محاولة في سوسيولوجيا الإعلام الإجرامي

{{التقديم}}

لم يعد الإعلام مجرّد أداة لنقل الأخبار، أو مجرّد وسيلة فعّالة للتواصل بين البشر، بل تحوّل إلى موضوع بحث ودراسة، تهتم به عديد العلوم الاجتماعيّة والإنسانية مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاتصال والتواصل، وعلم الإجرام… ومع تطوّر الدراسات والأبحاث المتعلّقة بوسائل الإعلام والمؤسسات الإعلاميّة تم تأسيس عديد التخصّصات العلميّة، فمن علم النفس تأسّس علم النفس الإعلامي، ومن علم الإجرام تأسّس علم الإعلام الإجرامي أو القضائي، ومن علم الاجتماع تأسّس علم الاجتماع الإعلامي… وفي هذا الإطار تندرج محاولتنا البحثيّة والمتعلّقة بسوسيولوجيا الإعلام الإجرامي، والتي نتناول فيها أوّلا؛ تأثيرات وسائل الإعلام الجمهور المتقبّل للرسائل الإعلاميّة. وثانيا؛ مختلف العلاقات التي تربط بينها (وسائل الإعلام) وبين الظواهر الإجراميّة، مستعينين في ذلك ببعض الدراسات العلميّة ونتائج البحوث الميدانيّة. كما سنحاول التركيز على ظاهرة “إجراميّة” حظيت باهتمام عديد وسائل الإعلام التونسيّة، وهي “حادثة سليمان” التي وقعت نهاية شهر ديسمبر 2006 وبداية جانفي 2007، حاولنا من خلالها إعادة إحياء بعض آليات بحث عالم الاجتماع الأمريكي هارولد لازويل Harold Lasswell.

فماذا نعني بمفهوم الإعلام بصفة عامّة، والإعلام القضائي أو الإجرامي بصفة خاصّة؟ وهل يساهم الإعلام القضائي في الحدّ من نسب انتشار الجريمة أم العكس؟ وكيف تفاعلت الصحف التونسيّة مع حادثة سليمان؟

{{-I- المحور الأول، إشكالية الإعلام وعلاقته بالظواهر الإجراميّة:}}

{{- مفهوم الإعلام:}}

مرّ مفهوم الإعلام بعديد التطوّرات، إذ لم نكن نجد في البداية أيّ تمييز بين الإعلام والصحافة، كما أنّ المفهوم القديم ربطهما بمفهوم الاتصال المباشر، حيث عرّف الباحث الفرنسي “بيار ألبير” الإعلام أو الصحافة بكونه: “ما اتّفق عليه المختصّون من أنّه التواصل أو الاتصال بين الأفراد والجماعات منذ القدم وذلك عبر طرق عفويّة وبدائيّة تعتمد الاتصال الشخصي والمباشر”2 مثل الروايات والقصص… وكان الفضاء الإعلامي عبارة عن أماكن التجمعات البشريّة كالسوق والجامع والدكانين وغيرها.

أمّا الصحافة المكتوبة في مفهومها المعاصر، فقد أخذت بعدا مغايرا للمفهوم القديم وأصبحت الصحافة فرعا من فروع الإعلام لا يقتصر على الاتّصال المباشر، بل اعتبره المختصون فنّا يتميّز بالحركيّة والنموّ، وبالتالي يصعب تحديد مفهوم الصحافة المكتوبة، فهي: “تبقى حيويّة ونامية ومتطوّرة” أو هي “فنّ رواية الأخبار ونشرها على الناس” على حدّ تعبير محمد عبد المولى3 .

ولعلّ أهم تعريف يمكن الاستعانة به في هذا البحث، هو ما قدّمه لنا “أديب مرّة”، وخاصة في كتابه “الصحافة العربيّة نشأتها وتطوّها”، حيث اعتبر الصحافة ” فنّ تأريخ وقائع الحياة اليوميّة وعرضها كما هي والتعليق على الأحداث بروح علميّة واقعيّة بحتة”4، ومع التطوّرات التي عرفها قطاع الصحافة في السنوات الأخيرة وانتشارها بين مختلف الشرائح الاجتماعيّة، وهيمنة الإشهار والتسويق، وارتباطها بعديد المؤسسات الاقتصاديّة كالطباعة والإعلاميّة وشركات الخدمات و… أصبح عدّة مهتمين بهذا القطاع يرون أنّ مؤسسة الصحافة تحوّلت هي الأخرى إلى صناعة على شاكلة المؤسسات الصناعيّة والاقتصاديّة، بل أصبح الكسب المادّي والبعد الربحيّ من أهمّ ما يميّز الصحافة.. ففي محاضرة ألقاها الدكتور رياض طه (بتاريخ 22 جانفي 1984) أشار إلى ذلك بقوله “الصحافة ليست رسالة أو أداة خدمة عامة فحسب، وإنّما هي كذلك صناعة وتجارة، إنّها مؤسسات ترتبط بمصيرها ألوف الأسر وتشكّل فعاليّة اقتصاديّة وإنتاجا وطنيّا”. كما ذهبت السيدة صباح توجاني في رسالة ختم الدروس الجامعيّة بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار في نفس السياق حين قالت: “إذن تحوّلت الصحافة الحديثة تدريجيّا إلى صناعة متكاملة الحلقات فيها خسارة وفيها الربح، وفيها علاقات تجاريّة وماليّة متشابكة مع البنك ومصنع الورق ومصنع الحبر وشركة النقل وشركة التوزيع. ويتّفق أصحاب المؤسسات الصحفيّة على وجوب الموازنة بين الإيرادات والمصروفات وعلى ضرورة المنافسة في الخدمة الإعلاميّة وسعة التوزيع والانتشار.”

أمّا المقاربة السوسيولوجيّة لوسائل الإعلام فإنّها تعتبرها “ظاهرة اجتماعيّة يمكنها أن تؤثّر في الظواهر الأخرى، كما يمكنها أن تتأثر بهذه الظواهر.”5. كما ترى الباحثة أيضا أن علم الاجتماع الإعلامي هو: “العلم الذي يدرس وسائل الإعلام كظاهرة اجتماعيّة، دراسة وصفيّة، أي دراسة الواقع الفعلي لهذه الوسائل، أو بأسلوب آخر، دراسة ما هو كائن وليس ما ينبغي أن يكون.”6

{{-2- الإعلام القضائي:}}

أمّا الإعلام القضائي فهو الإعلام الذي يتّخذ من الجريمة مادة إخبارية له، فيحاول الصحفي من خلالها تعقّب الجرائم والإجراءات القضائيّة المتّصلة بها، أو كما يعرّفه الأستاذ إبراهيم إمام في كتابه “فنّ العلاقات العامة” بكونه: “محاولة من الأجهزة الإعلاميّة لتعقّب كوارث المجتمع ووصفها وصفا حقيقيّا للقارئ ملتزمة بآداب اللياقة واحترام شخصيّة المتّهم والضحيّة وهي مهمّة لن يؤدّيها غير الرجال المختصين في الإعلام والعلاقات العامة”7، ذلك أنّنا نجد أن أجهزة الإعلام “تتعقّب الجرائم والكوارث لتصفها وصفا مثيرا وتتحرّى الفضائح لتسرف في تصويرها بتفاصيلها مهما جانبت آداب اللياقة… أي تهتمّ بالجانب السلبي من الحياة. ولكن وظيفة الإعلام هي عرض الجوانب الإيجابيّة أيضا”8

{{-3- تأثير وسائل الإعلام على الجمهور:}}

مثّلت وسائل الإعلام أحد المواضيع الأساسيّة التي تناولها علماء الاجتماع، وخاصة في الأربعينات من القرن الماضي. ونقصد بذلك “سوسيولوجيا وسائل الاتصال الجماهيري”، كفرع من فروع علم الاجتماع قائم على نموذج وضعه عالم الاجتماع الأمريكي هارولد لازويل Harold Lasswell، وينبني هذا النموذج على قائمة من خمسة تساؤلات وهي:

من؟ Who

يقول ماذا؟ Says What

بأي وسيلة؟ In Wich channel

لمن؟ To Whom

وما هو التأثير With What effect

حيث نلاحظ من خلال هذه التساؤلات الخمسة أن “لازويل” حاول من خلالها الإحاطة بكل ما يمكن أن تتضمّنه الرسالة الإعلامية.

ثم في سنة 1976 حاول “روبرت اسكاربيت” إعادة صياغة نموذج “لازويل” من خلال اختزاله في أربعة أسئلة ركّز فيها بشكل أساسي على المتقبّل وهي:

من؟

يستقبل ماذا؟

في أي جماعة؟

بغية أي تأثير؟

وما تجدر ملاحظته في هذا السياق هو أن كل النماذج العلميّة والسوسيولوجيّة، سواء كان نموذج لازويل، أو نموذج اسكريبت، أو نموذج عالمة الاجتماع الفرنسيّة آن مارى لولان A.M. Laulan ركّزت على محتوى الرسالة الإعلاميّة أو التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لها على الجمهور المتقبّل للرسالة، سواء على مستوى الممارسات اليوميّة أو الرأي العامّ. ونظرا لخطورة تأثيرات وسائل الإعلام على الرأي العامّ، أصبحت وسائل الإعلام موضوع بحث بالنسبة للعديد من الاختصاصات العلميّة، أو المؤسسات التي لها علاقة بالجمهور وبالرأي العام ومن بين هذه المؤسّسات نذكر: المؤسّسة التشريعيّة التي يناط بعهدتها كلّ ما له علاقة بالتشريع، والمؤسسة الأمنيّة المسؤولة على الأمن والاستقرار في البلاد. فمثلا، منذ “المؤتمر الأوّل لمديري العلاقات الخارجيّة بوزارات الداخليّة في الدول العربيّة، أثير موضوع تأثير وسائل الإعلام والثقافة على الرأي العامّ، وكان هناك اتفاق على أنّ لهذه الوسائل أثرها الفعّال في تشكيل القيم والاتجاهات المناهضة للجريمة، والمساعدة على إقرار الأمن. وفي المقابل، هناك اتفاق مماثل على أنّ هذه الوسائل قد تنحرف أحيانا عن القيام بدورها المطلوب، بل تؤدّي إلى تأثير معاكس يشجّع على الانحراف ويغري بارتكاب الجريمة، من خلال ما يعرض بالسينما والتلفزيون أو ما ينشر بالصحف والمجلاّت”9

{{-4- كيفيّة مساهمة وسائل الإعلام في انتشار الظاهرة الإجراميّة:}}

أصبحت قضيّة العلاقة بين وسائل الإعلام والظواهر الإجراميّة مركز اهتمام عديد الباحثين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، واحتلّت صدارة المؤسسات الاجتماعيّة التي تمّ اتهامها بتدعيم للسلوك الانحرافي والإجرامي.

فمثلا، أظهرت بعض الدراسات العلميّة في أسبانيا أنّ 39 في المائة من الشبّان المنحرفين تلقّوا معلوماتهم التي استمدّوها في تنفيذ جرائمهم من التلفزيون10 .

كما عبّر عالم الاجتماع الكندي “مارشال ماكلوهان” عن القدرة التأثيريّة لوسائل الإعلام من خلال تمييزه بين مقولتين متشابهتين في النطق ومختلفتين في المعنى، أي مقولتي le message (الرسالة) و le massage (التدليك) ويرى أن وسائل الإعلام اليوم تخلّت عن الوظيفة الأولى لتحل محلّها الوظيفة الثانيّة أي التدليك…

وتظهر علاقة وسائل الإعلام بالظواهر الإجراميّة في ثماني نقاط أساسيّة وهي:

{{أوّلا، التعليم:}}

فمن خلال نشر تفاصيل ارتكاب الجريمة سواء أكانت عبر وسائل الإعلام المكتوبة، في إطار نقل الأحداث والوقائع، أو عبر الأشرطة والأفلام المستوحاة من قصص واقعيّة أو خياليّة.. يمكن للفرد تعلّم “أساليب ارتكاب الجرائم وأنماطها عن طريق ما تنشره من وسائل سرقة السيّارات، وإخفاء معالم ملكيتها، وكيفيّة تزوير الوثائق، ووسائل الغشّ التجاري وغيرها من أساليب الانحرافات السلوكيّة”11، بحيث تحوّلت بعض وسائل الإعلام إلى مدرسة جيّدة لإتقان فنون الجريمة.

{{ثانيّا، قتل الاشمئزاز والاستنكار من الجرائم:}}

إذا كان الاشمئزاز الاجتماعي على حدّ تعبير “إميل دوركايمّ من أهمّ الدوافع التي تجعل الفرد ينبذ الجريمة والإجرام، فإنّ كيفيّة نشر خبر الحدث الإجرامي أو جعله ركنا أساسيّا في وسائل الإعلام، يجعل من الممارسات الانحرافيّة والإجرامية سلوكا عاديّا ينتفي في ارتكابها أيّ نوع من الاشمئزاز والاستنكار سواء من طرف الشخص الذي يرتكب الجريمة أو بقيّة أفراد المجتمع. أو بلغة أخرى تقتل بعض وسائل الإعلام ما يمكن تسميته بـ “المناعة الردعيّة”، هذه المناعة التي كثيرا ما تكون نتائجها أكثر وقعا من العقوبات التأديبيّة.

{{ثالثا، جعل الجريمة مرغوبة:}}

من بين الانعكاسات المباشرة لوسائل الإعلام على الأطفال والشباب هو جعل المجرم شخصا جذّابا من خلال البطولات التي يقوم بها، وذكائه الخارق للعادة، و… بل قد يصير هذا المجرم نموذجا ورمزا في خيال المتقبّل، وتكون الانعكاسات أكثر قوّة عبر ما يعرض من أفلام وأشرطة في التلفاز، خاصة عندما يقوم بدور المجرم نجم من النجوم السينمائيّة المحبوبين لدى الجمهور، كالممثّلين عادل إمام وسعيد صالح وفريد شوقي و… ونفس الشيء يحصل في الصحف المكتوبة عندما تصوغ الخبر الإجرامي بأسلوب جذّاب، فـ”التوسّع في نشر تلك الأخبار يجعل الجريمة جذّابة والمجرم شخصا خياليّا، وتكون النتيجة أنّ الشباب المغامر يحاول أن يقتفي أثر هؤلاء المجرمين ليكون له نصيب من بريق الجريمة…”12

{{رابعا، جعل الحياة اليوميّة للمجرمين جذّابة:}}

تتضمّن عديد الأشرطة والمسلسلات البوليسيّة تفاصيل عن طرق معيشة المجرمين ومحترفي الإجرام وتسلّط الأضواء على البذخ والتمتّع بملذّات الحياة، وخاصة التمتّع بالسلطة والنفوذ الموازية لسلطة الدولة والقانون، كما هو الحال في شريط “الهانم” الذي يروي قصّة عصابة مختصة في تجارة الأسلحة والمخدّرات تترأسها امرأة تتميّز في الآن نفسه بالشدّة والعطف، تمكّن أفراد العصابة من تهريبها أثناء ترحيلها إلى السجن، تعيش هذه العصابة في منطقة جبليّة ويحكمها “قانون الهانم” والمقصود به في الشريط قانون السلاح والقوّة، وهو نفس الاسم الذي تحمله رئيسة العصابة، لقد قدّم الشريط صورة جماليّة رائعة لحياة هذه العصابة وتمسّكها بالقيم والمبادئ التي تسير عليها… وطبعا حقّق هذا الشريط نجاحا كبيرا في مصر وفي العالم العربي. وتقريبا نفس الصورة نجدها في عدد من الأشرطة السينمائية والمسلسلات، الشيء الذي يجعل المتفرّج يتوق إلى العيش في مثل تلك الظروف. ويقول الدكتور علي بن فايز: “قد يكون من سلبيات إظهار الجرائم، إبراز وتأكيد طرق معيشة المنحرفين، حيث تتسم حياتهم بالبذخ والإسراف، أو قد تظهرهم بالمظهر الذي يدعو إلى الشفقة عليهم نتيجة لحياة التشرّد والبؤس والتعاسة والهروب من العدالة، ممّا يثير شفقة القارئ الذي يتّسم سلوكه بمخالفة الضوابط الاجتماعيّة”13. كما تقدّم العديد من الأشرطة والمسلسلات صورا لطرق عيش مختلفة لشخص واحد مرّ في بدايته بالفقر والحرمان من كلّ شيء، ثم ما أن دخل عالم الإجرام حتّى انقلبت حياته وأصبح يتمتّع بكل ما كان محروما منه، أو بلغة أخرى تحوّلت عديد وسائل الإعلام إلى أداة إشهار لصالح الحياة الإجرامية الانحرافية.

{{خامسا، التقليد والمحاكاة:}}

تمثّل ظاهرة تقليد ما يعرض في وسائل الإعلام من أكثر الآثار المباشرة على سلوك أفراد المجتمع وخاصة فئات الأطفال والشباب، حيث يبدأ التقليد عادة باستعمال ألقاب مستوحاة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونيّة، ثم تنتقل بسرعة إلى مستوى الممارسات الفعليّة والتي تتجلّى في التقليد والمحاكاة.

أو على حدّ قول عالمة النفس “ليليان لورساّّّّّّّّّ”، في المقابلة التي أجرتها معها “جان ريمي ديلياج” حين سألتها “كيف تظهر تلك السيطرة؟ (سيطرة جهاز التلفاز على الأطفال). وكانت إجابتها: “بالفتنة، فنحن نريد أن نكون على الشكل الذي يظهر على الشاشة، فهناك التقليد الإرادي لأبطال التلفزيون، وهناك أيضا التقليد اللاإرادي وخاصة ما يحدث بسبب التشبّع الحسّي-الحركي Perceptivo- Motrice الناتج عن تكرار المواضيع. وعلى حدّ قول أستاذي هنري والون فإنّ التشبّع عن طريق الانفعال يؤدّي إلى التقليد أي بداية لا إراديّة. والتشبّع هو نوع من أنواع التعلّم يتميّز بأنّ الشخص يتعلّم دون أن يدري أنّه يتعلّم وبالتالي دون أن يدري ما يتعلّمه..”14

{{سادسا، فقدان الأسرة لمكانتها وللدور الذي كانت تقوم به:}}

تلعب الأسرة في العادة دور الوسيط الإيجابي بين الفرد والقيم الاجتماعيّة، إذ تحاول عبر التنشئة الاجتماعيّة خلق نوع من الحصانة التربويّة تحول بين الطفل وبين الانحراف. كما تقوم أيضا عبر آليات متنوّعة بخلق التوازن النفسي والاجتماعي بين المحيط الخارجي (الروضة، المدرسة، الشارع، الأصدقاء…) وبين ما تطمح له العائلة من وراء السياسة التربوية الأسريّة. بحيث كنّا نتحدّث عن سيادة أسريّة وعن عالم أسري يسيطر عليه ربّ العائلة، ومقابل ذلك نجد عالما خارجيّا يتشابه ويختلف عن نمط العالم الأسري، ولكن ومع دخول جهاز التلفاز والدور الذي أصبح يقوم به، وخاصة سيطرته الكليّة على الأطفال بدأت هذه الأسرة تفقد مكانتها تدريجيّا، وأصبح من غير الممكن الحديث عن عالم أسري وعالم خارجي، فكلّ التأثيرات التي كانت الأسرة تخاف منها وتمارس سلطتها لمنع التأثير بها صار يشاهدها الأطفال والشباب داخل البيت لا خارجه، كما أصبح تأثير التلفاز أكثر فاعليّة من الأسرة، بل حتّى ربّ العائلة ذاته انساق تدريجيّا وراء هذا التيّار. كما أنّ ظاهرة الإدمان على مشاهدة التلفاز لا تقتصر على الفئات الشبابيّة والأطفال، بل وصلت عدواها إلى ربّ الأسرة وبقيّة أفراد العائلة. “إنّ الأطفال اليوم وكما يقول الباحث الألماني “مارتن” ليسوا مشاهدين فقط وإنّما هم شركاء في الأحداث وفي التمثيل. فهم يعيشون مع الحدث ويشاركون فيه. ويتأثّرون بالتجربة تأثيرا واقعيّا حيّا لدرجة أنّ التلفزيون لم يدع للأسرة فرصة للبحث في شؤونها لأنّه بالرغم من وجودهم جميعا في البيت إلاّ أن التلفزيون استحوذ على انتباههم فصرف كلا منهم عن الآخر.”15

وفي نفس السياق تقريبا ذهبت الباحثة الكنديّة “ك. تاجرت” حيث تقول: “إن القيم التقليديّة التي تبثّها الأسرة في الأطفال آخذة في الضمور والاضمحلال لتحل محلّها قيم تلفزيونيّة مشتقّة من أفلام رعاة البقر ومسلسلات العنف وتمثيليات الجنس والجريمة، وهي دائرة ضخمة من الآثار الوخيمة ذات الحلقات المتّصلة…”16

وأكّدت ليليان لورسا بأنّ الطفل اليوم يصبح يعيش في عالم مصطنع عوضا عن عالم العائلة، “فعندما يصبح التلفزيون هو النافذة الوحيدة على العالم، فإنّه بسبب ظاهرة إدمان تغلق الفرد وسط عالم مصطنع، ولكن هذا الإدمان ما هو إلاّ علامة لمشكلة أكثر عمقا. يقول سيرج تيسرون أخصائي أمراض النفس “لو مال الطفل إلى جانب الصور وقضّى جلّ وقته أمام شاشة التلفزيون فذلك بسبب فشله في الاتصال بالكبار، وعندما يقلّ التفاهم والنقاش داخل البيت فإنّ الطفل يلجأ إلى الصور”17

{{سابعا، فقدان الاستقلاليّة:}}

تساهم وسائل الإعلام بشكل عامّ وجهاز التلفاز بشكل خاصّ في فقدان استقلاليّة الفرد أو الشخص المتقبّل للرسالة الإعلاميّة، بحيث تحوّل هذا الجهاز إلى مصدر تعليم وتوجيه ومصدر انصياع من قبل المتقبّل، فـ “مع دخول التلفزيون إلى البيوت، أصبح الأطفال خاضعين إلى تأثيرات كثيرة. وعندما يصبح التلفزيون أداة اجتماعيّة، فذلك يعادل ظاهرة على مستوى كبير من فقدان الاستقلاليّة المعروفة في علم النفس المتعلّق بنموّ الطفل في البداية حالة الالتحام مع العائلة، ثم يكبر بعدها ويقول “أنا” ويعارض. وهذا ما يعرف بالتفرّد أو التميّز عن الآخرين، لكنّ التلفزيون يخلق حالة التحام جديدة لا يستطيع الطفل فيها أن يقول “أنا” أو “لا” لأنّه في موقع المسيطر عليه”18 وبذلك يفقد كل استقلاليته ويصبح عبارة عن عبد لجهاز التلفاز.

{{ثامنا، قتل الإحساس جرّاء مشاهدة برامج العنف:}}

من بين الطرق التأثيريّة الأخرى لوسائل الإعلام على سلوك الأفراد والجماعات هو قتل الإحساس تجاه الآخرين، خاصة في حالة برامج العنف التي أصبحت اليوم تطغى بشكل بارز في جلّ البرامج التلفزيّة وخاصة المخصّصة منها للأطفال، فحسب دراسة إحصائيّة أوّليّة قمنا بها خلال سنة 2004- 2005 لأكثر القنوات التلفزيّة جاذبيّة من طرف الأطفال وهي قناة (S.toon) سجّلنا نسبة تجاوزت الـ80% من البرامج التي تتضمّن أعمال عنف وحروبا. وتقريبا نفس النسبة أي 87.38% في برامج روتانا سينما، وعلى نفس المنوال تسير قناة ميلودي أفلام… “وحسب دراسة أمريكيّة قامت بها ميديا سكوب Médiascope يتّضح أن 75 في المائة من أعمال العنف على الشاشة لا يعاقب أصحابها عليها. والأسوأ من ذلك أنّ فاعليها لا يهمّ إن كانوا شخصيات إيجابيّة أو سلبيّة في الشريط”19 “ففي عام 1990 وجدت الجمعيّة الوطنيّة لثقافة الصغار أنّ الأطفال الذين تعوّدوا على رؤية برامج العنف أصبحوا أقلّ إحساسا بآلام الآخرين، وقتل الإحساس يمكن يترجمه الطفل عبر سلوكيات مختلفة ومتطوّرة ومتصاعدة، إذ تبدأ باستعمالات اللفظيّة العنفيّة، ثم في مرحلة ثانيّة تتجه نحو الألعاب التي بحوزته أو بحوزة غيره، وتتطوّر شيئا فشيء لتنتقل إلى الواقع الفعلي مع بقية الأطفال، فـ أكّدتها عالمة النفس “لو لم يستطع الطفل التخلّص من مشهد عنف في التعبير عنه بالكلمات، أو باللعب، أو بالرسم، فلا شكّ أنّه سيعبّر عنه بالعمل”20

وتذهب بعض الدراسات الأخرى إلى أنّ لجرائم القتل الناتجة عن فقدان الإحساس علاقة مباشرة بتأثير التلفاز، مثلما ورد بالمجلّة الطبيّة JAMA في العدد10 يونيو 1992 دراسة إحصائية والتي أجراها B.S. Centerwall في قسم الأمراض النفسيّة وعلم السلوك في جامعة واشنطن بولاية سيتل، حيث تم جمع المعلومات بعد 40 عاما من الملاحظة التي تتعلّق بجرائم القتل في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وكندا وجنوب إفريقيا. وقدّم في هذه الدراسة العديد من الأرقام الدالة على العلاقة بين التلفاز وجرائم القتل، إذ بين عام 1945 و1974 ارتفع معدّل جرائم القتل عند البيض بنسبة 93 في المائة في الولايات المتّحدة وبـ 92 في المائة بالنسبة لكندا أمّا في جنوب إفريقيا، فقد انخفض هذا المعدّل بنسبة 7 في المائة. ولكن بعد عشر سنوات من دخول التلفزيون عام 1975 فقد ازداد هذا المعدّل بنسبة 130 في المائة…21

ونفس الفكرة تقريبا نجدها عند عالمة النفس سيلفي منسور والتي تقول بأنّ من أهم مخلّفات تكرار مشاهد العنف لدى الأطفال والشباب هو فقدان الإحساس لديهم.

إضافة للطرق المذكورة في كيفيّة تأثير وسائل الإعلام على المتقبّلين، قدّم لنا عالم الوظائف النفسيّة توماس مولهولاند دراسة أجراها بمستشفى بيدفورد بالولايات المتّحدة، على المشاهدين الصغار عن طريق مسجّل لموجات الدماغ، فوجد أنّ الموجات من نوع “ألفا” هي الغالبة في الرسم الدماغي وهي أيضا الموجات الغالبة في حالة الاسترخاء (حيث لا نفكّر في شيء !).

ففي هذه الحالة يكون الطفل أكثر عرضة للتأثر بما يعرض على شاشة التلفاز، وتنعدم لديه القدرة على المقاومة أو التمييز بين ما يحمله من قيم ومبادئ وبين ما يعرض عليه. ولهذا نتائج عدّة: أوّلا، وكما أكّده عالم فسيولوجيا الأعصاب البريطاني نورمان ديكسون أنّ الاستعداد لقبول الاقتراحات في هذه الحالة من الارتخاء النفسي والحسّي –التي هي بين اليقظة والنعاس- هي أكثر أهميّة من حالة اليقظة.. وثانيا، تزيد هذه الحالة من قابليّة ما يعرفه علماء النفس بسيكولوجيا الإعجاب الثانوي. التي تتم فيها –إلى درجة ما- العزلة الحسيّة بوساطة تركيز الحواس على شيء ثابت (مثل جهاز التلفزيون)22.

{{-4- نماذج مسجّلة عن التأثير المباشر لوسائل الإعلام على السلوك الإجرامي:}}

سجّل العديد من الباحثين أمثلة حيّة للتأثير السلبي لوسائل الإعلام على السلوك الإجرامي، وكيفيّة استلهام فكرة الإجرام أو طرق تنفيذ العمليات الإجراميّة من إحدى وسائل الإعلام.

ففي ألمانيا “ذبح السفّاح الألماني ” المشهور هايتريش” أوّل ضحاياه في إحدى الحدائق، وكان قد خرج لتوّه من دار السينما حيث شاهد فيلما يدعى “الوصايا العشر” ورأى النساء اليهوديات يرقصن حول “العجل الذهبي” فقرّر أنّ النساء هنّ الشرّ في العالم وخرج ليذبح المرأة المسكينة ليطهّر العالم في نظره من مصادر الشرّ”.23 وبنفس الفكرة والطريقة التي تضمنها الشريط المذكور.

وفي مصر سجّل المختصون والباحثون العديد من الحالات التي استوحى فيها الجاني جريمته من الوسائل الإعلاميّة، فلقد ألقت الشرطة القبض على مجموعة من الشباب الذين احترفوا السلب والنهب، أكّدوا استلهامهم الفكرة من فيلم “أحنا التلامذة” بطولة شكري سرحان وأحمد رمزي.

وفي نفس السياق وأثناء التحقيق مع إحدى الفتيات التي تمكّنت من السطو على أكثر من مليون جنيه. اعترفت بأنّها استوحت الفكرة من البرنامج الإذاعي “أجراس الخطر”، وبلغت المفاجأة ذروتها حينما اعترف لصوص سيّارات البنك التي كانت تحمل مليونين من الجنيهات ومثلهما من الدولارات بأنهم استوحوا الفكرة من فيلم “المشبوه” لعادل إمام…

كما اعترف أحد النزلاء بالسجون المصريّة والمتّهم في سلسلة من الجرائم على الأشخاص والأملاك أنّه استوحى طرق تنفيذ عملياته الإجراميّة من فيلم “بطل النهاية” لفريد شوقي.24

وفي تونس خلال شهر مارس 2006 وقعت بمدينة قابس جريمة سطو على طبيب قام بها 3 تلاميذ بعد أن استوحوا فكرة السطو وكيفيّة ارتكاب الجريمة من شريط سينمائي كانوا قد شاهدوه خلال تلك الفترة…25

{{-5- الإعلام بين مقولة الحريّة والمحدّدات القانونيّة :}}

لقد كثرت الاتهامات الموجهة لوسائل الإعلام والعلاقة التي تربطها بالظواهر الإجراميّة وتأكيد بعض الدراسات بأنّ نشر أنباء الجرائم والأحداث الإجراميّة بأسلوب مثير من شأنه أن يوقظ لدى المتقبّل وخاصة الفئات الشبابيّة “دوافع كامنة، وتحرّك فيهم غرائز مختلفة ممّا يدفعهم إلى ارتكاب الجرائم”.26

وفي المقابل يرى البعض أن الخطر لا يكمن في نشر أخبار الجرائم والمحاكم، وجعلها مادة إخباريّة، فبما أنّها تنضوي ضمن جملة ما يحدث في المجتمع، وبما أن وسائل الإعلام هي عبارة عن مرآة حقيقيّة للمجتمع، لذلك لا مانع في أن تكون الجرائم وكوارث المجتمع من بين المواد الأساسيّة لهذه الوسائل، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في كيفيّة صياغة وتناول الأخبار الإجراميّة، وهو نفس الموقف الذي دعا إليه الكاتب حسين عبد القادر حين قال: “الخطر الأكبر في نظرنا ليس في نشر الجريمة وإنّما في طريقة عرضها والأسلوب الذي تكتب به والصور الفوتوغرافيّة التي تصاحبها… إنّ من حق الصحافة أن تصوّر شرور المجتمع ولكن من واجبها أيضا أن تحمي المجتمع والشباب من أضرار النشر القائم على الإثارة والتشهير”27

لأجل ذلك فرضت عديد الدول قيودا قانونيّة ترافقها عقوبات زجريّة على كل وسائل الإعلام بما فيها الصحف والتلفاز وقاعات السينما، إثر الانتقادات التي وجّهت لوسائل الإعلام..

وقد ذكر الدكتور علي بن فايز أهميّة العناية بوسائل الإعلام والعلاقة التي تربط المؤسسات الإعلاميّة بالمؤسسات الأمنيّة ويقول في هذا الإطار “… ونظرا لتأثير أجهزة الإعلام على اتجاهات وسلوك الأفراد وخاصة في محيط الأحداث والشباب. فإنّ بعض ما يعرض أو ينشر أو يذاع يترك تأثيرا سلبيّا خطيرا على تربيّة النشء وعلى الأمن وسلامة المجتمع، لذا يصبح من المناسب إحاطة الأجهزة المسؤولة عن الرقابة بأبعاد وأخطار هذه الاتجاهات، والتعاون معها على تقديم الصورة التي تسهم في بناء المجتمع بناء سليما”28

ولكنّ القيود القانونيّة ظلّت محدودة، إذ أغلبها تقتصر إمّا على إلزام الصحيفة مثلا بعدم ذكر اسم الجاني أو المجني عليه، أو تحديد سنّ المتّهم الذي لا يجب ذكره في التغطيّة الإعلاميّة للأحداث الإجراميّة، أو منع استعمال آلات التسجيل والتصوير في قاعات المحاكم، ونذكر على سبيل المثال:

{{* القانون التونسي:}}

بالنسبة للقوانين التونسيّة، وتحديدا “مجلة الصحافة” في صورتها الأخيرة والمنقّحة، فإنّ أقلّ ما يمكن قوله هو أنّ المشرّع التونسي لم يهتمّ بجانب الإعلام الإجرامي أو ما يسمّى بالقضاء الإعلامي، إذ لا نكاد نجد أيّ نص من شأنه أن يحدّد الضوابط القانونيّة للصحافيين حين تناولهم لمسألة أخبار الجريمة، باستثناء الفصل 63 والذي يقول “يحجّر نشر قرارات الاتهام وغيرها من الأعمال المتعلّقة بالإجراءات الجزائيّة قبل تلاوتها في جلسة عموميّة ويعاقب مرتكب ذلك بخطيّة من 120 دينار إلى 1200 دينار.

ويسلّط نفس العقاب على من ينشر بطريقة النقل مهما كانت الوسائل، لا سيما بالتصوير الشمسي أو النقوش المصوّرة أو الأفلام، كلّ أو بعض الظروف المحيطة بإحدى الجرائم أو الجنح المنصوص عليها بالفصول 201 إلى 240 بدخول الغاية من المجلة الجنائيّة.

بيد أنّه ليست هناك جريمة إذا كان النشر قد وقع بناء على طلب كتابيّ صادر عن الحاكم المكلّف بالتحقيق ويضاف المطلب المذكور إلى ملفّ التحقيق العدلي.”

كما تضمّن الفصل 64 من مجلة الصحافة بدوره بعض الإشارات القانونيّة للإعلام الإجرامي إذ يقول “… ويحجر أيضا نشر أسرار مفاوضات الدوائر والمحاكم. ويحجر أثناء المداولات وداخل قاعات جلسات المحاكم استعمال أجهزة التسجيل الصوتي وآلات التصوير الشمسي أو السنماتوغرافي إلاّ إذا صدرت في ذلك رخصة من السلطة القضائيّة ذات النظر. وكل مخالفة لهذه الأحكام يعاقب عنها بخطيّة من 120 إلى 1200 دينار مع حجز الوسائل المستعملة لذلك الغرض.”

لقد ركّز المشرّع التونسي على نوعيات من الجرائم، من الصعب جدّا الاستفادة منها ضمن هذا البحث مثل “جريمة التحريض” الواردة في الفصل 42 والفصل 43، و”جريمة النيل من كرامة رئيس الجمهوريّة” الواردة في الفصل 48، و”جريمة نشر الأخبار الزائفة” الواردة في الفصل 49، و”جريمة الثلب” الواردة في الفصل 50، و”جريمة الشتم” الواردة في الفصل 54. فباستثناء جريمة نشر الأخبار الزائفة فإنّ بقيّة الجرائم الأخرى لا علاقة لها بالإعلام الإجرامي.

{{* القانون الأنجليزي:}}

أمّا المشرّع الأنجليزي فقد وضع جملة من المحدّدات والضوابط القانونيّة للإعلام الإجرامي، “ففي أنجلترا مثلا ليس من المحظور كتابة تقارير عن دعاوي الأحداث ولكن بقيود خاصة، مثل نشر أيّة معلومات تكشف عن شخصيّة المتّهمين الذين تقل أعمارهم عن 16 سنة. وهذا القيد ينطبق أيضا على الشهود في محاكم الأحداث في مثل هذا السنّ”29

{{* القانون الفرنسي:}}

لا يختلف القانون الفرنسي كثيرا القانون الأنجليزي المذكور، إلاّ في السنّ الذي حدّده بـ18 سنة عوضا عن 16 سنة أو في تناوله لمسألة صور المتّهمين. “ففي فرنسا أيضا لا يجوز نشر تقارير عن قضايا الشباب الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، كما لا يجوز نشر صورة أو صور الأعمال التي قبض عليهم من أجلها، وإنّما يسمح فقط بنشر الحكم والحروف الأولى من أسماء المتّهمين”30.

ومن بين أهم ما تضمّنته النصوص القانونيّة المقيّدة لوسائل الإعلام في تناولها للظواهر الإجراميّة نجد:

– الأخبار حول كيفيّة هروب الجناة من السجن أو مراكز الاعتقال.

– الأخبار المتعلّقة بالاعتداءات على رجال الأمن أو كيفيّة مقاومتهم.

– الثلب والتشهير بالأشخاص.

{{-6- أهم الدراسات العلميّة التي تناولت علاقة الظاهرة الإجراميّة بالمؤسسة الإعلاميّة:}}

نظرا للعلاقة القائمة بين وسائل الإعلام والظواهر الإجراميّة أجرى العديد من الباحثين دراسات ميدانيّة وإحصائيات هامة حول قوّة العلاقة بينهما، فمثلا “يضرب تشارترز أمثلة عديدة من دراساته حول دور التلفزيون في تلويث بيئة الطفل والمراهقين قائلا:… إنّ إثارة الغرائز الجنسيّة وعرض مناظر الداعرة على المشاهدين وتفجير الشهوات الجنسيّة للمراهقين تضرّ بجمهور الأطفال ضررا بالغا، وفي إحصائية استخلصها هذا الباحث من مجموعة الأفلام التي تعرض على الأطفال عالميّا وجد أنّ:

– 29.6 % منها تتناول موضوعات جنسيّة.

– 27.4 % منها تتناول مواضيع الجريمة.

– 15 % منها حول الحبّ بمعناه الشهواني المكشوف.31

كما توصّل أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة كاليفرنيا “رودريك جورني” في دراسته حول العلاقة بين العنف ووسائل الإعلام “إلى أنّ الأشخاص الذين يشاهدون نسبة كبيرة من برامج العنف يميلون بالفعل إلى العنف في سلوكهم، بينما يميل مشاهدو البرامج الاجتماعيّة والإنسانية إلى سلوك أكثر اتزانا”.32

وتؤكّد إحصائيّات اليونسكو خطورة انتشار ظاهرة الإدمان على التلفاز، “ففي دراسة أجرتها اليونسكو مؤخّرا حول معدّلات التعرّض للتلفزيون لدى الأطفال والصبية العرب، تبيّن منها أن الطالب قبل أن يبلغ الثامنة عشر من عمره يقضي أمام التلفزيون اثنين وعشرين ألف (22000) ساعة، في حين أنّه في هذه المرحلة من العمر يقضي أربعة عشر ألف (14000) ساعة في قاعات الدرس.33

كل هذه التجارب البحثيّة والدراسات العلميّة المهتمة بقضيّة العلاقة بين وسائل الإعلام والظواهر الاجتماعيّة وخاصة الإجراميّة، تجعلنا نتأكّد من احتياج الساحة العلميّة والسوسيولوجيّة لتأسيس وتدعيم التخصّصات العلميّة القادرة على تقديم إضافة في هذا الغرض.

{{ -II- قراءة سوسيولوجيّة للصحف التونسيّة: حادثة سليمان نموذجا}}

انطلاقا من النموذج الذي وضعه عالم الاجتماع الأمريكي هارولد لازويل Harold Lasswell، والقائم على خمسة تساؤلات (من؟ يقول ماذا؟ بأي وسيلة؟ لمن؟ وما هو التأثير؟)

سنحاول في هذا الجزء الثاني من البحث، أو القراءة السوسيولوجيّة، القيام برصد عيّنة من الصحف التونسيّة، ولكن نظرا لطبيعة موضوع بحثنا فإنّنا خيّرنا صياغة نموذج آخر نستهدف من وراءه رصد محتوى الرسالة الإعلاميّة دون الاهتمام بالبعد التأثيري لها، ليصبح النموذج المقترح يقوم على خمسة أسئلة وهي على النحو التالي:

ماذا (حدث)؟

متى (وقع حدث)؟

أين (وقع الحدث)

من (قام بالحدث)؟

لماذا (وقع الحدث)؟

فبقدر ما تقترب الرسالة الإعلامية المتعلّقة بحادثة الضاحية الجنوبية للعاصمة (تونس) من هذا النموذج المقترح، تستجيب هذه الرسالة لتطلّعات الجمهور الذي حاول تتبع أخبار الحادثة المشار إليها. وفي المقابل، بقدر ما ابتعدت الرسالة الإعلاميّة عن هذا النموذج، إلاّ وكانت سببا لخلق لدى المتقبّل ما يمكن تسميته بالروايات الشخصيّة أو الإشاعات حول الظاهرة المدروسة (حادثة سليمان). أمّا الطريقة المعتمدة في الرصد فتتمثل في إحصاء عدد الكلمات التي تم استعمالها من طرف الصحفي للإجابة على كل سؤال من هذا النموذج المقترح34.

{{-1- وكالة الأنباء التونسيّة (وات) / الإعلان الرسمي}}

صدرت عن وزارة الداخليّة التونسيّة ثلاثة إعلانات رسميّة تتعلّق بالحادثة المذكورة إضافة إلى إعلان رسمي يوم 11 جانفي للردّ على بيان نسب لـ”شباب التوحيد والجهاد بتونس”. والملاحظة الأوّلية المتعلّقة بإعلانات وكالة الأنباء التونسيّة هي أنّ عدد الكلمات المستعملة لم تتجاوز الـ104 كلمة (40 كلمة في الإعلان الأوّل و30 كلمة في الإعلان الثاني و34 كلمة في الإعلان الثالث)، كما أنّ التركيز الكلّي كان من أجل الإجابة عن السؤال الأوّل (ماذا حدث) وذلك بنسبة 65.38% ثمّ السؤال الثاني (متى وقع الحدث) بنسبة 14.42% ثمّ السؤال الثالث (أين وقع الحدث) بنسبة 10.58%، ثم السؤال الرابع (من قام بالحدث) بنسبة 9.62% ، أمّا السؤال الخامس (لماذا وقع الحدث) فلم تجب عنه كلّ إعلانات وكالة الأنباء التونسيّة. كما أنّ نسبة 9.62% والمتعلّقة بالسؤال الرابع فإنّها كانت ألفاظا غامضة أكثر منها أجوبة عن سؤال، من قبيل “مجموعة أنفار” أو “مجرمين خطرين مفتّش عنهم” أو “مجموعة إجراميّة”. وبذلك اقتصرت الإعلانات الرسمية على الإجابة عن الأسئلة الثلاثة الأولى فقط. إضافة إلى ذلك تميّز التصريح الصادر يوم 3 جانفي والتصريح الصادر يوم 4 جانفي بالغموض والتناقض، فالأوّل أعلن عن أنّ “تبادلا لإطلاق النار أدّى إلى مقتلهم” جميعا، في حين الثاني يعلن عن قتل 12 فردا وإيقاف 15 المتبقين. وهذا التناقض والغموض الوارد في الإعلانات الرسمية كان سببا رئيسيّا في انتشار الروايات الشعبية والتأويلات المتضاربة، سواء أكانت المتناقلة بين أفراد المجتمع أو ما وقع نشره بالصحف التونسيّة وغيرها. كما لعب الإعلام البديل والمتمثّل بشكل أساسي في الانترنت دورا رئيسيّا في نشر هذه الروايات والإشاعات.

{{-2- ما مدى استجابة الصحف التونسيّة لأسئلة النموذجية المقترحة؟؟؟}}

{{السؤال الأوّل، ماذا (حدث)؟}}

حاولت كلّ الصحف التي رصدناها الإجابة عن السؤال الأوّل، حيث سجّلنا 4274 كلمة استعملت لهذا الغرض تراوحت النسبة المائوية في حدود 77.15%، وتصدّرت صحيفة “الصباح” الصدارة وذلك بنسبة 85.05% ثم تلتها الصريح (80.32%) ثم أخبار الجمهوريّة (80.12%).. وأقلّ نسبة وجدنا في صحيفة الشروق (70.65%). وأغلبها كانت عبارة عن إعادة صياغة الروايات التي تناقلتها ألسن المواطنين بعد التعديلات المحدثة فيها.

|||||
|{{الصحيفة}}|{{عدد الكلمات}}|{{الـ %}}|
|الإعلان|965|76,89|
|الصريح|302|80,32|
|أخبار الجمهورية|395|80,12|
|الصباح|1155|85,05|
| الصباح الأسبوعي|304|71,36|
|الشروق|1153|70,65|

{{السؤال الثاني، متى (وقع حدث)؟}}

لم نسجّل أكثر من 199 كلمة استعملت لغرض الإجابة عن السؤال الثاني، ولم تتجاوز النسبة الإجماليّة للصحف المرصودة الـ 3.59%. احتلّت فيها صحيفة الشروق الصدارة بنسبة 4.84%، ثم الصباح الأسبوعي (3.99%) ثم الصريح (3.72%) ثم الإعلان (3.27%) ثم الصباح (2.87%) وأخيرا وجدنا “أخبار الجمهوريّة” بنسبة 1.83%. وفي العموم لم نسجّل تناقضات كبرى بين الصحف التونسيّة في الإجابة عن هذا السؤال والتي كانت فيها النسب متقاربة نسبيّا.

|||||
|{{الصحيفة}}|{{عدد الكلمات}}|{{الـ %}}|
|الإعلان|41|3,27|
|الصريح|14|3,72|
|أخبار الجمهورية|9|1,83|
| الصباح|39|2,87|
|الصباح الأسبوعي|17|3,99|
|الشروق|79|4,84|

{{السؤال الثالث، أين (وقع الحدث)}}

للإجابة عن السؤال الثاني استعملت الصحف المرصودة 260 كلمة ولم تتجاوز نسبتها الـ 4.69% من جملة الكلمات المستعملة، وأعلى نسبة وجدناها في صحيفة “أخبار الجمهوريّة” بنسبة 8.72% ثم تلتها “الصباح الأسبوعي” (7.04%) والإعلان (6.06%)… وأقلّ نسبة سجّلت في صحيفة “الصباح” والتي لم تتجاوز الـ1.18%.

|||||
|{{الصحيفة}}|{{عدد الكلمات}}|{{الـ %}}|
|الإعلان|76|6,06|
|الصريح|14|3,72|
|أخبار الجمهورية|43|8,72|
|الصباح|16|1,18|
|الصباح الأسبوعي|30|7,04|
|الشروق|81|4,96|

{{السؤال الرابع، من (قام بالحدث)؟}}

نلاحظ من خلال النتائج الإحصائيّة المسجّلة اهتماما خاصّا من قبل الصحف المرصودة للإجابة عن هذا السؤال مقارنة ببقية الأسئلة، إذ سجّلنا 653 كلمة من جملة 5540 كلمة استعملت في تغطية الحادثة الأخيرة، أي بنسبة 11.79%. تصدّرت صحيفة “الشروق” طليعة الصحف المرصودة وذلك بنسبة 16.54% ثم تلتها “الصباح الأسبوعي” (13.62%) ثم “الإعلان” (12.27%) ثم “أخبار الجمهورية” (8.52%) ثم “الصباح” (7.66%) وأخيرا “الصريح” بنسبة 6.65%.

|||||
|{{الصحيفة}}|{{عدد الكلمات}}|{{الـ %}}|
|الإعلان|154|12,27|
|الصريح|25|6,65|
|أخبار الجمهورية|42|8,52|
|الصباح|104|7,66|
|الصباح الأسبوعي|58|13,62|
|الشروق|270|16,54|

وما تجدر الإشارة إليه من خلال الجدول الإحصائي والرسم البياني، هو أنّ النتائج الإحصائيّة المسجلة لا تكشف حقيقة استجابة الصحف التونسيّة للسؤال الرابع (من قام بالحدث)، بل ساهمت في تغذية ونشر التأويلات والروايات الشعبية منها وغير الشعبية، ويمكن الإشارة إلى ثلاث ملاحظات أساسيّة:

أوّلا، في أوّل مقال لصحيفة “الشروق” والصادرة يوم 26 ديسمبر قدّمت لنا تحقيقا صحفيّا مفصّلا عن الحادثة، حيث حدّد صاحب المقال هوية “المجرمين الخطيرين” ونعتهم بـ” عصابة دولية تنشط في مجال المخدّرات “، وذلك وفقا لما أكّدته له مصادر رسميّة…

ثانيا، إنّ الارتفاع النسبي للألفاظ المستعملة للإجابة عن سؤال “من قام بالحدث” لا يعني بالضرورة الإجابة عن السؤال، فالكثير من الألفاظ الواردة بالصحف المذكورة طغت عليه الضبابيّة والغموض ولم ترتق إلى مستوى الإجابة عن السؤال المطروح (من قام بالحدث؟) على غرار “.. هذه الشرذمة الخطيرة من عشّاق الظلام وعبدة الإيديولوجيات الفاسدة”35 أو “عصابة خطيرة”36 أو “مجموعة مسلحة… يتعلّق الأمر بإحدى المجموعات السلفية”37…

ثالثا، حاولت بعض الصحف ملء الفراغ المتعلّق بالإجابة عن هذا السؤال من خلال التركيز على عنصرين من المجموعة، وهما “ربيع باشا” و”لسعد ساسي” مثل القول “زعيم العصابة كان موظّفا بأحد الأسلاك العمومية وغادر الوظيفة وتدرّب بأفغانستان ثم عاد على رأس عصابة لتونس”38 أو “ربيع باشا ابن الاثنين وعشرين ربيعا”39… دون تقديم توضيحات أخرى عن بقية المجموعة المشاركة في الحادثة.

{{السؤال الخامس، لماذا وقع الحدث؟}}

إذا كانت الإعلانات الرسمية الثلاثة الأولى والواردة بوكالة الأنباء (وات) تجاهلت بشكل واضح الإجابة عن هذا السؤال، فإنّ الصحف التونسيّة بدورها لم تتمكّن هي الأخرى من الإجابة عنه، إذ شكّل خطّا أحمر حاولت الابتعاد عنه قدر الإمكان. لأجل ذلك سجّلنا أقلّ نسبة من الكلمات المستعملة لهذا الغرض والتي لم تتجاوز الـ 154 كلمة من جملة 5540 كلمة، ولم تتجاوز نسبتها الـ 2.78%، تجرأت صحيفة “الصريح” أكثر من غيرها من الاقتراب من هذا الخطّ الأحمر وذلك بنسبة 5.59% ثمّ تلتها “الصباح الأسبوعي” (3.99%) ثمّ “الصباح” (3.24%) ثمّ “الشروق” (3%) وأقلّ نسبة كانت في صحيفة “أخبار الجمهوريّة” (0.81%) وكذلك “الإعلان” (1.51%).

كما تجدر الإشارة إلى ملاحظة أساسية، وهي أنّ العبارات والألفاظ المستعملة لم ترتق هي الأخرى إلى مستوى الإجابة عن سؤال “لماذا وقعت الحادثة” أو الهدف من الحادثة، مثل “مخطّط إجرامي وإرهابي يستهدف تقويض أمن واستقرار البلاد”40 أو “تنفيذ عمليات إرهابية بتونس”41 أو “للنيل من وطننا ومن مكاسبه وانجازاته”42…

|||||
|{{الصحيفة}}|{{عدد الكلمات}}|{{الـ %}}|
|الإعلان|19|1,51|
|الصريح|21|5,59|
|أخبار الجمهورية|4|0,81|
|الصباح|44|3,24|
|الصباح الأسبوعي|17|3,99|
|الشروق|49|3,00|

{{حوصلة عامة}}

حاولنا من خلال الجزء الأوّل من دراستنا التركيز على البعد التأثيري لوسائل الإعلام على المتقبّلين للرسائل الإعلاميّة، وخاصة علاقتها بانتشار وتغذية الظواهر الإجراميّة، مستعينين في ذلك ببعض الدراسات متعلّقة بعلم النفس، أو علم الاتصال أو علم الاجتماع.

أمّا الجزء الثاني منها، فقد اعتمدنا بشكل أساسيّ على نموذج سبق أن استعمله عالم الاجتماع الأمريكي هارولد لازويل Harold Lasswell، وحاولنا تطبيقه في رصدنا للصحف التونسيّة عند تناولها حادثة “سليمان” بعد التعديلات التي قمنا بها على النموذج المذكور.

واستهدفنا من وراء هذه الدراسة، سواء من خلال الجزء الأوّل أو الثاني، التأكيد على أنّ دور علم الاجتماع لا يرتبط فقط بالمقاربات التفسيريّة والتحليليّة للظواهر الاجتماعيّة، أو المقاربات التفهميّة… بل يمكن لعلم الاجتماع عبر آليات بحثه وتقنيات عمله أن يقدمّ إضافته عبر ما يمكن تسميته بـ “المقاربات التقييميّة” والرصديّة. كما أنّنا لا نقدّم النموذج الذي اعتمدنا في الجزء الثاني من البحث كنموذج نهائي، بل يبقى نموذج افتراضيّا أو تجريبيّا قابلا للتعديل والإضافة.

{{المراجع}}

محمد عبد المولى “عصر الصحافة العملاقة” دار الصيّاد. بيروت .1991.

أديب مرّة “الصحافة العربيّة نشأتها وتطوّرها”، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت 1971.

انشراح الشال “دراسات في علم الاجتماع الإعلامي: مدخل إلى علم الاجتماع الإعلامي” مكتبة نهضة الشرق جامعة القاهرة 1985

صباح توجاني “التناول الإعلامي لقضاء الإجرام في تونس: تحليل مضمون ركن القضاء بالصحافة اليوميّة والأسبوعيّة”رسالة خدم الدروس الجامعيّة بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار، 1991- 1992

د. علي بن فايز “الإعلام الأمني والوقاية من الجريمة” – أكاديميّة نايف العربيّة للعلوم الأمنيّة – مركز الدراسات والبحوث الرياض عدد 204 سنة 2000 -عن مجلّة الشرطة، الإمارات عدد 90 .

ليليان لورسا مجلّة ثقافة عالميّة، ترجمة محمد قصيبات، العدد89 -1998 .

صحيفة “الشروق” الصادرة يوم 28- 03- 2006

لطفي سعيد صحيفة “الإعلان” الصادرة يوم الجمعة 12 جانفي 2007

صحيفة “أخبار الجمهورية” الصادرة يوم 28 ديسمبر 2006

سفيان الأسود صحيفة “الشروق” الصادرة يوم 9 جانفي 2007

صحيفة “الصباح الأسبوعي” الصادرة يوم 8 جانفي 2007

برهان بسيس صحيفة “الصباح” الصادرة يوم 14 جانفي 2007

نور الدين عاشور صحيفة “الصباح” الصادرة يوم 16 جانفي 2007

كمال الطرابلسي صحيفة “الصباح” الصادرة يوم 7 جانفي 200

{{سامي نصر: باحث سوسيولوجي من تونس}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق