، فعنوانه يغني عن تفصيل أحداثه. العنوان هو التالي:

30 مليون ليرة خسارة مؤسّسة المباقـر

والكلام الذي يلي هذا العنوان هو تسويغ وتبرير لهذه الخسارة التي نزلت بمؤسّسة من مؤسّسات الدولة، وليس فيه أيّة إشارة إلى المسؤولين عنها، أو إلى التدابير التي اتخذت بحقّ مسبّبي الكارثة الاقتصاديّة. علماً بأنّ الرقم الكبير الذي ذكره الخبر عن مقدار خسارة مؤسّسة المباقر قد يكون أقلّ بكثير من مقدار الخسارة الحقيقيّة.

وأقر في هذا المجال أنّ الصحف، من رسميّة وغير رسميّة، تحدّثت في العام الفائت عن اختلاسات في شركة سكّر الرقّة، دار النقاش حولها في مجلس الشعب. كان مبلغ الاختلاسات، على ما تردّد في النقاش، ستمئة مليون ليرة سوريّة. قال لي المطّلعون يومها: لا تصدّق ما تقوله الجرائد، ويتردّد على ألسنة المتناقشين في المجلس، المبلغ الحقيقيّ لهذه الاختلاسات هو ضعف ما يذكرونه: إنّه مليار ومئتا مليون!

وما جرى بعد هذا في موضوع اختلاسات معمل السكّر أنّه لم يجر شيء. طلب أعضاء مجلس الشعب تأليف لجنة برلمانيّة للتحقيق في أمر هذه الكارثة الاقتصاديّة، فمانع رئيس الوزراء في إنشاء هذه اللجنة، لأنّ الحكومة تقوم بنفسها بالتحقيق بواسطة مفتّشيها الرسميين. قيل له إنّ بعض أولئك المفتّشين ضالعون بأنفسهم في الاختلاسات، إذ ثبت أنّهم أخذوا حصّتهم منها. وتألّفت اللجنة المطلوبة على الرغم من معارضة رئيس الوزراء لتأليفها. غير أنّ عملها توقّف لأنّ إجراءات التأليف أخذت وقتاً طويلاً انتهى في أثنائه الدور التشريعيّ لمجلس الشعب.

اغتنم المختلسون وشركاؤهم في المناصب العليا هذا، فأوقفوا التحقيق، وسعوا، فوق ذلك، إلى نقل من تعاون من موظّفي المؤسّسة في كشف الاختلاسات إلى وظائف أخرى، بعيدة عن شركة سكّر الرقّة…

وأذكر كذلك أنّ زميلاً لي، طبيباً من أطبّاء الرقّة، جاءني مرّة، وذلك منذ عامين أو ثلاثة أعوام، ليقول لي إنّه مكلّف بحمل رسالة إليّ من أناس يعرفهم في بلدتنا. الرسالة، وهي شفهيّة، تدور حول قريب لي، توفّي منذ أيّام قليلة، وكان على خصام مع هؤلاء الأناس حول إخلاء عقار يشغلونه، ويملكه قريبي المتوفّى. الخصام معروض على المحكمة، والمخاصمة أصبحت مع الورثة أبناء قريبي. هؤلاء الناس يرجون منّي أن أتوسّط في القضيّة، كي يسحب الورثة الدعوى على إخلاء العقار من المحكمة، وتحلّ القضيّة رضائيّاً. وهم يقولون لي في رسالتهم إنّهم سيكسبون الدعوى إذا استمرّت المحاكمة، وسيتكلّفون لذلك خمسين ألف ليرة، يدفعونها للمحامي، ومئة ألف ليرة يدفعونها… للقاضي! أليس الأصلح أن يجري التراضي على حلّ القضيّة بمبلغ يقارب هذين المبلغين؟!

هذه نماذج من صور الفساد في جوانب عديدة من مجتمعنا، متفشّية بين الأفراد والمؤسّسات المختلفة، ولا سيّما الرسميّة بين هذه المؤسّسات. مرّة أخرى أقول إنّه يبدو لمن يراها أنّها محصورة في مواقع خاصّة، وفي أزمنة خاصّة، وأن لا ضير منها على المجموع، وإنّها بعيدة عن أن تكون سبباً من أسباب تمزيق الأمّة أو تمزّقها. ثمّ إنّ الفساد آفة لا يخلو منها مجتمع في عالمنا المعاصر، موجودة حتّى في مواطن المم المتماسكة في نسيجها، فلماذا نعتبره عندنا أداة تمزّق أو تمزيق؟

من ناحيتي أقول إنّ أمّتنا مستهدفة للقضاء على مقوّماتها، ولانتهاب ثرواتها وممتلكاتها، ولاستلاب أرضها، أكثر من أيّة أمّة على الكرة الأرضيّة في الزمن الحاضر. لقد تحقّقت جوانب من تمزيق الأمّة علي يد أبنائها المدفوعين بإجرامهم أو بجنونهم أو بخسّة أنفسهم في أنحاء عديدة من مواطن أمّتنا العربيّة. ظلّت بعض الأنحاء في هذه المواطن متمسّكة بقيمها، وواعية لحقوقها، فلم تتعرّض نسبيّاً لإجرام الحاكمين ونظمهم، أو لتهاونهم، أو لتفضيلهم مصالحهم الفرديّة على مصالح شعوبهم. من هذه المواطن الأخيرة موطننا سورية. لم يجد من يستهدفون تمزيق هذه المواطن البعيدة عن معايب شقيقاتها الممزّقات والممزّقات، إلاّ الفساد سلاحاً قادراً على إضعافها، وإلحاقها بأخواتها السابقات لها في الضعف والمذلّة، فعملت على إشاعته وعلى تشجيعه وزيادته. من هنا تتبيّن لي قدرة الفساد المتنامي في سورية على قرض جذور مقاومتنا الراسخة، وعلى نسف أسس كياننا القوميّ.

الفساد المشهود والسائد والمتنامي، بين أفراد شعبنا، وعند مسؤولينا المتحكّمين بنا مرؤوسين ورؤساء، من الشرطيّ إلى القاضي إلى الوزير، يضعفنا ماديّاً حين يبدّد ثرواتنا عن طريق الإفلاس والاختلاس، ويفقرنا، مانعاً إيّانا من تقوية أنفسنا بالمال والسلاح. وهو يضعفنا فوق ذلك وأهمّ من ذلك خلقيّاً، حين يبعدنا عن الاستقامة، وعن التعلّق بالوطن، وعن الاستعداد للعمل لرفعته، والتضحية من أجله. إنّه في حالتنا، في سورية، هو الممزّق الأوّل، والممزّق الأخطر.
19/2/2003

(يتبع)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق