متى يرث المستضعفون الأرض؟

في ظل تنامي حدة الصراعات المحلية والإقليمية والدولية يوما بعد يوم، وفي خضم لوحة الحياة الإنسانية التي باتت عابقة بدماء الضحايا وأشلاء الأبرياء في شتى بقاع المعمورة!! لم يعد بمقدور من لا حول لهم ولا قوة سوى أن يتساءلوا: متى يتحقق الوعد الصادق ويرث “الودعاء” بلغة العهد الجديد ،”المستضعفون” بلغة القرآن الكريم ملكوت الأرض؟! ومتى تصبح السلطة في يد قطب يحس في ذاته بما يزيد على المطالب الخسيسة للحكام، أولئك الذين لا يفقهون شيئا غير التلذذ بامتيازاتها؟!


فقد جاوز الظالمون المدى ووصل إلى هرم السلطة، على مستوى البسيطة، أسوأ عناصر البشرية وأشدهم جرما يدفعون بها نحو حرب ضروس لا تبقي ولا تذر. فما مرجعية هذا الأمل الممتد ما بين السماء والأرض وهل حقا سيرث المستضعفون الأرض؟!


يمكن القول إن الحلم والأمل عامة صنوان ومهما بدت الأحلام مفرطة في غلوائها إلا أنها لا تنطلق من فراغ وإنما تتأسس وفق معطيات دينية وجدانية أو استنادا لحسابات مادية. وضمن هذا السياق يأمل المستضعفون من كل دين في تجاوز الواقع الأليم الذي هضم حقوقهم وتاجر بتضحياتهم وزايد بطموحاتهم نحو عالم أكثر أمنا وأقل كلفة بشرية وأشد بعدا عن بوتقة الصدام والأزمات.


وواقع الأمر، أن هؤلاء المستضعفين الذين تم هدر كيانهم عبر العصور المتتالية جيلا بعد جيل يعلقون الأمل على وعد ورد في الإنجيل أو آي الذكر الحكيم موقنين أن وعد الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها. ففي الإصحاح الخامس من إنجيل متى يبشر يسوع تلاميذه قائلا: “طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون. طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض. طوبى للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات”.


وفي الإصحاح السادس من رسالة بولس الأولى يتهكم المسيح قائلا: أم لستم تعلمون أن الظالمين لا يرثون ملكوت الله؟ لا تضلوا: لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور، ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله”.


تعكس الشواهد السابقة وعدا لا يزال معلقا بعد!! فطوال تاريخ المسيحية سُلط على أتباعها ملوك جبابرة عتاة سكيرون ومعربدون ووقعت بحق الآلاف منهم مذابح ومحارق وإبادات جماعية. وفي كل أولئك كانت جموع المساكين من “الودعاء الحزانى المطرودين من أجل البر” بمثابة وقودها الذي لا ينتهي، فيما كان جشع ملوكهم بمثابة نار الهشيم التي لا تشبع ولا تنفك فاغرة فاها ومتسائلة كل وقت وحين: “هل من مزيد؟!”.


وعلى خلاف الوعد السابق، ورث الظالمون ملكوت الأرض وتحكموا في مصير البلاد والعباد حيث نقرأ في هذا التاريخ عن استشهاد استفانوس رميا بالحجارة سنة 34م، ونسمع أخبار الاضطهاد الذي وقع في أورشليم على يد الملك هيرودس أغريباس الأول سنة 44م، وفي عام 54م نشاهد الاضطهاد الروماني الأول للمسيحيين بقيادة الإمبراطور نيرون والذي تكرر للمرة الثانية على يد دومتيان سنة 81 م، ثم وللمرة الثالثة سنة 98م على يد الملك ترجان، أما الاضطهاد الإمبراطوري الروماني الرابع، والذي تم برعاية مرقس أورليوس، فقد وقع سنة 161م وهكذا وصولا إلى الاضطهاد العاشر الذي قام به دقلديانوس سنة 303 م وأعدم فيه ما لا يقل عن نصف مليون مسيحي خلال عشرة سنوات!


أما في الإسلام، فنطالع الوعد القرآني لجموع المستضعفين الذين خارت قواهم تحت سياط التعذيب المنهجي من قبل المشركين في مكة بلد الله الحرام! وفيما يستلقي بلال وعمار على بطنيهما والأحجار الغلاظ من فوقهما في حر الظهيرة تلفح جلديهما نار الحماقة ووهج العمى، ينزل القرآن الكريم مطمئنا حينا ومهدئا حينا آخر واهبا أولئك المستضعفين وعدا بعلو الشأن ووراثة الأرض: “وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”.(القصص: الآية 5)

ورغم  أن هذه الآية وردت في سياق قصة فرعون وبني إسرائيل، إلا أنه سرعان ما أتم إسقاطها على حالات أُخر ووجد فيها المستضعفون من كل مذهب ضربا من العزاء والسلوى يحدوهم أينما ولوا وجوههم وكلما أرهقهم جحيم الاضطهاد. ففي تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي (ت 548 هـ) نقرأ تعليق زين العابدين علي بن الحسين على الآية وفيه يقول: والذي بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً إن الأبرار منا أهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته وإن عدوَّنا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه. فلنبحث الآن في مثل هذه الإسقاطات ومحتواها.


في كتابه “في الأدب الجاهلي” أكد طه حسين أن الثورة التي جاء بها الإسلام، لم تكن ثورة دين ليس إلا، وإنما كانت ثورة دين وسياسة واقتصاد. وأن تمسك تجار قريش وأرستقراطيتها بالشرك وعبادة الأوثان، لم يكن إلا للدور الخطير الذي كانت تقوم به هذه العبادة في تنشيط تجارتهم وحفظ مكانتهم، ولطابع القداسة الذي مهد لهم بسط نفوذهم السياسي في الجزيرة العربية وما حولها وعزز من مكانتهم بين القبائل. ففي خضم هذه التحولات السريعة والعميقة، والتي حطمت البنى الاجتماعية القديمة، ودفعت إلى المقدمة بفئة من الأغنياء أصبحوا فيما بعد يشترون من البقية طاقة عملهم، أو يحولونهم إلى عبيد، أو يرتهنون تجارتهم الصغيرة، ظهر الإسلام كثورة طاحنة بين المستضعفين والفقراء.


وسرعان ما أدرك هؤلاء الخطر الذي يتهددهم ويعارض مصالحهم لو قُدر للدعوة الجديدة شيئا من النجاح وزاد انتشارها بين جموع المستضعفين. وبالفعل دخل عنصر الفقراء والمستعبدين من المهدورين المطحونين المعركة بكل ثقلهم وكان بديهيا أن يكون أكثر الذين وقفوا من الدعوة الإسلامية موقفا عدائيا إلى أقصى درجة من العداء، هم الأغنياء وقد ضمهم تحالف قوي أساسه المصلحة الاقتصادية وحدها ضد الدين الجديد.


وفي الواقع، لم يكن يخيف هؤلاء طابع الدعوة التوحيدي، ولا طقوسها الدينية، وإنما كان يخيفهم، وبالدرجة الأولى، “بعدها الاجتماعي” وآية ذلك جملة المساومات والعروض التي كانوا يدخلون فيها مع النبي (عليه الصلاة والسلام) حتى يدع لهم عبيدهم، إلا أن هذا المد الثوري، فيما يؤكد بعض الباحثين، لم يتواصل وللأسف الشديد، ويمكن القول بأن ما اعتبره المعدمون والمستضعفون ثورتهم، قد وقعت مصادرته من الداخل، وكان لدخول عدد كبير من التجار وذوي النفوذ إلى الإسلام، واحتلالهم مكانة هامة في مستوى أخذ القرار إلى جانب النبي، عليه الصلاة والسلام، دور فعال في ترجيح موازين القوى ضد طموحات هؤلاء المستضعفين.


وفي هذا السياق، تراجع إلى الخلف أكثر الذين قدموا تضحيات جمة في أول الدعوة وتقدم إلى الأمام علية الصحابة الموسرين. ونحن نعلم جيدا كيف عاتب القرآن رسولنا الكريم في أمر ابن أم مكتوم الذي جاءه طلبا للهداية فنزلت سورة كاملة في شأنه، إضافة إلى آيات أُخر تأمر النبي بعدم الإعراض عن الفقراء المستضعفين بغية انضمام ممثلي جماعات الضغط السياسي آنذاك في دين الإسلام. كقوله تعالى “وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا” (الكهف: 28).


وربما تفسر العوامل السابقة سر ارتباط نزعة الزهد والتصوف بجموع المستضعفين من الفقراء الذين ضاع حقهم في الاستخلاف ففي حديث للنبي (عليه الصلاة والسلام) يقول فيه: إياكم والفقراء فإن لهم دولة، قالوا: وما دولتهم يا رسول الله؟ قال: إذا كان يوم القيامة نودي كل فقير أن انظر من أطعمك لقمة أو سقاك شربة ماء فخذ بيديه وسر به إلى الجنة. لذا كان التصوف في غالب أمره لصيقا بأوساط البسطاء من الناس ممن يسميهم آسين بلاسيوس العظماء من رجال الله!


وفي كل الأحوال، وجد المستضعفون في الوعد القرآني بصيصا من الأمل، خاصة كلما يفرض التسلط والقهر والاستبداد مزيدا من التهميش والإقصاء مخلفا ورائه حالة مأزقية غير قابلة للاحتمال، مما يدفع إلى الاحتماء بالأمل والرجاء والذوبان في دنيا الحُلم هذا الذي يعكس تجمد الديمومة، واستفحال الشقاء والعذاب والألم، ويصّاعد تدريجيا وصولا إلى مرحلة الوجد وما تفجره من نشوة عظيمة، وحماس وحيوية، وبما يضمن الانتقال من العناء المقيم إلى الامتلاء العظيم.


إلى هذا الحد ربما لا يبدو مستغربا أن يشيع حلم المستضعفين في وراثة الأرض كلما استفحلت حالات القهر والهدر والغبن الوجودي وكلما اتسع نطاق فقدان القيمة الإنسانية والمكانة الاجتماعية هنالك حيث حسابات المنطق تحيل إلى خسارة وجودية فادحة غير قابلة للاحتمال.

ولا يزال المستضعفون في كل دين وفي كل مكان يدفعون ضريبةً باهظة التكاليف بسبب غباوات النخبة السياسية أو الدينية فيساقون إلى المذبح بلا خطيئة وإلى الحرب بلا غنيمة فيما يكتب المنتصر تاريخ انتصاره ضاربا عرض الحائط بأوجاع هؤلاء وآلامهم، إن لم يتصنع البكاء عليهم!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق