ما لم أقله حيّاً في الفكر والأدب والسياسة: حكايات الصغار والكبار

هنا مقالة أخيرة، تضاف إلى مجموعة المقالات الخمس السابقة التي وضعها الأديب السوري الراحل، الدكتور عبد السلام العجيلي (1918-2006) عام 2003، وانفردت”الأوان” بنشرها تباعا تحت عنوان “ما لم أقله حيّاً في الفكر والأدب والسياسة”…

هاتان حكايتان، جئت بهما من زيارتي الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكيّة، في نهاية الخريف الفائت وأوّل الشتاء الذي نحن فيه. الحكايتان، وأنا أوردهما كما استقرّا في ذهني، وعلى ذمّة الراويين لهما، تصدّقان ما تحدّثت به عن الفساد في بلدنا، وتعطيان عنه مثلاً في شيوعه في وسط الحاكمين ومن بمكانتهم التحكّم في تصرّفات المواطنين، بدءاً من الشرطيّ وانتهاء بالوزير، كما ذكرت في الصفحات السابقة من مقالي.
الحكاية الأولى سمعتها من راويها في حفل عشاء عند أحد المغتربين السوريّين في مدينة كولومبوس في ولاية أوهايو في أمريكا. الراوي هو السيّد طارق…، لبنانيّ الأصل من بكفيّا. وهو رجل أعمال كثير التنقّل بين البلدين، لبنان وأمريكا، وأحسبه يحمل الجنسيّة الأمريكيّة إلى جانب جنسيّته الأصليّة. قصّ قصّته بالشكل التالي، فقال:

–كان عليّ أن أطير من قبرص على تركيّا، لأركب من هذه، طيّارة تنقلني إلى أمريكا. ولكن بعض الاضطرابات في قبرص منعتني من الطيران منها، فاضطررت إلى العودة إلى لبنان، ثمّ السفر إلى دمشق، لأطير من العاصمة السوريّة إلى أنقرة. على الحدود السوريّة استقبلني رجل الأمن في مخفر الحدود، وتطلّع إلى جواز سفري، وإلى بطاقة الطائرة التي تنتظرني في دمشق، وسألني قائلاً: أنت ستسافر إلى أمريكا، وهذا يعني أنّك تحمل عملة أجنبيّة، أصحيح هذا؟ قلت: نعم. قال: ما هي؟ وكم هي؟ قلت: أحمل معي ألفي دولار أمريكي، عشرين قطعة من ذوات المئة دولار. قال: أرني إيّاها. فتحت محفظتي، وأعطيته الدولارات، فأخذ هو يعدّها قطعة وراء قطعة… واحدة، اثنتين، ثلاث، حتّى عدّ تسع عشرة ورقة من ذوات المئة. وحين وصل إلى القطعة الأخيرة، القطعة العشرين، أمسكها بين أصابعه، ورفعها أمام عينيه، بينهما وبين الضوء، وقال: هذه ورقة مزوّرة!

استغربت قوله هذا وسألت: مزوّرة؟ كيف؟ قال: نعم، لا شكّ في هذا… لا بدّ من إحالتها إلى الفحص بعد كتابة ضبط حولها، واستجوابك أنت عن المصدر الذي حصلت منه عليها. علمتُ أنا بأنّها مشكلة يريد هذا الموظّف خلقها لي. سيعيقني عن السفر بفحصه الذي يقول عنه، وبالضبط الذي ينوي كتابته، وأنا الذي تنتظرني الطيّارة في دمشق، لتنقلني هذا المساء إلى أنقرة. لم أجد طريقة من التخلّص من هذه المشكلة إلاّ بقولي لذلك الموظّف، وهو ما يزال قابضاً على دولاراتي بين أصابعه: ما دامت مزوّرة، فخذها يا سيّدي، واتركني أتابع سفري يرض الله عليك!… هزّ الرجل رأسه موافقاً على ما قلت، وتابعت أنا سفري…

في هذا الحكاية التي أثارت، على سوء دلالتها، ضحكي وضحك من سمعها معي من راويها، تصديق لشيوع الفساد في أدنى درجات الوظائف في بلادنا. أمّا الحكاية الثانية فهي نموذج للفساد كما يمارس في درجاته العليا. هذه الحكاية الأخيرة سمعتها من المغترب السوريّ السيّد عمّار… الذي يقيم في مدينة كولومبس نفسها، ويدير فيها عملاً ناجحاً موفّقاً فيه كلّ التوفيق. روى لي عمّار حكايته التي جرت في دمشق قبل أن يقطع صلته نهائيّاً ببلده سورية، وينصرف إلى عمله هنا في كولومبس. قال في روايتها ما يلي:

يملك والدي في ما يملك في دمشق أرضاً في منطقة ممتازة في حيّ المالكي، قرب ساحة الأمويّين، قرّر أن يشيد عليه عمارة حديثة وكبيرة. أتمّ المعاملات الرسميّة للبناء، وبدأ العمل به. فوجئنا في يوم من الأيّام بورشة تابعة لإحدى الجهات الحكوميّة تعمل هدماً في ما بني من أسس العمارة، وتطرد العمّال منها، وتصادر أدوات العمل. سألنا عن هذا التدخّل الذي لا مسوّغ قانونيّاً لهن فقيل لنا إنّ هنالك مخالفات لم تسوّ قبل الشروع في البناء. رحنا نبحث عن هذه المخالفات، فلم نجد أساساً لها. جاءنا في هذه الأثناء مرسل من آل…، ذوي النفوذ الكبير في كلّ مرافق البلاد، ليعرض علينا عرضاً غريباً. قال لوالدي: أنت تنوي أن تبني بناء ضخماً ومتميّزاً على أرضك هذه هناك جهات عديدة وذات نفوذ ستعرقل ما تريد عمله. نحن نستطيع أن نحميك من كلّ عرقلة تأتيك من أيّ جهة.

قال والدي للمرسل: ولكنّي في هذا البناء أعمل ضمن ما يخوّلني إيّاه حقّي وما يسمح لي به القانون. قال الرجل: لن تستطيع مباشرة عملك دون حماية منّا. لقاء هذه الحماية نريد منك بلاطة في الطابق الخامس من العمارة التي تقوم ببنائها. والبلاطة في عرف المقاولين والمتعهّدين هي طابق كامل، بشققه العديدة، من البناء. هكذا قال السيّد عمّار وهو يقصّ قصّته، وأضاف: والدي رجل عنيد، ومتمسّك بحقوقه التي يضمنها القانون. لم يقبل بالعرض الذي طرح عليه، وتوقّف عن البناء إلى أن حصل على إذن باستئنافه من كلّ الجهات المعنيّة.

تابع عمّار رواية حكايته قائلاً: أتمّ والدي عمارته. وفوجئنا بأنّ وزارة الماليّة قد طرحت على استناداً على حجج واهية، غرامة باهظة مستحقّة التحصيل بمبلغ فلكيّ مقداره ثمانية وأربعون مليون ليرة سوريّة! المبلغ كما ورد في قرار الوزارة مستحقّ التحصيل، وإلاّ صودرت العمارة، وطرحت في المزاد لاستيفائه. دفع والدي المبلغ وأقام دعوى قضائيّة على وزارة الماليّة لتصرّفها غير القانوني. كسبنا تلك الدعوى في كلّ المراحل، بداية واستئنافاً وفي محكمة النقض، وأصبح وزير الماليّة، وأنت تعرفه أو تسمع به ولا شكّ، ملزماًَ بأن يردّ لنا ما أخذته الدولة منّا ظلماً، أعني مبلغ ثمانية وأربعين مليون ليرة…

كرّر محدّثي قوله لي عن وزير الماليّة: أنت تعرفه أو تسمع به ولا شك. قلت: أظنّني أعرفه. إنّه وزير الماليّة السابق لهذا الحالي،… قال: صحيح، إنّه هو. وأضاف قائلاً: ذهبت أنا إليه، إلى وزير الماليّة ذاك أعني، أطالبه بأن يأمر بإعادة ذلك المبلغ إلينا كما قضت بذلك المحاكم. قال لي: نعم، كسبتم دعواكم، إلاّ أنّ تنفيذ الحكم بيدي. أعيد إليكم المبلغ إذا أعطيتموني ثلثه، وإلاّ فلا!

معرفتي الشخصيّة أنا كاتب السطور بالوزير المذكور كانت محدودة. أذكر أنّي راجعته مرّة في مكتبه في الوزارة لشأن ما، وقد أكون التقيت به مرّة أو مرّتين قبل ذلك. دار اسمه مرّة على الألسن، وذكر في الجرائد مع أسماء مسؤولين آخرين كبار بشأن فضائح أخلاقيّة موثّقة بصور وتسجيلات، وقيل إنّه وهم سيقالون من مناصبهم ويلاحقون. وما حدث بعد ذلك أنّهم لم يتحرّكوا من تلك المناصب، بل كانت الإقالة والسجن من نصيب صاحب منصب كبير، أشيع أنّه هو الذي كشف تلك الفضائح. وهذا الأخير ما يزال في سجنه، بسبب هذه القضيّة أو غيرها. أمّا وزير الماليّة، صاحب محدّثي السيّد عمّار، فلم يترك منصبه إلاّ بعد سنين، حين تغيّرت تشكيلة الوزارة بكاملها.

علمت من عمّار أنّ والده توفّي بعد ذلك، وأنّه، أي عمّار وإخوته قد استرجعوا المبلغ الذي غرّموا به دون حقّ، وأنّه هو، لهذه القضيّة وأشباهها، فضّل أن يهجر الوطن هجراً كاملاً، ويصبح مواطناً أمريكيّاً مقيماً في كولومبس التي التقيت به فيها، والتي أخبرني فيها بهذه الحكاية. إنّها حكاية تفتقر الإضحاك الذي أثارته حكاية السيّد طارق. ربّما لأنّ عمّار حدّثني عن فساد الكبار، بينما تحدّثت حكاية طارق عن فساد الصغار. حكايات الصغار، على بؤسها، قد تضحك. أمّا حكايات الكبار فإنّها، لكبرها وكبر أهلها، تستدعي البكاء.

21/2/ 2003

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق