مباعدة متشظيّة عن معادلة “حارس التبغ”

{{خارج النص الروائي}}

لسنوات خلت، في تشرين الثاني 2005 على وجه التحديد، كانت قد افتتحت في اشبيلية فعاليات ملتقى “التمثيل العربي المعاصر: المعادلة العراقية”، الذي أقامته جامعة الأندلس الدولية (UNIA)، وفيه ألقى الروائي علي بدر محاضرته المعنونة “المثقفون العراقيون في ظل الدكتاتورية” في مقر الجامعة في دير “سانتا ماريا ديه لاكويبا”. وعرض ضمن برنامج الملتقى الفيلم الوثائقي “انس بغداد” للمخرج السويسري سمير جمال الدين (بغداد 1955-)(1). يحاول الفيلم (إنتاج سنة 2002) متابعة سيرة أربع شخصيات يهودية، كانت قد ولدت في كنف أسر عراقية، وهاجرت إلى اسرائيل بعد إسقاط الجنسية العراقية عن المواطنين اليهود عام 1950. يشير المخرج من خلال شهادات أبطال فيلمه (شمعون بلاص، سامي ميخائيل، سمير نقاش، وايله حبيبه شوحاط) إلى تداعيات وتحولات الهوية بفعل النزاعات الجيوسياسيّة الامبرياليّة، وإلى أثر تحالف “العسكر القومي العربي” آنئذٍ مع دول المحور، في إثارة أعمال الاستباحة والنهب والقتل التي طالت يهود مدينة بغداد، والمعروفة بـ “الفرهود” عام 1941(2).

من جانب آخر، أشار عدد من الباحثين الأكاديميين، كـ إيله شوحاط Ella Shohat من جامعة نيويورك في كتابها المعنون “ذكريات ممنوعة”(3)، إلى شهادات تؤكد على الدور الفعلي للحركة الصهيونية، والإسهام المباشر لعناصر من الاستخبارات الإسرائيلية في تأجيج الأحداث العنصرية، عام 1951، ضدّ يهود العراق، بوضع متفجّرات في المؤسسات الدينيّة والمدنيّة الخاصة بهم (معابد، متاجر، ورشات صناعية) لخلق حالة من الذعر تحمل يهود البلد على الهجرة الجماعيّة إلى إسرائيل. كما أنها تؤكد على التعاون والمصالح المشتركة بين الحكومة الوطنيّة الليبراليّة (حكومة نوري السعيد) من جهة وبريطانيا الاستعمارية والحركة الصهيونيّة من جهة أخرى لاقتلاع اليهود العراقيين ودفعهم للهجرة النهائيّة “الخلاصيّة” و”الإنقاذيّة” باللجوء إلى “أرض إسرائيل” في عملية عزرة ونحميّة (1950-1952). وأشار الناشط السياسي الأميركي نعوم تشومسكي لنفس الدور في عدد من مقالاته، نقلاً عن تحقيقات وأبحاث تمت في هذا المجال كتلك التي قام بها دافيد هيرتس وحملت عنوان “الصهيونية واليهود في العراق، فن خداع العالم”(4).

تتبعت إيله شوحاط سرديات الصهيونية الكبرى ومحاولاتها إعادة بناء ذاكرة جديدة لليهود الشرقيين في إسرائيل. وأشارت إلى أن البروباغاندا التي استندت على اختلاق مشاعر مناهضة لليهود الشرقيين في البلاد العربية، لم تكن إلا مرحلة من مراحل صناعة هوية جديدة لليهودي الشرقي (مزراحي/ سيفاردي): هوية تقوم على إحلال تجربة الإقصاء والتمييز والاضطهاد، وخبرة محاكم التفتيش، وذاكرة الإبادة المنظمة والمبرمجة التي مورست على اليهودي الغربي (الاشكنازي) عامة، محلّ الذاكرة الجمعية لليهودي الشرقي القادم من المجتمعات العربيّة. بمعنى أن السرديّة المركزيّة-الأوربصهيونيّة الكبرى طغت على سيرة الأطراف العالمثالثيّة وحاولت محيها وأسلبتها من ذاكرتها الخاصة. والكلام هنا لا يحاول الانجرار لقولٍ فردوسي ساد التعالق بين اليهود وجيرانهم في الفضاء الثقافي العربي، ولكنه يؤكد على أن السيفارديين حتى العقود الأولى من القرن العشرين تقريباً كانوا جزءا مندرجاً في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والفني العربي، إن لم نقل السياسي، رغم الروابط الجمعيّة التي تعقد فيما بينهم. والاضطهاد السلطوي نحوهم غالباً ما قاربهم وساواهم مع غيرهم من الأقليات الأخرى والمذاهب المنشقة عن الصيغة الدينية المهيمنة على اختلاف تنويعاتها(5).

إن تحليل إيله شوحاط الأكاديمي يقارب معنى التلفيق في الذاكرة الرسميّة، ويفكك الآليات الاستعماريّة المتورطة في تغييب مجريات ووقائع تاريخيّة، وفي تركيب سرديات تلفيقيّة لهوية قومية يهودية متجانسة أحادية البعد، بشكل يمكن القول معه أن إسرائيل تتابع مسيرها الحثيث للتحول إلى غيتو كبير في زمن العولمة.

من جهة أخرى، تصرّ بعض المراجع على أثر تطرف القوميّة العربيّة آنئذ في افتعال أحداث الفرهود عام 1941(6)، وهي بقايا قومية بدائية محافظة داومت في ذاكرتها على تحالفات الفضاء العثماني القديم مع ألمانيا، والتي تعود إلى ما قبل صعود النازية؛ إضافة لأنها كانت تدور في فلك مقاومة الاستعمار البريطاني، الأمر الذي جعلها تنجر، فيما يبدو أمام موازين القوى العالميّة الرأسماليّة للتحالف مع عدو العدو. وهنا لا بد من ذكر أن بعض المؤسسات ومراكز الأبحاث الأكاديميّة الأوربيّة الملحقة بتغذية “صناعة الهولوكوست” بالمواد البحثيّة والسرديات الأدبيّة الأوليّة (ملفقة أو غير ملفقة) قدمت لقاءات بعض القادة العرب كأمين الحسيني (1895 – 1974)، ورشيد عالي الكيلاني ( 1892 – 1965) مع السلطة الألمانية، إضافة لإنشاء إذاعة عربيّة في برلين بإدارة “السائح العراقي” يونس بحري الجبوري (1903 – 1979) كدليل على تقارب فكري عربي–نازي(7). وقول النازية في ذاكرة السرديات الأوربيّة الكبرى، السارية المفعول، يستدعي بداهة أزمة الضمير الأوربي تجاه الهولوكاوست، بحيث يغدو التقارب منزوع السياق لبعض القادة العرب مع دول المحور تورطاً عربياً كلياً – وإن كان غير مباشر – في المحرقة النازية، وفي أفضل الأحول تغاضياً عنها من قبلهم. ومن النافل الإيحاء بما لذلك من أهمية في تمرير وتبرير السرديات الاستعماريّة الإسرائيلية في التاريخ المعاصر(8).

{{حارس التبغ}}

تحاول رواية “حارس التبغ” الانتماء لرواية ما بعد الحداثة، فمنها تستلهم التزاماتها الفنيّة بشكل حثيث على مدار القراءة، ولها تدين ببعض امتيازاتها الجماليّة، وفيها تجد اكتفاء شكلياً لتقنياتها الإنتاجيّة والاستهلاكيّة، إلا أن “هناتها” أمام نموذجها الروائي مابعد الحداثوي أعاق خطابها عن محايثة فلسفة نموذجه. فبدت الرواية معلقة على حبال متقطعة لشكل يحاول قول مابعد الحداثة دون أن يقوله فعلاً.

تدور الرواية حول مهمة كلف بها صحفي عراقي من قبل مؤسسة إعلامية لكتابة موضوع حول الملابسات الخاصة بمقتل عازف الكمان كمال مدحت في بغداد عام 2006. وتقود التحقيقات التي يجريها الصحفي إلى دمج شخصية المسلم السني كمال مدحت مع شخصيتين أخريين، تعود الأولى لعازف الكمان اليهودي السفاردي يوسف صالح، والثانية لعازف الكمان المسلم الشيعي حيدر سلمان.

هُجِّر عازف الكمان اليهودي يوسف صالح في خمسينات القرن العشرين إلى إسرائيل مع ولده مئير وزوجته فريدة. ودفعه عدم احتمال وضعه هناك(9) إلى السفر إلى إيران بعد اقتناء هوية جديدة يحمل فيها اسم حيدر سلمان على أمل العودة إلى العراق. وتمتد حياته في إيران حتى 1958، وفيها يتزوج من امرأته الشيعية الثانية التي ينجب منها ابنه حسن. لاحقاً وبجواز سفره الإيراني يتمكن من الدخول إلى العراق والعيش فيه حتى السبعينات، إلى أن أُبعِد من جديد إلى بلد المصدر الذي جاء منه، أي إلى إيران كونه يحمل الجنسيّة الإيرانية، وأثناء التسفير سيراً على الأقدام تموت زوجته الثانية.

في طهران يشهد التحولات السياسية والصراعات بين الليبراليّة والتوجهات الدينيّة المتشددة. وفيما بعد يخرج من إيران، ويتمكن من دخول سوريا بهوية جديدة تحمل الاسم الأخير الذي عمل على تداوله حتى موته، أي كمال مدحت.

في دمشق يتزوج من موصليّة سنيّة، ومعاً يعودان إلى بغداد، ومن زوجته الثالثة ينجب ابنه عمر.

تعلن الرواية أنها تتناول موضوعة سرديات الهوية، لتطرح التعامل مع الشكل وتقنيات الكتابة على بساط السجال السردي في بنيتها، فأسلوب تضمين التوثيق، وكولاج التسجيل، ومونتاج الخبر الصحفي، وسينمائيّة الحوليات، وسردية اللاسرديّة، وفبركة الرسائل، وإبعاد السارد، والتغريب الروائي، وماوراء التخييل، وقراءة الصور سيمولوجياً، واقتناء علامات فارقة للهوية، ومحاولة الاتكاء الهيكلي على “دكان التبغ” لفرناندو بسوا، ولصق ما تناثر من هنا وهناك ومن النت(10) لملئ ثغرات السيّر الذاتية المفترضة لشخصية القتيل في الإطار التخييلي… الخ. كل ذلك يجعل من الواقع الفني الذي تقدمه الرواية واقعاً تلفيقياً بامتياز يحيّل إلى نفسه أثناء عملية استهلاكه، وكأن النص يوعز بأنه الداخل والخارج معاً، ومنه تنسرب مقولة تحولات الهوية أمام خلفية تؤرخ لاتاريخيّة العراق الحديث في ثلاثة أجزاء تطوي تسعة فصول بين دفاتها.

قبل أكثر من نصف قرن، افتتح المخرج الياباني أكيرا كيروساوا Akira Kurosawa عقد الخمسينات بفيلمه “راشومون” Rashomon. وكما هو معروف يشير عنوان الفيلم لأشهر بوابة في مدينة كيوتو أثناء العصر الهيني، والتي بدأت تظهر عليها أعراض الإهمال والتداعي، وأخذ ينخرها التآكل خلال القرن الثاني عشر، مواكبة علائم التفسخ والانهيار مع أفول الحقبة الهينيّة، لتصبح البوابة رمزاً للفوضويّة وللتدهور الأخلاقي لليابان في ذلك العصر والأوان. ولا يخفى على أحد الإيعاز عميق الغور في الفيلم للشرط التاريخي لليابان عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتدور أحداث الفيلم حول جريمة قتل ساموراي واغتصاب زوجته، فبعد إلقاء القبض على المتهم واستدعاء الشهود والزوجة، يدلي كل واحد منهم بشهادة مغايرة لشهادة الشاهد الآخر، وهكذا تتعدد نسخ واقعة الجريمة بتعدد الشهود، حتى أن الزوجة تدلي بشهادة مغايرة إضافية، بينما يستمر هطل مطر طوفاني على بوابة راشومون المتآكلة. ربما يمكن القول أن أكيروساوا في فيلمه المبكر هذا، كان يلمس نموّ النسبويّة الأخلاقيّة الذاتويّة لزمنه. بمعنى أن ظرف المكان المتآكل، والواقع على مفاصل الحاجة الملحة لإعادة عمرانه، وبناء سرده من جديد ينتج تنويعات على القول الأدبي والفني يطال كل منها الحاضر، ويبحث عن جذور مصداقيّة له في الماضي. بهذا الاتجاه يمكن النظر إلى رواية “حارس التبغ”، أي كواحدة من تنويعات روائية متعددة تحاول أن تبلّغ وتدلي شهادتها الخاصة في المشهد الثقافي الذي تتوجه إليه.

تراجع الرواية التاريخ، وفيها يقدم الراوي بعد تحقيقاته التي أجراها، شهادته على سرديات هوية القتيل كمال مدحت، الذي وجدت جثته ملقاة على ضفة نهر دجلة. وليقول بتحولات الهوية، وفقدان صلاحيّة الهوية الجوهرانية أو الماهويّة، وتتحول بداهة هذا القول المفارق للعنصرية إلى اكتشاف ذي طبيعة انبثاقيّة: “وهكذا تبين حياة كمال مدحت أن الهوية ترتبط على الدوام بواقعة سردية، فهي حكاية تلفق أو تسرد في لحظة هي مطلقة الاعتباطية… وهكذا تبين حكاية هذا الفنان أن الهوية هي حركة من حركات التموضع وسياسته”. هذا ما يعلنه الراوي بتقريرية أدبية مابعد حداثوية وبلا مواربة جماليّة، ولكن ما كل ما يعلن يطابق ما أُنجِز وأُنتِج عبر السرد. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف تمت الشهادة على قول الهوية المتحولة سردياً في حالة “حارس التبغ” لعلي بدر؟

إن ما يثير الانتباه بالنسبة لهذه القراءة هو بضعة نقاط مفصلية من الرواية: “سردية الفرهود” في “حارس القطيع”، والكيفية التي تم التطرق فيها لقانون إسقاط الجنسية العراقية سردياً، وكولاج شخصية القتيل استناداً على “دكان التبغ” لفرناندو بسوا.

حسناً، قدمت صورة الفرهود في التخييل الروائي في الفصل السادس المعنون “حارس القطيع” من رواية “حارس التبغ” على النحو التالي: “في شهر مايس من العام ذاته اندلعت الحرب العراقية-البريطانية، مصحوبة بثورة قومية متأثرة بالنازية، وحالة فوضى هائلة عمت البلاد، وتعرضت الطائفة اليهودية إلى الاعتداء والنهب والسلب والقتل، حيث أحرقت مسعودة دلال خالة سامي صالح… أمام عينيه ونهبت أموالها… فكيف شهد حادثة الفرهود: كان يوسف قد استيقظ صباحاً… فجأة سمع صرخة عارية، التفت ناحية الشباك فلم تكن هنالك سوى عربات الربل التي تسير في الشارع، وأشعة الشمس التي تدخل نافذته”(11).. الخ وتجري بعد ذلك أمام بصره أعمال النهب والقتل والحرق…

ألا يستدعي المشهد المتخيل بصرياً والمفرغ من جلبة السياق التاريخي، والمرتكز على صراخ يطلق خلف شاشة الذاكرة للهاربين، وعلى حرق الكتب ونهبها من بيوت ودارات اليهود في بغداد صور محاكم التفتيش القروسطيّة؟ ألا تبرز من مشهديّة حرق الخالة والمعابد اليهودية استعارة لمحرقة ضد اليهود؟

ألا يعني هذا أن أعمال العنف والتنكيل لفرهود بغداد قدمت مصمتة من نسبيتها التاريخيّة لتحال إلى العنف الحصري ضد اليهود بالإطلاق.

وهنا يُراد الإشارة إلى أن النظريات الأدبية لا تكتفي بالهجرة من المركز إلى الأطراف بجماليات أشكالها السردية والفنيّة فقط، وإنما تحمل معها قابليّة أو إمكانيّة القول والموقف الخطابي من تجارب الواقع الخاصة بذلك المركز.

المركز/ الغرب ليس – بالطبع -كلاً متجانساً بنظرياته ولا بجمالياته. إلا أنّ الخيار الروائي في “حارس التبغ” يجول في مسارات التاريخ الثقافي للمركز كالعداء للسامية والمحرقة النازية ويجرفها وينجرف معها إلى سرد الأطراف. وكأن الأدب والفن في هذه الحالة يتحول إلى قناة لتمثل واقتناء تجربة المركز الأوربي التاريخيّة كما لو أنها تجربة محليّة في تاريخ هذا الطرف/ العراق.

وهكذا فالمحرقة النازية – وهي إبادة ممنهجة ومبرمجة بلا أدنى شك – تُستورد من المركز لتأسيس سردية جديدة تضاف لسرديات التاريخ العراقي، إن لم نقل لتحل محلها أو لتكبر بها. على نفس النحو يقوم الخطاب الأشكنازي في إسرائيل والذي خبر المحرقة في التاريخ الأوربي بتلقين السفارديين السرديات الاستعمارية الغريبة كما لو أنها من صلب تجربتهم في المناخ العربي.

من جانب آخر، إن عملية تهديم سردية الهوية الجوهرية تخيلياًً تهون من خلال التركيز على كيفيّة صنع الإيهام السردي، والذي يبرز وكأن له الأولوية في عملية التلقي، فالتساؤل عما يقال يتراجع إلى المقام الخلفي مما يسهل تمرير ما يراد تمريره، وتعديل صورة تلقي التاريخ أمام القارئ كي يبني نصه الخاص انطلاقاً واعتباراً من المعطيات التي يبيحها ويسمح بها النص فقط. وهنا نشير إلى أن الكاتب أثناء قيامه بتوثيق التواريخ والتفاصيل والتسجيل للأحداث في بداية الرواية أسقط من اعتباره واختياراته الجماليّة التلميح للأبحاث الحديثة والتي تضيف دور إسرائيل في أعمال العنف لحمل اليهود للهجرة إلى إسرائيل عام 1950. فالرواية تجاوزت التلميح للمنافع المشتركة التي جمعت ثلاثي الحكومة العراقية الليبرالية مع القوة الاستعمارية البريطانية والحركة الصهيونية (في العراق وفي إسرائيل) لإسقاط الجنسية العراقية ومصادرة حق التملك عن يهود العراق منتصف القرن العشرين. بينما لم تغفل عن معلومة وصول ملك الأفغان محمد ظاهر شاه إلى محطته العابرة بغداد في طريقه إلى أوربا.

من جهة أخرى يبدو التفكيك الروائي الادعائي للهويات مابعد الاستعمارية والسرديات الكبرى في “حارس التبغ” وكأنه أشبه ما يكون بعودة تبشيرية بالهوية من المنظور الاستعماري من جديد والتي ترى في “السكان الأصلين” جماعات أنثربولوجية متشظيّة دينيّاً وعرقيّاً وطائفيّاً واثنيّاً… لا متحد سياسي يقوم على إمكانية مواطنة لا تنفي التعدديّة والاختلاف ضمن الوحدة فقط بل وتساوي بين الجميع أيضاً. فنقيض المساواة ليس الاختلاف وإنما اللامساواة.

يرتبط كمال مدحت، وجميع تداعياته الشخصيّة، في الرواية بالعراق/ الفضاء الجغرافي وكل ما يقوم به وما “يتقمصه” من شخصيات هو التفاف دوراني للعيش في هذا العراق، حيث تتعالى بغداد على التاريخ، وكأنها المكان الطوباوي، بل ويصل الأمر إلى اختزالها عبر فضاء “النادي الانكليزي” إلى لامكان يوتوبي ليبرالي لعصر ذهبي مفقود كانت الحياة فيه كعيد حافل، وهنا لا يخفى على أحد دلالات السردية الرعوية لهذه الانكليزيّة الخاصة بالنادي.

إذن هو عراق عابر للزمن وللتغيرات النسبية، وحتى الرغبة فيه تتجاوز هي الأخرى تحولات المكان وتتثبت عنده. وفي هذا السياق تحضر عبارة للمغني الاسباني خواكين سابينا يقول فيها: “ليس هناك أسوء من الحنين لما لم يكن”.

عامة، يمكن القول أن الأطلس التاريخي الثابت والوطن الجغرافي هو سمة من سمات الهوية الجوهرانيّة للسرديات الكبرى.

هكذا أعطيت تنويعات الهويات للشخصية الروائية بين سامي صالح، وحيدر سلمان، وكمال مدحت سمات دينيّة تكرر نفسها تباعاً، وتدور حول نفس المحور بأشكال مختلفة، مفارقة المفهوم التعاقدي الذي يشير للتعددية الهوية الثقافية ضمن المتحد السياسي.

من المتفق عليه أن تفكيك الهوية مابعد الحداثي يعني تفكيك سياق المكان والزمان الذي تشكلت فيه، والانفتاح على أفق هوية حربائيّة تقول بـ “خارج المكان”: لست من مطلق الـ هنا ولا من مطلق الـ هناك، ويساهم في تشكيلها مسار ثقافات متدفقة، تراكم الذاكرة بالصور والتجربة، تغريب التلقي الأدبي والفني، التجوال، اللغات المكتسبة، التفكير والحلم بشياطين لغات متعددة، وانقلاب المكان إلى فكرة المكان، والوعي بالخلاسيّة الثقافية… الخ.

إن الشعور بالانتماء إلى تعددية الهوية بالمعنى الثقافي فيه من الثراء والتضامن الإنساني والتكافل البشري الشيء الكثير، بينما تنويعات الهويات الدينية المفترضة في “حارس التبغ” تستحضر البغض والعدوان بين البشر، وتتجلى فيها محاولة انفصاليّة تقتلع الدين من الفضاء الثقافي.

تبدو الهويات المتقمصة في الرواية كما لو كانت أدواراً مسرحية، اللعبي فيها يكمن في الدخول والخروج الخطي لأداء دور نمطي لا يختلف كثيراً عن سابقه. بمعنى أن الهويات لا تقوم على التراكم والتطور والتخطي العقلاني، ولا على الانتماء المتشظي المتزامن والمتقطع لمابعد الحداثة وإنما على الاستنساخ لا أكثر رغم افتعال مزاجية ووصف نفسي خاص لكلٍ منها ولكنه بعيد عن درامية الفعل السردي.

للوهلة الأولى يبدو اجتماع الشخصيات الثلاث على الكمان كأنه انتماء لكونيّة الفن والجمال، وتجاوز لمحدوديّة المحيط الذي تعيش فيه وزمن صراعاته، إلا أن السارد يعلن في نهاية الرواية بأن هوية القتيل تتجلى بأقانيم ثالوث ديني بحضور أولاده الثلاثة.

وهنا تبرز الحيرة التالية:

لم يعر القتيل الأب طوال حياته وتحولاته الهوياتيّة المفترضة أي اهتمام لتربية أي واحد من أولاده، وكان تبرير السارد لهذا الإهمال بأن ذلك من خصال الفنان. وهكذا قامت الأماكن الأخرى غير العراقية: “إسرائيل اليهودية”، “إيران الشيعية”، و”مصر السنية” بتربية كل من مئير، وحسن، وعمر ومنحتهم هوياتهم الدينية على التوالي.

بمعنى أن شخصية الأب تناقض نفسها عندما ترى هوياتها متجليّة بثالوث هويات أولادها اللاهوتية. إضافة إلى أن قول الهوية البيولوجيّة هو قول مستمد من السرديات الكبرى التي قد تتطرف باتجاه صلة دم تسري في “الجنيات الاثنيّة والعنصريّة والعنصريّة القوميّة”. فيغدو مئير يهودي لأم يهودية، وحسن وعمر مسلمان لأبوين مسلمين (شيعي أو سني).

أما الصحفي، الذي يلاحق السيرة اللعبيّة لأدوار الشخصيات الثلاث، فينضم ليلعب دور الابن الرمزي الذي يدفن والده، وكأن استمرار لعب الأقنعة وتفكيكها، يقابله تركيب جديد من قبل الصحفي لاحتواء جميع هذه الأقنعة/ الهويات الدينية في داخله.

تبدو علاقة القتيل سامي صالح مع فريدة كعلاقة مع المرأة المتعالية المطرياركية. فعندما صححت له عزفه الموسيقي أعلنت سلطتها المعرفية، وبقيت على مدار تقلبات هوياته بمثابة الخط السري الذي يربط الشخص بيهوديته، فهي الوحيدة التي كانت شخصياته واضحة أمامها ومعرّاة معها من خلال مراسلاته التي لم تنقطع إليها.

بشكل من الأشكال، إن توريث الهوية في حارس التبغ هو عودة مشابهة لما قامت به السرديات الكبرى، كما أنها توحي بعنصرية تقوم على ثوابت لاعقلانية بيولوجيّة لهوية تولد مع الفرد.

في نهاية الأمر يمكن الاعتبار أن جميع الشخصيات التي يدخل في لبوسها سامي صالح، تجد مرجعيتها عند فريدة، فهي التي تعقد أواصر الصلة فيما بينها وتجعلها متقاطعة. ومن هنا يختلف التوظيف الروائي في “حارس التبغ” عن استخدامات فرناندو بسوا وإن شابهتها ظاهرياً.

إن الشخصيات التي مارس فرناندوا بسوا أدائها تقوم على مفهوم هترونيمو Heterónimo في نظرية الأدب، أي التوازيات لا التقاطعات بين المؤلف الواقعي مع الشخصية الوهمية مع الشخصية الوهمية الأخرى وهكذا دواليك بالتجاور juxtaposición والتعاقب المتتالي.

وقد تقوم الشخصية الوهمية بتخليق سيرة ذاتية للشخصية الواقعية Ortónimo، إلا أن لكل منهما سيرتها وعملها الأدبي الموازي أو المفارق عن عمل الشخصية الأخرى في حال كون الشخصية هي شخصية أديب أو فنان.

اللعب البساوي هو لعب ذو طبيعة باروكية للمفهوم الكالدروني “الحياة حلم” والذي تتردد أصداء فلسفته المميزة في العصر الذهبي لشبه الجزيرة الايبرية.

كما أن اختلاف الأسماء المستعارة لدى بسوا يعني أنه لا يجب أن يختلط الأمر على أي منها، فلكل منها شخصية منفصلة ومستقلة وغير متصلة مع الشخصية المنتحلة الأخرى. أي أنها الآخر المختلف عنه هو نفسه كفرناندو بسوا. وعلى هذا الأساس تم خلق شخوصÁlvaro de Campos, Alberto Caeiro, Ricardo Reis, Bernardo Soares…

أما سامي صالح فقد كان يعرف ويكشف باستمرار هوياته وشخصياته أمام نفسه عن طريق المراسلات مع فريدة. لذلك فإن لقاء شخوص “حارس التبغ” مع الهترونيمو البساوي هو لقاء ظاهري لا مفهوماتي.

في ختام هذه المباعدة المتشظية يشار إلى أن فن البوب آرت هو فن الجماهير الشعبية في المجتمعات الرأسمالية، وبأنه ولج المشهد الفني كردة فعلٍ مضادة لتيار التعبيرية التجريدية الذي اعتبر خاوياً ونخبوياً وبعيداً عن الواقع الاجتماعي، فمع البوب آرت الحياة هي مصنع عظيم يضخ السوق بالسلع التجارية وأعمال الفن، ويجعلها معروفة وفي متناول الجميع لتستهلك بأقصى سرعة، فعجلة الإنتاج تدور، لا تتوقف ولا تنتظر. ومصادر البوب آرت تنهل من لحظات آنية وعابرة في الواقع اليومي، ومن ثقافة الجماهير العريضة في عالم “الرفاه اللبيرالي” والمجتمع الصناعي المتفوق، والاستهلاك المنتصر بلا جدال، والتقنية في خدمة الجميع، والوجبات السريعة، والدعاية والإعلان، ووسائل الإعلام والاتصالات، وتصميم الملصقات، والصحافة القصصية المسلسلة والمصورة.

في الرواية احتفاء مضمر بفن البوب آرت المعبر عن الجماهير الغربية الرأسمالية (رغم أنه اتخذ موضوعاً، وزبوناً مستهلكاً له الأرستقراطية الإيرانية)، وهذا الاحتفاء المبطن يقابله ازدراء لجماهيرية “الدهماء العربية” الهائمة على وجهها اللاعقلاني في مسارب التاريخ العربي. بكلمة أخرى تبدو الرواية وكأنها تقيم تمييزاً فوقياً ضمنياً لعوام السوق الرأسمالية على عوام “بازار” التاريخ العربي.

من كل ما سبق، لا بد من القول أن هذه المباعدة التفكيكية لبعض مفاصل معادلة “حارس التبغ” تتفق مع تعبير السارد في الرواية نفسها بأن: “كل جماعة وهي تفقد جذورها في الزمان فإنها تعمد إلى استعادة أفقها المفقود، ولا يمكن لها استعادته إلا من خلال السرد والخيال”، كما أنها في ذات الآن تتفق مع الاحتمال القائل بأن: كل جماعة وهي تفقد جذورها في الزمان فإنها تعمد إلى اختلاق أفقها المفقود، ولا يمكنها اختلاقه إلا من خلال السرد والخيال.

{{الهوامش:}}

(1) للاطلاع على برنامج الملتقى وملخصات المحاضرات يمكن مراجعة Seminario La ecuación iraquí (I)

في: http://ayp.unia.es

ولمعلومات تفصيلية عن الفيلم راجع: http://www.forgetbaghdad.com

(2) تختلف إحصائيات ضحايا الفرهود من مرجع لآخر، الإحصاء الرسمي 110 قتلى من اليهود والمسلمين وبينهم امرأة واحدة و جريح، بينما يشير إحصاء رابين الكنيس إلى 130 قتيل جميعهم من يهود بغداد و 450 جريح.

(3) شوحاط، ايله: ذكريات ممنوعة، تر: دبج، اسماعيل، دار كنعان، 2004.

(4) تناول دافيد هيرتس في مقالته “الصهيونية ويهود العراق” دراسات وشهادات مباشرة لتفجيرات عام 1951 في بغداد. لمزيد من المعلومات راجع:

http://www.animalweb.cl/n_o_imperial/zionismo/zionistas_y_judios_en_irak.htm

(5) ربما خالف هذا الرأي وجهة نظر الكاتب والسياسي كاظم حبيب في كتابه: اليهود والمواطنة العراقية أو (محنة يهود العراق بين الأسر الجائر والتهجير القسري الغادر)، السليمانية، مؤسسة حمدي للطباعة والنشر، 2006.

(6) مراجع أخرى تلقي مسؤولية الفرهود على حكومة نوري السعيد، ذلك لأن العنف المتفجر تزامن مع رحيل الكيلاني عن العراق بعد خسارته الحرب أمام بريطانيا، ومراجع أخرى تتهم أمين الحسيني بأنه كان وراء الأحداث العنف المذكورة.

(7) اتهم “السائح العراقي” من قبل بعض الجهات بالعمالة لصالح وكالة المخابرات البريطانية والتي تجسس لأجلها على ألمانيا النازية. راجع داغر، يوسف أسعد: مصادر الدراسة الأدبية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، الطبعة الألفية،2000.

(8) في مقالته المعنونة “الأخطاء الشائعة لدى شعب إسرائيل” يفكك عازف الساكسفون جلعاد أتزمون Gilad Atzmon الخطاب الرسمي، ويذكّر بأسبقية الصهيونية على النازية وتأثير عنصرية هذه الأخيرة فيها، كما يفضح ويكشف التعامل البرغماتي بين الحركة الصهيونية والحكومة النازية لإطلاق سراح بعض السجناء الصهاينة من معتقلات المحرقة وتجاهل اليهود من خارج الحركة. راجع مجموعة مقالاته في:

http://www.gilad.co.uk/in-your-face/category/zionism

(9) نشير هنا إلى أن إجراءات استقبال الوافدين إلى إسرائيل كانت شائعة في مناطق مختلفة في العالم، خاصة تلك التي يتجمع بها عدد كبير من الناس كموسم الحج مثلاً. من النافل القول بما لذلك من علاقة مهينة للجسد، من خلال محو فرديته في كتلة الجسد الجمعي، رغم حجج السلطات وتبريراتها الصحية بتجنب تهديدات الأوبئة والآفات المعدية.

(10) كمقاربة تناصيّة طريفة بين شخصية كمال مدحت الروائية وسيرة عازف الكمان السوري نجمي السكري، راجع ما كتبه أخ هذا الأخير عنه على:

http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=66553

(11) راجع حارس التبغ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2008، ص 16، وص 129 وما بعدها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق