محاولة أخرى وأخيرة للعودة الى الطفولة / هوفيك حبشيان

احتلت أفلام ستيفن سبيلبرغ، المنشغل حالياً بنقل شخصية تانتان الى الشاشة، قائمة الأعمال التي حققت أكبر الايرادات في تاريخ السينما على مر كل الازمنة. وهو واحد من أثرى رجالات هوليوود. وكان واعداً منذ مطلع صباه. لكن خلف هذه الاسطورة هناك سينمائي يمنح الانسان المكانة الأبرز في عمله.

اين دور سبيلبرغ في الفوضى السينمائية المنظمة تنظيماً دقيقاً؟ هكذا سيتساءل البعض. لقد اسبغ النقد على سبيلبرغ مزايا خلاّقة من الطراز الأول. وعلى رغم ذلك، ليس في الوسع الا الاستنتاج أن فيلماً مثل “ذكاء صناعي” لا يمكنه ان يكون موجوداً الا بفضل مسار عمل مؤلفه ومخرجه الذي أحسن ادراك أهمية ما تمثله العودة الى الكتابة السينمائية، التي كان تخلى عنها منذ 1977 بعد “لقاء الجنس الثالث”. موهبته الفطرية هذه في امتلاك الأمور، ينجم عنها تغيير في اتجاه الفيلم، تبعاً لما يقتضيه الأمر ظاهرياً، لكنه يفعل ذلك لحسابه الخاص، ويطبعه بِسِمَة صناعته الخاصة.

عندما رحل المخرج الاميركي الكبير ستانلي كوبريك في آذار 1999، توارى معه كل أمل بأن نشاهد ذات يوم، على الشاشة الكبيرة، اقتباساً سينمائياً لأقصوصة للكاتب البريطاني براين ويلسون ألديس التي أثارت اهتمامه منذ صدورها عام 1969. لدى وفاة كوبريك، تأكد لنا ان المعلم لم يكتف بأن يترك خلفه اعمالاً خالدة لا توازيها الا عجائب الدنيا السبع، بل اورث ايضاً هذا المشروع، الذي كان راوده منذ 20 سنة، الى صديقه سبيلبرغ. ذلك ان رؤية “جوراسيك بارك” عام 1994، وخطوات التقدم التي اقتضاها في مجال التحريك بواسطة الكومبيوتر، بالإضافة الى التطور المذهل للمؤثرات الخاصة، كانت كافية كي يقتنع كوبريك بأن سبيلبرغ كان المخرج الوحيد الجدير بمواصلة المشروع وإنجازه.

“الذكاء الإصطناعي” هو البرهان الحي على أن سبيلبرغ، حتماً، هو من استطاع “انقاذ” العمل غير المنجز للمعلم الراحل. وحتى لو ساورتنا شكوك في انه كان شديد الخوف، فهذا الرأي يتلاشى، عندما نتذكر الى اي درجة كان كوبريك حريصاً على اتقانه عمله، وكم كان سعيه الحثيث لإنجاز عمل متقن، قادراً على تجاوز أصعب العقبات. لقد نجح أكثر المخرجين الأميركيين نفوذاً في أن يستعيد على الشاشة قصة لم يسبق لها مطلقا ان خطرت على بال احد، على رغم بساطتها، من دون ان يخون وجدانه الفني والمهني، وذوقه المرهف في الايحاء، ورؤيته الشاعرية للإنسان، وميوله البصرية المتسمة بالسوريالية.

لم يحدث، الا نادراً، ان ترك فيلم مرتكز على الخيال العلمي للمخيلة والإلهام، كل هذا الحيز من الحرية، ولم يتعمق البتة بهذا القدر في درس وضع الانسان، ولا عالج مواضيع مؤثرة، صادمة، مستفزة ومزعجة على هذا النحو. قبل ان يكون فيلماً يعالج علاقة الإنسان بالآلة، هو عملٌ حول رغبتنا في أن نحب، وان نكون محبوبين في المقابل، بحثاً عن مكان لنا في هذه الدنيا.

أدرك سبيلبرغ في وقت مبكر جداً ان حب كوبريك يعني الامتناع عن تقليده، وان توجيه التحية الى أحد كبار مبتكري الأشكال في القرن العشرين، لم يمنعه من التدخل في شؤونه الخاصة، ولا حتى التضحية بمقاربته للسينما المبنية على المشهد، ومفهومه للعمل السمعي – البصري.

نتج من ذلك، ان الفيلم، منذ عرض مقدمته حتى مشهد الغابة المؤثر، اتى ثمرة بحث متعمق في مخيلة كوبريك: فالجمالية الباردة للإخراج، مع ما تتضمنه من حركات ضخمة للكاميرا، في المَشاهد الحميمة، تذكّرنا بـ”مشاهد الشقة” في “أيز وايد شات”، أما الإنارة الطاغية، الشديدة، والنور المبهر للنظر، فيجدان مصدر إلهامهما في “باري ليندون”، وهو مرجع ظاهر للعيان. لم يتردد سبيلبرغ في اللجوء الى تحريك الكاميرات تكراراً (عبر سكة الترافلينغ)، حين يصور على سبيل المثال المركب الذي تدفع به مونيكا وديفيد بالمجذاف في البحيرة. كذلك وزّع سبيلبرغ في فيلمه لقطات، حيث الموسيقى (من تأليف جون ويليامز) والضجيج المصطنع، وأصوات الممثلين، والتجهيز الفضائي، وقتامة الموضوع المعالج، كلها عوامل لا نظير لها الا في عمل المعلم. إذ انه، بفعل شعور العرفان بالجميل، يتماهى المُشاهد مع الشخصيات ويرافق اوضاعاً من صنع المخرج: رهبة الانغلاق في شقة عائلة سوينتون… مسرح لهستيريا، وعنف يستفيد من اقل فرصة للبروز، وهذا المسرح تطغى عليه الاجواء الكلوستروفوبية التي تبدّت في “شاينينغ”. اما الجنون المدمر للزمرة المتطرفة التي تحمل شعار “المعاداة للإنسان الآلي”، فيدعو الى تذكر أليكس ورفاقه في “البرتقالة الالية”.

ان اعادة بناء مدينة مانهاتن بناطحات سحبها، الغائصة في أعماق البحر، المشبعة بنظرة مستقبلية، قابلة لانتسابها الى عائلة “2001: اوديسيا الفضاء”. السينمائيون الذين يبيحون لأنفسهم قطيعة مماثلة مع المنطق، وعودة شجاعة الى الطفولة، ليسوا كثراً. وكذلك الجهود المبذولة من اجل تحويل عمل جماعي (جنّد كوبريك لانجازه 4 كتّاب على الأقل، ارثور س. كلارك، بوب شو، ساره مايتلاند وايان واتسون المسجل في الجينيريك)، الى فيلم علمي ـــ خيالي يعالج موضوع انتقال الذاكرة، والإرث الثقافي والسينمائي، على الصعيد الشخصي والجماعي في الحين نفسه.

على الصعيد الجماعي، يسجل “ذكاء اصطناعي” عودة سبيلبرغ الى اصوله اليهودية. لقد عرفنا كوبريك فيلسوفاً، متقدماً 10 أو 20 سنة على معاصريه. فإذا ما اتجه سبيلبرغ الى الوضع ذاته، وإذا ما تحققت نبوءته، فذلك سيعني انه، خلال الفي سنة، لن يعود هناك احد كي يصفق له، لأنه صنع سينما اليوم والغد، في الأمس.

في سنواته الأخيرة، لم يخطئ سبيلبرغ البتة في عملية اختياره مشاريع سينمائية قد تبدو متواضعة للوهلة الأولى. ولم تحسب نقطة سوداء في سجله، لرغبته في الخروج من خفايا بحثه الميتافيزيقي المستمر، في مجال الخيال ـــ العلمي. خطوته في الانتقال الى نوعية سينمائية، تعتبر اولى تجاربه في هذا المضمار (“امسكني اذا تمكنت” و”ترمينال”)، نالت حصتها من التقدير في فيلموغرافيا تميزت بأعمال طغى عليها طابع الجدية حيناً، والوهم حيناً آخر: ان مخرج “اميستاد” لم يقدم التنازلات في مشاريع تمت كتابتها، وتصويرها، ومنتجتها بالسرعة الممكنة، وبرز بين اعمال سينمائية، بمعطيات اكثر ضخامة. بل على العكس، فإن السرعة التي ولد فيها العمل لربما كانت ضرورية، لتمنح الشريط ديناميكية شكلية تجاري حيوية المضمون.

في محاولة الاقتباس الطليق التي قام بها سبيلبرغ، في “امسكني اذا تمكنت” مثلاً، عن سيرة شخصية غير مألوفة، لم يسقط في شباك الاكاديمية والوعظية، انما وقّع واحداً من اجمل أفلامه. الفكرة نشأت، عندما انبهر المخرج بسحر فرانك ابغنايل، أحد عباقرة فن انتحال الشخصيات، وصاحب تجربة غريبة: في مدة لم تتجاوز السنة ونصف السنة، استطاع ان ينتحل مجموعة صفات: قبطان طائرة، طبيب، محام…

سبيلبرغ الذي لم يكن يوماً يسعى لاستلهام شخصياته من الواقع، نقل تجارب اناس حقيقيين في فيلميه “امسكني اذا تمكنت” و”ترمينال”. في شخصية فرانك النرجسية، وجد سبيلبرغ المناسبة لإشباع رغباته السينمائية، فوقّع شريطاً خفيف الظلّ، صحياً، لا مكان فيه للخطب الفظة والمباشرة، حيث النيات السياسية والمضمرة وضعت في قوالب سلسة، تدعو الى الاسترخاء والتأمل، امام مشاهد سينمائية طريفة تقتفي خطى سكورسيزي، ولا سيما في مجال الانتقال من الخاص الى العام، بسرعة فائقة. في الواقع، يُعتبر الفيلمان المذكوران استراحة، يستفيد منها سبيلبرغ، ليصور تجربة انسانية عميقة، وليلقي خطبة اجتماعية، وليسترجع زمناً بقوانينه ومفاهيمه وقيمه.

انها شخصيات فريدة يتفحص سبيبلرغ معالمها. كاراكتير نرافقه عن كثب، لمراهق ينقصه الدفء المنزلي، وحنان الأم، ويتعرض لصدمة نفسية اثر الطلاق الذي أتى ليمزق الوحدة العائلية. على الصعيد الشخصي، يحقق الانتصارات المادية والاجتماعية، فالكل يستقبله بحفاوة. ترى، ما الذي وراء هذا الصعود الاجتماعي المفاجئ لشاب لم يبلغ بعد ربيعه الـ 21؟ موهبة في اقناع الآخرين؟ ثقة متزايدة في النفس؟ رزمة من الشيكات المزورة نجحت في توفير السعادة لهذا الشاب الذي سرعان ما تحول ضحية لمحيطه الفاسد، بلا ادنى رحمة. في رحلته هذه، والتي شارفت نهايتها في “ابواب الجنة”، لن يكون وحيداً، فالسلطة والقانون المتمثلان في شخص المفتش كارل هانرتي (توم هانكس)، سيتعقبانه خطوة خطوة، في مطاردة هي اشبه ما تكون بمطاردة القط للفأر.

يطرح سبيلبرغ معادلة تعود الى زمن كان يطرح فيه الفيلسوف والكاتب جان جاك روسو نظريات لا تزال من ضمن هواجس بعض السينمائيين الأميركيين: مَن مِن المجتمع أو البشر، مسؤول عن الفساد؟ فرانك ابغنايل، الغشاش والمحتال، هو بدعة مجتمع يؤمن بالمثاليات، وهو وضع المظاهر الخادعة، الكاذبة، في خدمة مثالياته. أما النقطة الثانية التي ارتكز عليها “امسكني اذا تمكنت”، فهي العلاقة الموجودة بين الواقع والخيال، ولهذه النقطة خصوصيتها لدى سبيلبرغ، لأنها تستلهم فرانك ابغنايل، وتدعمه، وتجعل منه ما لا يمكن ان يكونه في الحياة الحقيقية، ومن ثم، تأتي تصرفاته تعويضاً من الكبت الذي تعرض له، في طفولته، وفي مراهقته التي عاشها من دون أي تجربة جنسية.

أن مسألة “الأكذوبة” تليق بشكل الفيلم وماهيته. دي كابريو (الأرجح أن سبيلبرغ اختاره لما يمثله من نجومية مفاجئة)، ينزلق الى روح الشخصية التي يتقمصها بسهولة، كما الحرباء، وهو لا يفعل الا ان يوجه تحية الى مهنة الممثل التي من دونها لا وجود لفيلم أو لسينما. أما الاستنادات السينمائية، والمراجع التي اعتمد عليها العمل، فيجدر النظر في معالم افلام المغامرة التي انتشرت في الستينات من القرن الماضي، وتحديداً في عملين للثنائي روبرت ريدفورد وبول نيومان حول اشخاص خرجوا على النظام والقانون. ألهم هذان العملان سبيلبرغ، وسمحا له بتطوير عادة في اتجاه يتحمل العديد من الأفكار التجددية والابتكارات الجمالية. يعبّر سبيلبرغ عن اعجابه بالشخصيات المهمشة، بالقول: “كانوا يتجاوزون القوانين، لكنهم يجبرونك على محبتهم”.

هذا التصريح من سينمائي يلجأ دوماً الى المواقف السياسية الملتبسة، يليق بروح العمل الذي تابعناه، (نستطيع قول ذلك على سبيل المزاح) لأنه يدعو الى الغش. فهل يصبح المُشاهد ضحية “الصورة الخادعة”، التي يود أن ينقلها سبيلبرغ؟ على كل حال، ما توصل اليه سبيلبرغ في اعماله المتواضعة الاخيرة، هو وصف علاقة الفرد بالقانون، وسلطة تسمح للفرد بأن يخرج على النظام الذي يتقيد به، شرط ان يعود اليه (أليس هذا ما يعانيه اللاجئ الاوروبي في “ترمينال” الذي يلعب دوره طوم هانكس حين تطأ قدماه الارض الاميركية، بعدما قام ما في وسعه واكثر لدخولها؟).

سواء أثار “تقرير الاقلية” ردود فعل سلبية عند الجمهور، او بكل بساطة، اغواه، فليس هناك من فيلم أخرجه سبيلبرغ لم ترافق موعد صدوره الجدال والحماسة والآراء، ووجهات النظر المتضاربة. فالبعض يرى ان افلامه يغلب عليها الطابع الانتهازي، لعدم تفلتها من الحوافز التجارية البحتة، أما البعض الآخر فيشهد ان سبيلبرغ أوجد نقطة توازن بين السينما كمفهوم ايديولوجي ــ فكري من جهة، وكلغة مبسطة وسهلة لمخاطبة مختلف الطبقات الإنسانية، من جهة أخرى. قدرته على التواصل مع جمهور اعتاد نمطه، تجعل سبيلبرغ احد آخر ديناصورات الميثولوجيا الهوليوودية. جمهور يعتقد بأنه سيلامس شخصية سينمائية سبق ان تعرف اليها، فتأخذه اللعبة الى أبعد ما يمكن، من دون ان يشكك، ولو للحظة، في واقع ان سبيلبرغ يستغل نقطة ضعف الجمهور ليذهب به الى حيث تأمره همومه وأفكاره وهواجسه السينمائية. لعله، مع هيتشكوك، من السينمائيين القلة، الذين يعرفهم الجمهور العريض. فكم مرة سمعنا، ونحن امام شباك تذاكر، شخصاً يطلب “بطاقة لفيلم سبيلبرغ”، أو مشاهداً يدخل الصالة المظلمة، حتى من دون معرفة عنوان الفيلم الذي سيشاهده! فاسم سبيلبرغ، في أعلى الملصق الإعلاني، يؤكد للمشاهد الى حدّ ما ماهية ما سيراه.

عن جريدة النهار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق