مجتمعات ما بعد التأخراكيات

أطلق المفكر الراحل ياسين الحافظ مصطلح “التأخراكيات”، على الاشتراكيات العربية المتأخرة التي أقامها التيار القومي/ الاشتراكي على أرضية مجتمعية ـ ثقافية تقليدية غير عصرية، أي أنها لم تأخذ بمبدأ التاريخانية الذي يربط ما بين الاشتراكية ومقدماتها الليبيرالية والديمقراطية والعلمانية، لكن القدر لم يمكّن ياسين الحافظ من أن يرى نتائج سياسات هذه التأخراكيات التي حكمت بلداننا ما يقرب نصف قرن من الزمن، وهذه الاشتراكيات السفاحة المتأخرة لم تحكم الماضي والحاضر فحسب بل حكمت إلى حد كبير على اتجاهات تطور مستقبلنا وذلك لأن المستقبل هو صيرورة الحاضر وتطور ممكناته القائمة.

إن سمات وملامح مجتمعات ما بعد التأخراكيات بدأت ترتسم لحظة انقلابها على قيم الحداثة والتنوير التي وفدت إلى مجتمعاتنا خلال صدمة الحداثة الكولونيالية في مرحلة أولى، وتعززت هذه السمات والملامح مع تفسخ وانحلال هذه الاشتراكيات المتأخرة (لصالح رأسماليات متأخرة < تأخراليات > جمعت العهر الاستهلاكي الباذخ إلى التسول الذليل على أبواب الخيام البترولية، انبثقت منبيروقراطية الدولة شريحة جديدة يمكن تسميتها بالبيروقراطية العليا أو <بورجوازية الدولة التأخرالية> تحالفت وتمفصلت ودعمت بورجوازية كومبرادورية سمسارية وضعت الدولة والشعب في آن في خدمتها فحولت الدولة إلى أداة نهب والشعب إلى موضوع نهب).

إن هذه التأخراكيات ساهمت إلى حد كبير في بعث تاريخنا الملوكي ـ العثماني ودمجت روح الاستبداد التاريخي العربي الإسلامي في بنيتها السياسية والأيديولوجية وفي منظومتها الأمنية، وخلال فترة حكمها دولا عربية محورية لم يضيّع العرب الذي أنجزوه في مرحلة التحرر الوطني فحسب، بل تركت سياساتها تغيرات جوهرية في بنية مجتمعاتنا لتصبح مجتمعات مابعد التأخراكيات تتسم بعدة ظاهرات أبرزها:

أولا”ـ إن المصالحة المدّلسة التي عقدها التيار القومي /الاشتراكي في القرن الماضي مع التقليد بهدف جمع المجد من إطرافه أي أن يجمع التراث مع الاشتراكية كان لها مكر التاريخ ومكر العقل بالمرصاد حيث انقلبت هذه المصالحة مع سقوط المضمون العلماني الديمقراطي للتيار القومي إلى عملية التحاق له بالتيار الإسلاموي خاصة في مناخ الهزيمة أمام الخارج وبعد فشل سياساته التنموية والوحدوية، فتوحد هذان التياران وحدة منهجية وأيديولوجية وسياسية لاسيما إن التيارات الجهادية تخوض المعركة ضد الخارج بنفس أدوات وشعارات اليسار في المرحلة السابقة، فكانت والحالة هذه، قيم الحداثة والديمقراطية والمواطنة والتعددية والعقلانية والعلمانية هي أول ضحايا هذه الوحدة التي تزيد غربتنا عن العصر وعن العالم.

كذلك يجري مرة أخرى إعادة الاعتبار للهويات التراثية وللخصوصيات الوثنية واللوذ بالذات الفارغة وذهنيتها المتأخرة في مواجهة الخارج الذي تضخم بعده الانتهاكي والإذلالي مع الاحتلال الأميركي للعراق وتتحول مرة أخرى المعركة ضد الخارج إلى معركة ضد الحداثة.

ثانيا ـ الانفجار الديموغرافي المرعب الذي تقبع جذوره في عدم معالجة هذه التأخراكيات التي تصالحت مع التأخر قوانين الأحوال الشخصية وقضية المرأة بوصفها إحدى قضايا المسألة الديمقراطية، كذلك قضية تحديد النسل التي هي مسألة سياسية بامتياز وكانت أهم بالنسبة لمجتمعاتنا من كل الشعارات الثورية، وذلك إن عدد سكان الوطن العربي سيقترب بعد ثلاثين عاما من المليار نسمة، فإذا أخذنا بعين الاعتبار إن عدد الأميين العرب حاليا هو بحدود 100 مليون شخص معظمهم من الفقراء إذ بلغ عدد السكان تحت خط الفقر ما يزيد عن 75 مليون شخص فمعنى ذلك إن عدد الأميين العرب بعد ثلاثين عاما سيتجاوز 300 مليون شخص إذا فرضنا إن نسبة تزايد الأميين هي نفسها نسبة تزايد غير الأميين، هذا النمو السكاني السرطاني ليس نموا في قوة المجتمع الإنتاجية بل هو نمو في العدمية والعطالة ونمو في القدرة التدميرية الذاتية له، ونمو في التوتاليتارية والفاشية والجهل وإنتاج الأصوليات، وكذلك هو نمو في الجريمة وتجارة المخدرات، وتقدم في ممكنات التوترات الاجتماعية والحروب الأهلية الكامنة هنا والمتفجرة هناك بغياب سياسات تنموية وتعليمية وتثقيفية وبرامج صحية، في غياب وعي لدى النخب الحاكمة وغير الحاكمة بأهمية الاندماج القومي والوطني وضرورة الخروج من حالة التكسير المجتمعي بالدمقرطة والعلمنة، إن خطورة الانفجار الديموغرافي هذا بتموضعه على حالة التشظي المجتمعية وعلى حدود التماسات الملتهبة مع الخارج تصبح أمكانية تحوله إلى قاعدة موضوعية للتطرف الديني وغير الديني أمكانية قائمة على الدوام.

ثالثا ـ عجز مجتمعات مابعد التأخراكيات عن إنتاج دولة في الحالات التي يتم فيها لأسباب ما سقوط الدول التسلطية فيها (الحالات الصومالية والعراقية والأفغانية) فالسلطات التي قامت في هذه الحالات الثلاث بعد سقوط التأخراكيات فيها هي سلطات ميلشيوية وسلطات حرب داخلية. فسلطة طالبان في أفغانستان هي سلطة حرب على المجتمع وسلطة المالكي في العراق هي سلطة حرب على المجتمع العراقي وذلك لأن الدول التسلطية التي أنتجتها الاشتراكيات المتأخرة أفقدت مجتمعاتها أي قدرة على التعاقد الاجتماعي وذلك بتحويلها البشر إلى سديم لا تقوم بينه أي روابط وصلات سوى الروابط التقليدية ماقبل الوطنية، وإن الاستبداد وحده هو الذي يشكل لحمة شظايا المجتمع وشقفه، لذا فإن انهيار الدولة التأخراكية يؤدي إلى توترات عميقة وعنفية في بنية المجتمع تجعل إمكانية إنتاجه لدولة تعاقدية إمكانية ضعيفة، لذا يمكننا القول إن مجتمعاتنا التي أنتجت (الدولة الليبيرالية) في أربعينات القرن الماضي والدولة التوتاليتارية في النصف الثاني منه هي عاجزة في بداية القرن الواحد والعشرين عن إنتاج دولة.

وذلك لأن هذه الدولة التسلطية التي حكمت بلداننا في النصف الثاني من القرن العشرين أنمت في الاجتماع والثقافة والاقتصاد والسياسة المخيال المليشيوي والقواعد الموضوعية للسلوك المليشيوي، بدلا من انفتاح عقل المجتمع وفكره على السياسة والعمل المدني. فإذا سلمنا بأن الدولة هي نتاج المجتمع المدني يغدو مفهوما لماذا لا تستطيع “المجتمعات” التي انفكت لحمة الاستبداد التي تجمع كسورها وطوائفها وإثنياتها ومذاهبها قسرا من إعادة إنجاز صيغة تعاقدية.

رابعا ـ في مجتمعات مابعد التأخراكيات ظهرت الاندفاعة الشعبوية الثانية، التي تعبر عنها كما يقول الدكتور عبد الرّزاق عيد “ثقافة الجامع وثقافة الكباريه”، بعدما أنجزت الاندفاعة الشعبوية الأولى في منتصف القرن الماضي بقيادة التيار القومي / الاشتراكي وبواسطة الفئات الوسطى الانقلاب على مسار النهضة ومسائلها. تأتي الأندفاعة الشعبوية الثانية بداية القرن الحالي بقيادة المجاميع القومية ـ الإسلامية على اختلاف عشائرها وبطونها وبواسطة الفئات والشرائح المفقرة والمهمشة والأمية هذه المرة لتكمل الإجهاز على ما تبقى من مظاهر الحداثة في مجتمعاتنا، وتعيد تأسيس وتجذير التأخر السياسي والثقافي مرة جديدة وتعلق مصير التنمية الاقتصادية إلى مستقبل مجهول. وتعزل مجتمعاتنا عن الروح الإنسانية بقطع تواصلها مع الكونية والمعاصرة.

خامسا ـ في زمن الاندفاعة الشعبوية الأولى وأثناء سيطرة ثنائية تيار قومي/فئات وسطى) لم تول إشكالية نقص الاندماج القومي والوطني أي أهمية فتحولت هذه الإشكالية في زمن الاندفاعة الشعبوية الثانية وفي ظل سيطرة ثنائية “تيار قومي / إسلامي، فئات مهمشة ومفقرة وأمية” إلى إشكالية تنوس ما بين وضعية التأزم الكامن (الأقباط في مصر) لتصل إلى وضعية الاحتراب والتفجر الحالات (العراقية، السودانية، الصومالية).

إن المجزرة التي ارتكبت بحق الطائفة الأزيدية في العراق وهي طائفة مسالمة ولا علاقة لها بمنطق الحرب، كذلك ظاهرة هجرة المسيحين في بلاد الشام الذين كان يبلغ عددهم ربع السكان في القرن التاسع عشر، كل ذلك يدل على أن المناخ الثقافي والاجتماعي أصبح مناخا ضد التعدد والاختلاف، مناخا مع الواحدية والكتلوية الذي هواأساس الاستبداد.

سادسا ـ انتقال رايات وشعارات “الصمود والتصدي” والمقاومة ومواجهة الخارج وملاحقها من مجال احتكار الدول لها إلى أيدي الميلشيات وفئات طائفية ومذهبية مدعومة من دول إقليمية، ولا ينعقد إجماع وطني حول برامجها وأهدافها ونزاعاتها السلاحوية. بعكس منطق مرحلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث كانت الناصرية المتجسدة في دولة مركزية كبرى هي ضابط الإيقاع في المنطقة للمواجهة مع إسرائيل ومع الغرب بشكل عام وتندرج هذه المواجهة أيضا في سياق عالمي (حركة عدم الانحياز، الكتلة الاشتراكية).

إن إمساك ـ فئات جزئية وحصرية لا تمثل عمومية المجتمع ولا ينعقد حولها إجماع وطني ـ بقرار مواجهة الخارج وما يتفرع عن ذلك من تكوين مؤسسات اقتصادية وعسكرية وأمنية وبنى تحتية لهذه الفئات يشكل في مجتمعاتنا أحد أهم مداخل الحرب الأهلية فيتحول والحالة هذه شعار إسقاط المشروع الأميركي إلى اسقاط للداخل في براثن الحروب الطائفية والمذهبية القذرة. بدلا من أن تكون المواجهة مع الخارج في حالة توافر روافع سياسية حديثة وعقلانية وموحّدة مدخلا لتحديث وعقلنة وتنمية بنى مجتمعاتنا.

علينا أن نتذكر إن معارك السويس وبور سعيد هي الجسر الذي عبرت عليه الوحدة السورية المصرية، بينما معارك حماس هي الجسر الذي عبرت عليه للانفصال بقطاع غزة، كما أن معارك جيش المهدي ضد الأميركيين هي الجسر الذي سيُعبر عليه للانفصال بجنوب العراق.

سابعا ـ إن مجتمعات مابعد التأخراكيات، متأخرة على صعيد المعرفة العلمية والتكنولوجية وفي مجال الاتصالات والمواصلات ومجال العمران والبيئة ليس قياسا بالعالم المتقدم بل قياسا بمدينة دبي أو أبو ظبي، فنرى الامتداد العشوائي للمدن بأحياء الأبنية المخالفة المكتظة التي تلتهم الفراغ بوصفه أحد تعبيرات الحرية، كذلك تلتهم الطبيعة والمساحات الخضراء وترفع منسوب ريفية المدينة العربية، فتغدو مدنا بدون روح ولا ذوق أو جمال، وتجمعات لكائنات توتاليتارية وخزانا لتوليد الاستبداد وحركات التطرف الديني والانحلال الأخلاقي.
من هذه السمات لمجتمعات مابعد التأخراكيات يتبدى لنا حجم العقبات والبلايا التي تواجه المشروع التحديثي الديمقراطي التقدمي في بلادنا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق