ما معنى أن نكون سعداء اليوم؟

هل مازال بوسعنا أن نكون سعداء؟ فالعالم يتغير من حولنا بسرعة لا نكاد نضبط لها إيقاعا. والحياة التي تسري فينا تسحبنا بعيدا عن ذواتنا، فلا تترك لنا أثرا لألفة تجمعنا بأنفسنا ولا بالعالم الذي نعيش فيه. والوجود الذي به نكون يمضي بنا على عجل. نعيش بسرعة فائقة وننتهي بسرعة. ننفعل بسرعة ونبرد بسرعة.. كلّ شيء فينا يتمّ هكذا كسندوتش، أو “كفاست فود” لا سبيل فيه للتأنّي.. فأيّ نوع من الإشباع بإمكانه أن يحقّق سعادتنا نحن هذه الكائنات المرسومة بحدّ السرعة والاستعجال؟!

ربّما علينا أن نبحث عن صيغة أخرى لطرح سؤال سعادتنا، أن نختبر طريقا آخر لوضع هذه المساءلة في حيزها الطبيعيّ، وأن نشكّل لها مجالا تبدو فيه واضحة ومقبولة. فالتساؤل عمّا إذا كانت السعادة تشكّل أمامنا أفقا منفتحا، يطرح سؤالا آخر يهمّ وجاهة طرح هذا السؤال نفسه، فهل يبلور المغاربة مثلا في تجربتهم الجديدة مع الوجود ثقافة خاصة للسعادة؟ هل يتوفّرون على منظومة متكاملة لتكوين تقنيات للعيش تجعلهم أكثر سعادة؟ هل يتحرّكون ضمن نظام من الغايات يحقّقون فيه سلوكاتهم وأفعالهم بالشكل الذي يضعهم في أفق مشبع؟ أكثر من ذلك هل هذا النظام محدّد بوضوح؟ هل مازال بإمكان المغاربة أن يدركوا بشفافية تامّة الغاية التي من أجلها يوجدون؟ لا يبدو أنّ هناك واجهة مباشرة لوضع هذه الأسئلة على المحكّ. فالفلسفة المغربية المعاصرة لم تشغل نفسها كثيرا بسؤال السعادة. ليس كتيمة لها موقعها في أرشيف تاريخ الأفكار وإنما كنظام يحدّد الاختبار الخاص للمغاربة لفكرة السعادة. ربّما لأنها أصلا لم تسائل التجربة الجديدة لوجودهم، التي يصوغها انتظام تقنيّ للحياة يدور بكامله حول مبدأ السرعة والنجاعة والفعالية. وقد يكون احتجاب هذا السؤال من أفق الفلسفة المغربية مدعاة لتفلسف أعمق.

إنّ البحث عن نوع الإشباع الذي من شأنه أن يحقق سعادة الناس اليوم في ظل ارتباك قيمي يتنازع وجودهم ويشوش على منظورهم الأخلاقيّ، ينطوي على نوع آخر من البحث يتعلق بسبل خلق الإحساس بالرضا. أي ذلك الإحساس الذي يجعل الذات تطمئن إلى كونها في قلب إقامتها في العالم، توجد فعلا في العالم الذي تستحقّ.

من المفارقات الكبيرة لعصرنا أنّ سؤال السعادة اليوم يغري منظّري الاقتصاد أكثر ممّا يغري الفلاسفة. فهم يبحثون بإلحاح إن كان بحث الناس المسعور اليوم لمراكمة المزيد من الثروة في ظلّ عولمة الاقتصاد، تحرّكه رغبتهم العميقة في تحقيق السعادة. فالسوق الكونية التي فتحها المنطق الجديد للاقتصاد الذي تكرّس بقوّة مع بداية الألفية الثالثة، جعلت الناس يتصارعون بضراوة غير إنسانية من أجل تحصيل المزيد من الثروة، لكنه بحث لا يتوقّف عند حدّ. وبقدر ما تكبر ثروتهم يزدادون شغفا بمضاعفتها، حتى أنها أصبحت تظهر كتجسيد لرغبة أعمق في تجميع الثروة لكن ليس من أجل غاية أعلى منها. دفع هذا الوضع الباحث الشهير روبرت رايت إلى إنجاز دراسة (1) بعنوان هل يمكن للعولمة أن تحقّق السعادة للناس؟ لاحظ فيها أنّ البلدان أكثر ثراء لا يسود فيها بالضرورة إحساس بالسعادة. مؤكدا أنّ الزيادة في الدخل الفردي لا تحقّق السعادة وإنّما تحدث فروقات في الإحساس بالسعادة. يقول رايت ” يتساءل المرء مندهشا: إذا كان الأغنياء لا يحقّقون المزيد من الإحساس بالسعادة من وراء المزيد من المال فلماذا يقومون بهذا الجهد من أجل زيادة ثرائهم؟ إنّ الشعور بالإثارة الذي ينتابنا عند الحصول على زيادة في الراتب بعد مجهود شاقّ يتلاشى توّاقين إلى المزيد.”

اقتصاديٌّ آخر له وزنه وقيمته الكبيرة في النظرية الاقتصادية المعاصرة كروبرت فرانك يخلص إلى نتيجة مؤلمة في كتابه الصادر بعنوان”حمّى الترف” مفادها أنّ جانبا كبيرا ممّا يتحقّق للناس من رضى بحصولهم على المزيد من المال يعود إلى كون تلك الزيادة تعزّز مراكزهم النسبية في المجتمع، وبقدر ما يكون ذلك صحيحا، أي أن تكون سعادتنا نتاجا للمقارنة بين مراكزنا ومركز غيرنا في الحياة، يكون صحيحا كذلك . إن ما يحقّقه فرد ما في المجتمع من كسب تقابله خسارة يتعرّض لها شخص آخر. ذلك يعني أيضا أنّ المركز الاجتماعيّ لا يتحقّق لشخص إلا على حساب شخص آخر (الزيادة في غنى البعض على أساس الزيادة في فقر الآخرين).

لا أحد يستطيع أن يجادلنا اليوم في كون عصرنا غير مسبوق في الأساليب التي طوّرها على مستوى تقنيات إنتاج المتعة. فالفرجة متوفّرة في كلّ مكان. ويكفي بشر اليوم أن يلمسوا زرّا صغيرا وينظروا إلى الجدار المنتصب أمامهم ليستمتعوا بعالم بكامله من المرح والرقص والغناء والإثارة.. من السينما إلى كرة القدم، من سهرات مشاهير الغناء إلى عروض الرقص المخزّنة بكميات هائلة في أقراص صغيرة في ذاكرة الهاتف المحمول المحشور في الجيب أو على شاشة الكومبيوتر الشخصيّ أو في التلفزيون.. ومع ذلك فنصيب الناس اليوم من السعادة أقلّ. بقدر ما تزداد ثروتهم يزداد بؤسهم. إنّهم يعيشون نوعا من الإتلاف يترسّخ في تجربتهم المباشرة كإتلاف للغاية والقيمة.

لا ينفصل المغاربة عن هذا الوضع سواء زاد دخلهم أو قلّ. إنهم يشقون لكنهم لا يعرفون لماذا. إنهم يتذكّرون بافتتان زمن النزهة و”الملحون” والعيش بتأنٍّ. لكنهم لا يقوون على إعادة إنتاجه رغم أنّ لهم من الإمكانيات ما لم يتح لأسلافهم. يعود ذلك في جزء منه إلى الاستحواذ التقنيّ على حياتهم الذي باشره الإعلام. فقد شتّت انتماءهم إلى ذواتهم. وخلق فيهم حاجيات لا يستطيعون إشباعها. ممّا رسخ في نفوسهم إحساسا دائما بالعجز. إنهم متجاوزون دائما مهما بلغ مجدهم، وثروتهم إن لم أقل مهما وصل غناهم. وهم أمام أنفسهم أبشع وأقبح مهما بلغت درجة جمالهم، وضعفاء مهما وصلوا من قوّة. كلّ شيء يهدّدهم في هذا العالم. يهدّدهم الموت المتربّص في حوادث السير المباغتة في الطرقات رغم رفاه السيارة التي يمتطونها، والمرض رغم جودة الحمية التي يلتزمون بها، والإفلاس رغم ضخامة الرصيد البنكي، والعطالة رغم أهمية المنصب الذي يحتكمون إليه..

هل السعادة سؤال سياسيّ بالمغرب؟ ما الكفيل بخلق سعادة المغاربة؟ هل القرارات السياسة الكبرى أم التفاصيل الصغيرة المؤثّرة في عيشهم اليومي؟ كان هيغل قد حدّد الإشباع الأكبر في تلبية الرغبة في الاعتراف. تلك التلبية التي تستنفد التاريخ بكامله، لكن لم يعد مضمون الاعتراف الذي يطلبه الإنسان واضحا اليوم. لأن التقنية تدخلت بقوّة في صلب وجوده، في صميميته وأخذت تصوغ حتى حميميته.

إنّ ذلك يجعل من السعادة اليوم جزءا من سؤال الوجود التقنيّ. فالناس لم يعد باستطاعتهم أن يوجدوا إلا من خلال زمان تكنولوجي. فالسرعة والفعالية والنجاعة هي التي تتحدّث عبر حياتهم. فهم يوجدون من خلال ذاكرة عابرة. كلّ شيء تتكفل به التقنية في حياتهم إذا كان لديهم جسد معطوب من خلال الطبيعة فالتقنية ستصحّحه. إذا كان القلب منهكا فالتقنية الطبّية كفيلة بتعويضه بقلب أقوى. وإذا كانت الأذن صمّاء منذ الولادة فالتقنية قد تزرع بدلها قوقعة اصطناعية ليسترجع المرء حقّه في السمع. كلّ شيء محفّز تقنيا في حياة الإنسان اليوم من الحب إلى الجنس إلى الكراهية.

من المذهل حقا أن تصبح الفلسفة عاجزة عن طرح سؤال السعادة ليتحوّل إلى سؤال الاقتصاديين. لكنّ مبرّر ذلك أن صيغة جديدة للوجود تباشر نفسها في تلقائية الحياة. عبّر عن ذلك الروائيّ الكبير كونديرا في رواية البطء حينما قال إنّ الذاكرة هي البطء والنسيان هو السرعة. إنّ لحمة الوجود بكاملها تتحوّل بفعل هذا المنطق. معنى ذلك أنّنا طالما لم نبلور فلسفة للسرعة لن نستطيع أن نجيب فلسفيّا عن سؤال السعادة.

كان المفكّر المغربي عبد العزيز بومسهولي محقّا عندما قرن التقنية بالمتاهة في عمله الأخير “الكائن والمتاهة: تفكير في الزمان المعاصر”، حيث قال إنّه الوجود بالمتاهة الذي يتقدّم على نحو وحدة وجود تقنية ففي الوجود بالمتاهة يغدو العقل التقنيّ بمثابة تلك العلّة الإكراهيّة التي تشمل الكلّ بخاصيتها التقنية، وهذا التشميل بات يشكّل نوعا من الإيمان بإله تقنيّ كلّي القوّة يبسّط الحضور الذي يستعيد الزمان كقوّة فورية لتسريع التقنية، فيما ينبئ بنهاية زمان الإنسان. ومعنى هذا أنّ كلّ ظاهر قد غدا تقنيا، أمّا الزمان فلم يصر سوى بعد تقنيّ… (2)

الناس اليوم أصبحوا أكثر تواضعا في أحلامهم عكس ما يظهر. فعوض الحياة السعيدة أصبحوا يبحثون عن حياة ناجحة، لأنّ الأمر الأخلاقيّ المطلق الذي يحرّكهم هو: “أسرعوا أيها الناس، أسرعوا! راكموا أكثر لتستهلكوا أكثر!!”. فما جدوى النبع إذن، إذا كان الحصان يرفض الشرب…

{{
الهوامش:}}

1 ـ من الوثائق التي ترجمها ونشرها المركز الدولي للمشاريع الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية

2 ـ عبد العزيز بومسهولي : الكائن والمتاهة : تفكير في الزمان المعاصر. مركز الأبحاث الفلسفية بالمغرب 2007 . الصفحة 11.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق