متوسط المشترك الثقافي أم “يوطوبيا” نقاء الهويات القاتل ؟

إلى سحر وجع “الفادو” في صوت “أماليا رودريغيز Amalia Rodriguez  ”

 

            تبدو الثقافة المتوسطية يافعة جميلة، فعمرها لم يجاوز بالكاد بعض آلاف السنين. غير أنّ الذهنية الأوروبية كثيرا ما تجد صعوبة جمّة في القبول بتمازجها الثقافي، والحال أن ذاك التمازج هو أصدق التعابير عمّا يشكّل هويتها الحقيقية. فمن “دانتي Dante” إلى “سان جون دي لا كروى Saint Jean de la Croix” يتعقّل الأوروبيون الطرافة الثقافية في توهّم نقائها المحض النافي لحضور مؤثرات خارجة عن مجال الثقافة الغربية.

       يتحوّل ذلك النفي إلى أزمة ضمير حقيقية كلما أثبت البحث بالدليل القاطع تهافت القائمين على تلك “اليوطوبيا”، مبرهنا عن حضور روافد عربية إسلامية لتك “الثقافة النقية”.

      لا يحتمل الغرب أن تكون سجايا الإبداع وتجلياته واحدة، فلا يرضى مثلا لبيت من شعر الغزل الصوفيّ مأثور عن “إبراهيم بن سهل”، شاعر أندلس الغرب الإسلاميّ المولّه الذي مات إبان سقوط قرطبة وبغداد في منتصف القرن الثالث عشر، أن تكون له قيمة أي قريض في غرضه مأثور عن شعراء الغرب المسيحيّ. مُتيَّما كان ابن سهل اليهوديّ الأصول بعشق أمردين، فقد أحبّ جمال موسى ثم أعرض عنه بعد أن ابتُلي بعشق جمال نبيّ الإسلام محمّد.

     
 لا يخفى ما لهذا الضرب من الصنعة الشعرية من رقش باللفظ لمعاني التصّوف الذوقيّ، فالحبّ الناجم عن جمال “الأماريد” هو كناية عن المحبّة الصوفية المنسلخة عن كينونتها المنصهرة في الجمال الخالص، حيث علّة الوجود وسبب كل موجود.
        

ما من شكّ في عودة هذه الكناية الشعرية في أصولها إلى الأفلاطونية الجديدة التي ورثتها الإسكندرية الهلينستية عن أثينا الهلينية وجدّد بريقها شيوخ التصوّف الشرقيّ المؤسّسون. في البدء تُطلّ شخصية “بوزانياس Pausanias ” في مؤلف “الوليمة Le Banquet” لأفلاطون وفي مطلق ظنها أن ما من عشق يرقى إلى مستوى المثْلِية، تلك التي تقتصر غايتها على ذاتها ولا تتنكب مراقي العشق لتختصر علة الوطء في الإنجاب.  يتنازل “ابن سهل” في القرن الثالث عشر عن عشق موسى، مركّزا خالص “المحبّة الصوفية” على نبيّ الإسلام محمّد، بينما يُسِرُّ “مرسيل فيسان Marsile Ficin” في حدود القرن الخامس عشر، في غواية دالة لصديقه”جيوفاني كافالكانتي Giovanni Cavalcanti ” أنّ “ما عَلِمه حول المحبة قد استقاه عن “أورفاي Orphée”، وأن ليس من مماحكة في فضل “أفلاطون” في الكشف عن كنه تلك المحبّة”. نفس هذا التعريف روّجته أشعار “جيوردانو برينو Giordano Bruno ” المقفلة المنشورة ببريطانيا الإيليزاباتية في أعقاب القرن السادس عشر ضمن مؤلف فارق ترجع أصوله إلى نظريات الأرتميتيقا الفيتاغورية حمل عنوان “الجنون البطولي  De gl’hroici furori”، تلك النظريات الواردة في كتاب “نيكوماك Nicomaque ” “تيولوجيا الأرتميتيقا Théologie arithmétique”، التي انقطع أثرها بالكامل ولم تتمّ استعادة جوانب منها إلا من خلال ما اطّلع عليه علماء بيزنطة من جواهر دفينة حواها بلاط السلاطين العباسيين ببغداد.

       يستحضر “نيكوماك” ضمن تصوراته الأرتميتيقية فكرة الجوهرة Monade محاولا المزج بين خصوصياتها الطبيعية المتمثلِة في فرادتها الأصيلة المشكِلة للكون، معتبرا أنها جوهر الذات والكائن غير الفارق جنسيا Hermaphrodite  وإله المادة. إنها الإناء الكونيّ الجامع الذي يحوي الانهيار والظلمة والهوة والبشاعة وشدّة الانعزال والنسيان، كما يتضمن الشمس والنار المقدسة وذلاقة لسان الآلهة من “زوس Zeus” إلى “أبولون Apollon “.

         ولأنه حاو لمختلف العناصر الأصلية، فإنه قد توفّر أيضا على رموز تجربة السلوك نحو المطلق، تلك التي تشكلت في غابر الأزمنة مُمثِلة رديفا لفكرة وحدة الوجود ذات الأصول الثقافية الهندو-أوروبية، وهي فكرة أعاد التصوّف الإسلاميّ المنسوب إلى ابن عربي تملّكها بعد اطلاعه على النظريات المشكلة لكُنْه الأفلاطونية الجديدة.

نهلت النصرانية من ذات النبع مسهبة الحديث عن محاذير تجربة السلوك والترقي تجسيما للوصل والتشابك روحا وجسدا مع المعشوق. ويبرز ذلك جلياّ في الموشّح الأندلسيّ كما في “الأهازيج البروفنسالية” وفي قصائد الحب المضمّخة بروائح الورد الفرنسية وفي مقطوعات “الموسيقى البتراركية” وفي “حلم بوليفيل” ومقاطع أشعار “رولان” المسجوعة الموشاة وحتى في “مواقف كيشوت الهزلية”.

         ينحصر غرض هذه الأجناس على تنوعها الظاهريّ في توصيف مشاقّ الوَلَهِ تحقيقا لعلّة الوجود. وحدها عبقرية الشعر وإلهام الشاعر بستطيعان أن يعرضا علينا مأساة فاجعة في كساء براق خاطف للّبّ مُفقد للصواب، ليس للمحبّ حظّ ضمنه في تجاوز محاذير السلوك إذا لم تسعفه “المحبّة الجنونية المقدّسة”، فالجنون مرقاة الشاعر والمتصوّف معا إلى  الإلهام و”المَـدَدِ” منذ “هوميروس”.

         التوحّد مع اللا محدّد عقلا لا يمكن أن يستجلبه غير جموح الرغبة وأزف الروح المهووس حتى الجنون في الحب الخالص للجمال. لا تحتاج تجربة العاشق، مثلما هو شأن أبطال “كوميديا دانتي”، إلى رؤية خالص الجمال تمتيعا للنظر، بل إنّ حاجة الروح المعذّبة المنفيّة إلى الانصهار في بؤرة الضوء وخالص النور، هي ما يُسعف جنون المجبّة في شد المهجة واسترقاق الوجدان.

        ذاك ما خلص إليه “ميكال أنجلو Michel-Ange” الذي اعتبر أنّ ما نُصيبه من متعة التشابك مع  الآخرين هو عين الحاجز الذي يحول بيننا وبين التوحّد الذي لا يرضى بغير العزلة الـمُفضية إلى السكينة ثمنا. وهو عين ما ابتغاه “الحلاج” لمّا أسلم الروح شهيدا متشوّفا إلى الفناء في مطلق الجمال الناجم عن حرارة الإيمان. وهو ما عناه “جيوردانو برينو” أيضا عندما تساءل في مؤلف “الجنون البطوليّ” عن السبب الكامن وراء “توجّه الفراشة نحو بؤرة الضّوء الساطع عير عابئة بمغبّة هلاكها بألسنة اللهب”.

       تتساءل “سيكادا Cicada ” بطلة مؤلف “جيوردانو برينو” عن الحاجة إلى مبادئ عقل أرسطو، فيجيبها “تانسيو Tansillo” بأنها مظنَّة لمن مُنع القدرة، على غرار “هوميروس” و”هزيود” و”أورفي”، في الانقلاب شاعرا دون الحاجة إلى عقل أرسطو، وهي تمحّك العقيم لـمّا تعوزه الحيلة في استجلاب آلهة الإلهام، فيكتفي بعشق مُلْهِمَة “هوميروس”.

عاقبت الكنيسة المسيحية الإيطاليّ “جيوردانو برينو” حرقا عن “جريرته” الإبداعية في موفّى القرن السادس عشر، غير أنها عجزت في بداية القرن العشرين في الحدّ من انتشار النتائج المربكة التي أفضت إليها أبحاث الإسبانيّ “أثين بالاثيوسAsin Palacios ” الفيلولوجية المنشورة سنة 1919 حول تأثير “الإسكاتولوجيا” الإسلامية في “كوميديا دانتي الإلهية” ووقفت مشدوهة سنة 1922 أمام حُجج “خوليان ريبيرا Julian Ribera” بخصوص تأثير مقامات الموسيقى الأندلسية في تشكيل أناشيد “الكنتيغاس Cantigas ” الدينية المنسوخة بعناية فائقة على رقّ أشهر مخطوطات كتب الإنشاد الدينيّ المسيحيّ المنسوب تأليفها إلى الملك “ألفونش العاشر Alphonse X ” أو “ألفونش الحكيم”، تلك الأناشيد التي عايش “دانتي أليغيري Dante Alighieri ” فترة اجتراحها.

       هكذا تبدّى لنا أفق الثقافة المتوسطية العابر لدعوى نقاء الهويات الضيقة القاتلة، أفقا مُتشابك المؤثرات، مُنغرسا في موروث “بحيرة” المشترك الثقافيّ منذ أن امتزجت مأساة آدم المكنّى لدى صوفية المغارب بـ”أب الذراري” بتلك التي عاشها “بروكليس Proclus ” وارث مدرسة “أفلاطون” و”بلوتارك” الأثينية عندما أقصيا كلاهما عن جنته ولم يطله العدم بعد. فحُكم على الأول بمنح بذرة الحياة وتجديدها متجشما في ذلك آلام الخلاص جامعا قوته بمنتهى الكدّ والمعاناة، في حين أجبَر تحوّل الأباطرة الرومان عن الديانة الوثنية وانتصارهم للمسيحية الثاني أن يتحسّس طريقه عبر دهاليز السرية المظلمة، حاملا معه أفكارَ ومعارفَ وأسرارَ حضارات سحيقة ضاربة في القدم.
 
الهوامش:

*  تشكّل الأفكار المعروضة ضمن هذا المقال صياغة حرة وترجمة تصرّف للفصل الأول من كتاب “رودريغو دي زياس Rodrigo de Zayas ”  “المورسكيين وعنصرية الدولة Les morisques et le racisme d’Etat ” وهو فصل تساءل ضمنه “زياس” عن مدى صحة القول بوجود ثقافة متوسطية ؟   
* Amalia Rodriguez هي “ديفا” غناء” الفادو Fado ” البرتغالي الجذور الأندلسي الامتداد، التي “استوعبت حنجرتها أعذب أصوات أسراب الطيور الحائرة وشجاها الحزين على امتداد المتوسط”. أما “الفادو” فإنه “اقتناع بأن ما من سبيل لمجابهة ما يشكّل ذواتنا، وتساؤل مُلحّ حول أسباب ما يتملّكنا من حيرة، مع اليقين بأن لاحظ لنا في التوصّل إلى تجاوز ذلك الشعور بالحصول على إجابة شافية.    

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق