متن السجال العنيف بين النساء والرجال: لغة النساء في سومر القديمة

رسخت سلطة اللغة الذكورية الانقسامات بين جنسي النوع البشري وأوجدت مصادر للصراعات الثقافية، وهي الصراعات الأساسية التي تقوم بين الجماعات البشرية منذ بدء الحضارات إلى لحظة ظهور النظام العالمي الجديد الذي تتجاوز فيه الصراعات منطقة الاقتصاد والأيديولوجيا لتوظف الثقافي من جهاته المتضادة في ساحة الصراع البشري الأخير..

 كان السجال العنيف بين الخطاب الذكوري والخرس الأنثوي يدار دوما في أروقة المكيدة وحجرات المؤامرات السياسية، وهو صراع ثقافي وصراع على المنزلة : من يحتل سدة الحكم ومن يكون التابع.في مطلع القرن الحادي والعشرين تنامت حركة قمع المرْأة في كثير من المجتمعات التي تنامت فيها الأصولية والتعصب، وكممت أفواه النساء بالنقاب، وهو كناية عن لجام وقناع، يحول   بين المرأة وبين حرية إظهار أدوات النطق، فإذا تكلمت أتى صوتها   خلوا من التعبير الذي تضفيه حركة الشفتين وغابت عنه مساندة الحواس الأخرى، ليتجرد من خصوصيته وتأثيره ويتبدد في الإنكار التام لقائلته المنفية عن الحضور المرئي..              

نعلم أن اللغات، شأنها شأن الحضارات التي أنتجتها تتعرض للإضمحلال والإنقراض أمام

اكتساح ثقافة مهيمنة، تملك إلى جانب تمثلاتها السياسية والفكرية أدواتها الثقافية الخطيرة

التي تكون اللغة أبرز تمظهراتها..

كانت الحضارة السومرية التي تقدمت المشهد الحضاري في مابين النهرين من الحضارات المؤسسة للثقافات الأولى في أفق الذاكرة الإنسانية، وتميزت بإنتاج ثقافي قل نظيره في الحضارات المتزامنة معها، وما اختراع الكتابة المسمارية أو الإسفينية في تلك الحقب قبل أكثر من خمسة آلاف عام إلا الدليل على أهمية فكرة التدوين لدى السومريين، وقد وجدت أولا لتوثيق العقود وتدوين المعاملات التجارية وعمليات البيع والرهن والتبني والزواج ثم استخدمت لتدوين الأعمال الأدبية والتراتيل والنصوص الدينية ومديح الآلهة..

وبناء على النصوص الأسطورية الأساسية في الأدب الرافديني نجد أن فكرة الخلق لم تستند إلى تمييز جنسي بين الذكور والإناث في الفكر الرافديني، فقد خلق البشر إناثا وذكورا-في قصيدة الخليقة – في لحظة واحدة من جبلة تراب ودم إله خاطئ، مما رسخ إلى حد كبير فكرة التساوي بين الجنسين لدى سكان الوادي القدماء، التساوي في الحقوق و الأحكام والعقاب..

    لغة خاصة للنساء

 كانت اللغة السومرية مهيأة لتصبح لغة حية تضم لغات عدة داخلها حيث اتسعت للتنوع وتقبلت التطور في مراحل تشكل ثقافاتها وإبداع ملاحمها وأساطيرها الأولى. وتميزت اللغة السومرية بظاهرة غريبة هي تعدد اللغات لفئات المجتمع المختلفة، فقد كانت هناك لغة خاصة للنساء تسمى ( eme sal ) ويعني شرحها في قاموس اللغة الأكدية والسومرية (Lisani    siliti ) بمعنى اللغة السليطة أو لغة الشجار أو لغة العراك حسب اللغة الأكدية السامية التي تعد من جذور اللغة العربية الحديثة وهو توصيف فيه بعض من الهجاء الذكوري للغة النساء، يبدو أن هيمنة ثقافة الأكديين الساميين -الذين سيطروا على ممالك المدن السومرية إثر هجرتهم من الجزيرة العربية- قضت آخر الأمر على ما تبقى من ملامح لغة النساء في بلاد سومر…

كما ضمت اللغة السومرية لغات فرعية أخرى، ذكرها الباحث المتخصص في اللغة السومرية د. فوزي رشيد في كتابه (قواعد اللغة السومرية) مثل اللغة الكبيرة واللغة العالية واللغة المنتخبة واللغة الشاذة ولغة رعاة الغنم ولغة الكهنة ولغة الملاحين ولغة النساء «إيمي سال “..

يشير (فردينان دو سوسير ) في كتابه (علم اللغة العام ) إلى أن “المراحل المتقدمة في الحضارة، تحبذ قيام عدد من اللغات الخاصة والأساليب العلمية وتستخدم الكتابة للتعبير عن اللغة وتمثيلها”. فهل كانت الحضارة السومرية حضارة متقدمة إلى الحد الذي أنتجت فيه ثقافتها وحاجاتها كل تلك اللغات المتخصصة؟ وهل هبط السومريون حقا من فضاءات الكون القصية  وأسسوا حضارتهم المتفوقة مستفيدين من معطيات حضارة  كوكبية سبّاقة لها أنساقها الثقافية المختلفة ..؟

لا أدلة قاطعة على الفرضيات المتعلقة بالأصل الكوني للسومريين رغم غرابة كشوفاتهم وتفردها. والباحثون في الِشأن السومري لم يتوصلوا إلى السبب الذي أدى إلى ظهور لغة خاصة بالنساء في تلك الحقب القديمة من الحضارة الرافدينية، ويعتقد الباحث د. فوزي رشيد أنها مرحلة أحدث من مراحل اللغة الاعتيادية نتجت عن تطور اللغة السومرية ذاتها.

يذكر د. فوزي رشيد في كتابه قواعد اللغة السومرية- ما أسماه لغة النساء – باعتبارها أسلوبا لغويا مميزا من الأساليب التي اكتسبت مكانة خاصة ضمن الأساليب الأدبية السومرية،

وباستنطاق الشرح الأكدي لهذه اللغة ومراجعة المقاطع التي قيلت على لسان النساء في النصوص الأدبية ندرك أهمية تلك اللغة وخصوصيتها في التواصل والاتصال الإنساني. وكانت

   ترنيمات الكاهنات في طقوس الزواج المقدس وحواريات الإلهة “إنانا”   ومدائحها… تكتب بلغة النساء ضمن النص المكتوب باللغة السومرية العامة، بينما كانت أحاديث الرجال والكهنة والملوك تدون باللغة الاعتيادية،أما النصوص الدينية فقد دونت أحاديث النساء باللغة العامة إستثناءً ..وبمرور الوقت أصبحت هي اللغة الأدبية المفضلة وأزاحت اللغة العامة عن مكانتها لتتراجـع وتحل لغة النساء محلها في التدوين الأدبي..

وبذا فقدت نساء سومر امتياز امتلاك لغة خاصة بهن بعد أن جري تذويب لغتهن في الأعمال الأدبية ضمن نسيج اللغة العامة المتداولة..

  ولعل ذلك يعود إلى دقة هذه اللغة وسلاستها وتوفرها على مفردات جريئة وساخنة تسمي الأشياء بأسمائها، وتفصح دون مواربة عن الفكرة والمعنى وتختزل العبارة دونما إسهاب في التوصيف بل في تحديد دقيق للفكرة والصورة الشعرية، مما حدا بالأدباء إلى تفضيلها

في نصوصهم لأنها كانت لغة بوح وكشف تعزز النص بصدقها ومباشرتها بدليل توصيفها الأكدي (Lsani  siliti) مما جعلها تتسع للتعبير الأدبي بجميع أشكاله وتحل محل اللغة العامة في مجمل النصوص الأدبية فيما بعد.

 هل كانت تلك اللغة تمثل خطابا نسويا سباقا منذ تلك العصور الموغلة في القدم ؟؟

أم إن موضوعة لغة خاصة للنساء لا يمكن إدراجها ضمن التوصيف المعاصر للخطاب؟

خاصة إذا عرفنا أن المصطلح مازال يعاني من تشوش يحيط بطروحات النقدية النسوية

التي تتعامل مع النصوص باعتبارها مجرد تمظهر لغوي أو نشاط حيوي عشوائي مرتبطين بالكبت والرغبة، وهو كما تصفه بعض الناقدات النسويات “.. تمظهر أعمى يقوده اللاوعي ويتدفق وفق إيقاعات الجسد في مجال اللاشعور الأخرس ” الذي يفترق تماما عن الخبرات العقلية بل إنه يهدد بتعطيل العقل..

 لغة خاصة للنساء ؟؟ لن يتقبل المتشددون الفكرة كما لن يتقبلها المؤدلجون الذين يدعون للمساواة اللامشروطة في طروحاتهم ويحجبونها في الأداء الحياتي اليومي.

 

 كاتبة عراقيّة- باريس

 

 
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق