ما هو القرآن؟

 قُدر لي في غفلة من انسياب هذا الزّمن التحاوري المنفلت من كل تصميم مسبق، أن أجد نفسي على حين غرّة، أنشطّ ورشة تحاورية لغاية مقاربة السؤال الأكبر : ما جدوى القرآن الآن؟ سؤال أتطارحه مع نخبة من أجود ما جاد به موقع الأوان من كتاب ومحاورين، ربما هو مسك الختام الذي دنَونا منه الآن. وليس المسك هنا سوى مداخلات المتحاورين، في هذه الورشة، كما سأضمها جميعها أو بعضها إلى المنتوج الأخير، مع واجب أخذ المشورة من كل واحد على حدة. وإلى ذلك الحين..

   1- بطاقة اعتراف:

   أقترح البدء بوضعية مسألة، أعرضها أمام أنظاركم بالصوت والصورة، وقبل ذلك، بالوجدان :

   أنا مسلم..

   وأنا أتلو أمامكم القرآن، إلى أن أبلغ الآية التي تقول : "والذين يظاهرون من نسائهم"، فأتوقف قليلا لأعترف أمامكم بأني لا أتصور أن أفعل مثل هذه الصغيرة مع زوجتي، فكيف يعنيني القول في من لا تعنيني صغائرهم؟ وأسألكم : لمن تقول هذه الآية؟

   وما أزال أمامكم أقرأ القرآن إلى أن أبلغ قوله : "والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم"، فأتوقف قليلا وأتذكر بأني لست أملك أيمانا لا في البيت ولا في العمل، وأما جنوني فلا يسمح لي بأكثر من امرأة واحدة، فكيف تعنيني آية تخاطب من لا تعنيني نزواتهم؟ وأسألكم : لمن تقول هذه الآية؟

   وأتلو ما تيسر من القرآن إلى أن أبلغ قوله : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا .."، ومرّة أخرى أتوقف قليلا لأعترف أمامكم بأني إن عدت الآن إلى البيت وضربت زوجتي، لأي سبب من الأسباب، فإنها جنحة في حق الزوجة وإساءة للأبناء وإزعاج للجيران؛ وأما إن جعلته ضربا غير مبرح فهي مداعبة شقية، لكن ما شأني وشأن من تعني لهم هذه الآية شيئا أو بعض الأشياء؟

   وأنا مسلم ملء جوارحي، لكني أستمر في قراءة القرآن إلى أن أبلغ قوله : "كتب عليكم القتال"، فأتوقف قليلا لأبوح أمامكم بأني لم أنشأ في بيئة مقاتلة ولا كنت من المقاتلين، فأنا أعمل بدماغي وأكتب بدماغي وأحاور بدماغي ولا أستعمل العضلات إلا حين أحمل حقيبة السفر، فكيف يعنيني من كتب عليهم  القتال إذن؟.

   وأسال نفسي أمامكم : هل تنقص غربتي عن القرآن شيئا من إسلامي؟

   وما أزال أقرأ القرآن إلى أن أبلغ قوله : "واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرّسول"، ثم أتوقف لأطأطئ رأسي وجلا، فالقوانين الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا تسمح لي بالغنائم والفيء والسبي، إلا أن يكون شيء من ذلك خلسة يقدر عليها بعض السادة الكبار، فكيف تعنيني آيات الغنائم والفيء والسبي، حين أقرأها في القرآن؟ ثم أتساءل في الأخير عن مصير مثل هذه الآيات وهل ما يزال بوسعها أن تقول لي ولأمثالي ولآخرين شيئا؟

   في أدنى مستوى من الصدق عليّ أن أقوم بجهد تأويلي شاق ومستعص لكي أرى نفسي، أنا المسلم هنا الآن، معنيا بأحكام تتعلق بسبي النساء والسفر بالدواب ونحو ذلك.

   أيّ قياس فقهي هذا الممكن بين أحكام النكاح ومدونة الأسرة؛ بين آداب الطريق وقوانين السير؛ بين أحوال الرعية وحقوق المواطنة، إلخ.

   كنت دائما أقول : نعم، أنا مسلم ولا ريب في هذا الذي لا أرتاب من قوله، لكن لابد من قرار شجاع يحدد علاقتي بالنص الديني بوضوح وبلا مواربة تبعث على الانفصام، فالنص محمل بأثقال لم تعد تعنيني ذوقا وثقافة وعيشا وسلوكا.

   أزعم أني أتقاسم هذا القلق مع ملايين المسلمين اليوم، فقط أكثر الناس لا يبوحون، بل إنهم حتى عن أنفسهم يكتمون. وكثيرون يتوجسون من إدراك الخلاصة المعقولة حين يطرحون الأسئلة الفعلية، وحين يفقهون :

   لن ينجو إسلامنا إلا بالعودة إلى صيرورة التاريخ وفك الوثاق بين الأنطولوجيا الإسلامية والنصوص المقدسة. هذا الإسلام  الذي هو إسلام الأمة، سيحيى بالأمة وتحيى الأمة به، من خلال قدرة الأمة على مجاوزة النص القرآني باعتباره نصا تأسيسا وليس توجيهيا، وهي المجاوزة التي يتيحها القرآن لقوم يتفكرون.

   ولأجل دعم هذه المقاربة التي أبسطها أمام دائرة النقاش، ننتقل للمرحة الثانية من هذه الورشة ونبدأ بسؤال البداهة الآن : ما هو مصير القرآن؟

   2- وضوح غير اعتيادي:

   ما الذي يمكن أن يضيفه الآن القرآن إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواثيق الدولية حول حقوق المرأة والطفل، ومعاهدات حماية البيئة والتنمية المستدامة، وإلى مبادئ الثورة الفرنسية ومفهوم التسامح عند فولتير، وإلى مبادئ الانتخابات والاستفتاء ونحو ذلك.

   طبعا لا أتوهم بأننا نعيش في أفضل العوالم الممكنة، على الأقل ليس الآن، وربما سيحدث ذلك بعد نضال إنساني قد يستغرق عقودا أخرى، غير أن سؤالي واضح : ما الذي يمكن أن يضيفه القرآن؟

   ليس السؤال هنا حول ما الذي سبق أن أضافه القرآن للإنسان؟ لأننا قلنا بأن القرآن نص تأسيسي ومن ثمة فهو فعلا قد أضاف الكثير إلى إنسان القرون الماضية، ومكمن الإضافة أنه ساهم في تأسيس رؤية أنطولوجية جديدة، فرضت قوتها حتى على فلاسفة التنوير الأوروبي، وهذا من القضايا المعروفة في تاريخ الفلسفة، وأنا كمسلم أفخر بها وأعتز، لكن السؤال هو : ما الذي قد يضيفه النص القرآني للإنسان اليوم؟

   نعم إن النص القرآني قد ساهم في تأسيس أنطولوجيا قوية ومستمرة، لكن التأسيس لا يعني الاستمرار. يصدق هذا على الأشخاص ويصدق أيضا على النصوص.

   هل ما يزال بوسعنا أن نستنبط من القرآن كله أو بعضه أحكاما وحلولا لمشاكل الراهن؟

   هل نقول بأنه لا يصلح لأي شيء ثم نرمي به في مهملات أمة قدر لها أن تستأنف المسير من دون كلمات من "رب العالمين"؟

   أم نقرأ القرآن ونستمرّ في قراءته لكن كوظيفة تعبدية؟

   أريد في هذه الورشة أن أنافح عن الاختيار الثاني، من خلال مداخلة قصيرة، وهي المرحلة الثالثة من الورشة، في انتظار مداخلات المتحاورين الكرام، قبل أن أقوم بعدها بمداخلة تركيبية، بعدها ندون الملاحظات، ثم نصادق في الأخير على المقرّر التركيبي. وبهذه الخطة نستمر.

   3- القرآن حجة للرّسول:

   كيفما كان المعنى الذي نمنحه لله (الحياة، الطبيعة، الوجود، التاريخ…)، فإن القرآن كلام مخلوق كما يرى المعتزلة. وليس في ذلك ما قد يدل على أن كلام الله صالح لكل زمان ومكان، بل العكس تماما؛ لكل مخلوق عمر محدود، وكون الله هو أصل المخلوقات لا يعني ذلك أن المخلوقات أبدية. فكلام الله إذن وأسوة بكافة المخلوقات محكوم بمبدأ الحياة والموت، وهو المبدأ الذي نصطلح عليه عادة باسم الصيرورة.

   هذا القرآن، وبدل أن يكون دستورا ثابتا وأبديا تستمد منه الأمة أحكامها إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، كما يتوهم الكثيرون، لا يعدو أن يكون أكثر من حجة إعجازية وهبها الله للرسول وأيّده بها في معركته من أجل الزعامة الرّوحية داخل أمة موصوفة بالبلاغة والبيان والإعراب، ومن هنا جاء إسمها (العرب).

   انطلاقا من هذه العلاقة الخاصة بين القرآن والرسول، نفهم كيف هدد الله رسوله مرارا بأن يحجب عنه الوحي، وهو تهديد نفهم من خلاله أن الوظيفة الأساسية للقرآن تكمن في أنه جاء حجة للرسول وتحديا بلاغيا لمنافسيه على الزعامة الروحية. إذ يكشف لنا القرآن كيف هدد الله رسوله مرارا بأن يمنع عنه الوحي، بسبب بعض تصرفاته الخاطئة، كما في قوله : "ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا".

   إن التهديد هنا بانقطاع الوحي أو حجبه أو الذهاب به جملة وتفصيلا، هو تهديد غير موجه للأمة، وإنما يخص الرسول بمفرده بسبب بعض أفعاله، ما يعني أن القرآن هبة إلهية للرسول أكثر ما هو "دستور" أبدي تسترشد به الأمة إلى أبد الآبدين. وإذا كان ذلك هو حال علاقة القرآن بالرسول، فما علاقة القرآن بالأمة الباقية ما بقي التاريخ وبقيت فيه؟

   4- القرآن نص تأسيسي:

   القرآن نص تأسيسي للأمة وليس نصّا يوجّهها إلى آخر الدهر، إن كان للدهر من آخر. إنه نص انتهت وظيفته التشريعية مع انبثاق أمة جديدة في التاريخ. لذلك وجدنا أن الكثير من آيات القرآن ينحسر مناط التكليف فيها بانحسار المرسل إليه، داخل لحظة معينة من لحظات تأسيس الأمة، ما يجعل اليوم الكثير من أحكام القرآن متجاوزة بالنظر إلى انقراض المرسل إليه من الوجود، وهي آيات كثيرة نذكر منها أنواع الآيات التالية :

   -آيات تخص الرسول حصراً، وأحكامها لا تعني شخصا آخر غير الرسول، مثل قوله : "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه". كما أن الآية التي أوصت الرسول بالزواج من زينب بنت جحش طليقة زيد، هي مجرد استجابة لميل خاص بالرسول أو أنها أمر "إلهي" يعني الرسول وحده. وفي كل هذه الأحوال وغيرها لا يتعلق الأمر سوى بآيات تخص الرسول في سياق محصور في المكان ومحدد في الزمان.

    -آيات تخاطب زوجات الرسول حصرا، فهي آيات تؤكد بنفسها بأنها لا تعني سائر النساء بأي حال من الأحوال. مثل الآية التي جاء فيها : "يا نساء النبي لستنّ كغيركن من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"، وهي آية تمنح نوعا من التمييز الإيجابي لنساء الرسول، في سياق مجتمع كان لا يزال مفرطا في نزعته الذكورية.

   -آيات ترد على مواقف محددة لأشخاص معينين. مثل الآية التي تتحدث عن الوليد بن المغيرة المخزومي بالقول : "درني ومن خلقت وحيدا. ثم جعلت له مالا ممدودا. وبنين شهودا. ومهدت له تمهيدا. ثم يطمع أن أزيد. كلا إنه لآياتنا عنيدا".

   -آيات تحمل أحكاما خاصة لفئات محددة في الزمان والمكان، مثل الآية : "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم".

   -آيات تخاطب أقواما غير مسلمين، مثل الآية : " يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي عليكم"، وهي آية موجهة حصرا إلى بني إسرائيل.

   بعد هذا العرض القرآني، مطلوب من المتحاورين الكرام، أن لا يقتصروا على هذه الآيات أمثلة، فإن وجدوا أفضل تعبيرا، أعلموني للأخذ بها ووضعها في موضعها.

   والآن، سؤال واضح وبسيط :

   هل هناك "حكم" قرآني صالح لكل زمان ومكان؟

   هل للقرآن إذن وظيفة أخرى غير الوظيفة التعبدية؟

   5- القرآن نص تعبدي:

   القرآن الذي أيد به الله رسوله في مجتمع بلاغي، قد حصر بنفسه وظيفته وحددها في القراءة التعبدية، كما هو واضح في قوله : "ورتل القرآن ترتيلا"، ما يعكس المضمون التعبدي للقراءة،  بعيدا عن أحكام السلطة والدولة والمجتمع والأمة والمقاومة والمجتمع المدني ونحو ذلك. وكون القرآن محصورا في الوظيفة التعبدية، هو ما يفسر أن أي شخص يحق له أن يصلي بالقرآن أو يتعبد بتلاوته حتى وإن كان لا يفهم كلمة واحدة باللغة العربية، وهو ما يفسر لنا أيضا أننا نصلي ونتعبد بآيات نعلم مسبقا بأن آيات أخرى قد نسختها.

   ونزداد اقتناعا بأن وظيفة القرآن لا تتعدى الوظيفة التعبدية ولا يمكن أن نستخلص منها أية أحكام، حين نلاحظ أن كثيراً من الآيات تحصر دائرة المخاطَب أو المرسل إليه في نطاق شخص أو أشخاص أو جهات محصورة في الزمان والمكان، وكثير من أحكام القرآن نسختها أحكام قرآنية أو ما بعد قرآنية، وكثير من الآيات نقرأها حتى بعد أن نسختها آيات أخرى، وكثير من الآيات لم نعد نقرأها لكنها جزء من القرآن "التاريخي"، والأمثلة كثيرة قد نذكرها في النقاش.

   محصلة البوح :

   أنا مسلم بالوجد والوجدان، ولست أرى من هم أقرب إلى "روح" الإسلام من هؤلاء المسلمين الجدد حين أسمعهم يصرحون بأن ما يجذبهم إلى الإسلام هو "العلاقة المباشرة والطبيعية مع الله"، فربما لأنهم متحررون من أثقال النص الديني وأغلاله، قريبون من إدراك العلاقة الطبيعية مع الله، هذا الكائن الأسمى الذي كيفما كانت أحواله، فإنه لا يسكن داخل أي نص أو معبد أو دين. فلا يكون تاريخ الأديان سوى محاولات ناقصة بميزان المقاصد. ويظل النقص سمة التاريخ وطبيعة الوجود وجوهر الإنسان، وإلا لما كان هناك شوق دائم إلى من قال في حقه صوفي قديم : ربنا أبهمت الأمر علينا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This