محمد الشرفي: فقيد الفكر الحر، مصلح برامج التعليم بتونس (2) الأصولية والتعليم في البلدان العربية

 كتاب “الإسلام والحرّيّة : سوء التفاهم التاريخيّ” حرّره الفقيد محمد الشرفي ونشره  بالفرنسيّة سنة1999، ثم ترجمه إلى العربيّة، فصدر سنة 2007 عن رابطة العقلانيين العرب ودار بترا (دمشق). وقد انتخبنا منه هذا المقتطف الذي يشير، منذ أواخر التسعينات، إلى خطورة المناهج التعليمية السائدة في العالم العربي :

عَرفت جميع البلدان العربية، كل حسب أوضاعه الخاصة، نوعاً من التلاعب بالنظام التربوي الناشئ عمّا يمارسه التقليديّون من ضغوط أو مناورات. وقد كان، في أغلب الأحيان، ثمرةً لسياسة غوغائيّة أو نتيجةً لِعَدَم الوعي بأهمّية الرهان وسوء تقدير لخطورته، وربما كان الوضع الحالي نتيجة العوامل جميعها متضافرةً.
وعند النظر في الأنظمة التعليميّة والتربويّة العربية يكتشف الباحث وجود عدد من العوامل تذكّرنا بتلك التي رصدناها في البلاد التونسية. وتُمثِّل وضعيّة الزيتونة، بالخصوص، تشابها في جميع الأوجه مع تلك التي عليها كل من الأزهر بالبلاد المصريّة، والقرويين بالمغرب الأقصى.
فجامعة الأزهر المصريّة قد ضيّعت على نفسها، هي أيضا وكنظيرتها الزيتونة، فرصة تحديث نفسها، لأنها بفعل روحها التقليديّة قد قاومت جميع المحاولات التحديثيّة التي اتخذتها السلطات السياسية المتلاحقة في الفترة المتراوحة بين سنتيْ 1805 و1952( 1).
وليست هذه الحالة المستمرة التي ميّزت كلاً من البلدان الثلاثة، مصر وتونس والمغرب، مقتصرة عليها دون سواها، بل إنها تمثل القاسم المشترك الذي يشمل سائر البلدان العربية. وهو وضع لا يبشر بخير.
وفي سنتي 1996 و1997 أشرف المعهد العربي لحقوق الإنسان، الذي مقرّه بتونس، على إنجاز دراسة حول موضوع “التربية وحقوق الإنسان” من خلال البرامج والكتب الرسميّة المقررة في اثنتيْ عشرة بلدا عربيةً، انخرطت جميعها في الآليات العالميّة المتّصلة بحقوق الإنسان.
وأثبتت التقارير الوطنية الخاصة بالبلدان المعتمدة في الدراسة أنّ أشكال التعليم المخالف لحقوق الإنسان موجودة في جميعها، حتى وإن اختلف تواترها وتفاوتت خطورتها من بلد إلى آخر. ولأننا لسنا بصدد تقديم دراسة مُقارنة ولا حتى رسم جدول شامل فإننا سنكتفي، في هذا الصدد، باستعراض بعض النماذج المعبّرة في إبانة والكاشفة في تجل.
ففي الكتب الدراسية الموجهة إلى التلاميذ بالسودان يكتشف المرء الحضور المكثف لـ”الجهاد” والتأكيد والإلحاح عليْه. ولئن كان ذلك تفسّره أوضاع الحرب التي تدور رحاها بين المسلمين وغير المسلمين، والتي مضت على اندلاعها سنوات عديدة، فإنه لا يبرره خاصّة وأنه يرد في إطار تمجيد العنف والتذكير المستمر بأحكام الفقه المتعلقة به( 2).
ويدور الحديث في المتون المدرسية المصرية عن التسامح، ولكن ذلك يكون مشفوعا بالقول إنّ الإسلام هو الدين الحقيقي الوحيد(3). كما يرد ذكر المبدأ الفقهي الخاصّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع إضافة تفسير يتحدث عن مقاومة المنكر، أو الشرّ، بالكلام وبالفعل، وهو ما يمثّل تبريرا لا يكاد يخفى للعنف المُمارَس من قبل بعض جماعات الأصوليين ضدّ الدولة والأشخاص(4 ).
وأمّا المرأة فإنها تظهر دائما في وضعيّة دونيّة بالنسبة إلى الرجل، فالأمّ في المطبخ والأب في المكتبة(5 ). ولا يقتصر الأمر على واقعة اجتماعية بل يتعلق بقاعدة دينية، ناهيك أن كتابا يمنيّا يذهب بالأمر إلى أبعد من ذلك، إذ يذكّر بالقاعدة الفقهية التي تعتبر أن طاعة المرأة لله عزّ وجل، أي إسلامها، غير مقبولة ما لم تشفع بطاعتها لزوجها، وعلى هذا النحو تكون صلاة الزوجة غير مقبولة يوم يكون زوجها غاضبا عليها، وهو ما يوجب عليها طاعة دائمة( 6).
وأمّا التقديم التمجيدي لتاريخ الإسلام فلا يقتصر وجوده، في جل البلدان العربية، على كتب مادة التربية الدينية بل نجده مبثوثا في الكتب المقررة لمواد أخرى. ولنكتفِ للدلالة على ذلك بهذه الفقرة الواردة في الكتاب المغربي المخصص لدراسة قواعد اللغة العربية( 7)، والتي جاء فيها ما يلي: “كان هارون الرشيد فصيحا كريما هماما ورِعا يحج سنة ويغزو سنة وكان أديبا فطنا حافظا للقرآن الكريم، كثير العلم، سليم الذوق، صحيح التمييز، جريئا في الحق…”. وإذا علمنا أن هارون الرشيد الذي كان فعلا من كبار الخلفاء العباسيين لم يكن وليا صالحا (كما تشير إلى ذلك كثرة الجواري عنده وسهرات الأنس)، ولا حاكما عادلا (كما تشير إلى ذلك بجلاء طريقة معاملته للبرامكة)، إذا علمنا ذلك وقفنا على المسافة الفاصلة بين الواقع التاريخي والصورة المثلى التي تقدم عنه.
والكتب المدرسية المغربية، شأنها شأن الكتب الأخرى في البلدان الإسلامية، تعلِّم الناشئة وتبرر لهم العقوبات الجسدية التي جاء بها الفقه بدءاً من الجلد بالسوط حتى الرجم ( 8). ومن مفارقات الأمور أن يقع في مدارس الدولة تعليم أحكام تُدرّس على أنها من صميم الدين الإسلامي، في حين أنها ـ كما سبق أن رأينا ـ ليست من صميمه وإنما هي تقاليد قديمة أصبحت الآن منافية لقوانين البلاد وممارستها. فلو اقتصر الأمر على تعليم تلك التقاليد في بُعدها التاريخي، ووضِعت تحت مجهر الفكر النقدي لتفسير الأسباب التي جعلت المشرع الحديث يتركها، لكان في ذلك غُنْمٌ يتيح للتلميذ أسباب الاندماج في وسطه الاجتماعي ويهيّئه لقبول قيم الحداثة دونما انسلاخ عن ثقافته الأصلية. غير أن الأمر لا يجري هنا هذا المجرى، بل إن النص المدرسي يؤكد بوضوح( 9) أن الحرية لا يُسمح بها إلا إذا كانت لا تتعرض للشريعة، وأن العقل أو قل الفكر النقدي لا بد أن يلتزم بحدود الشريعة، وهي حدود لا مجال لنقدها( 10).
إن أغلب النصوص المدرسية تستخدم استخداما هدفه جعل التلميذ يعيش في “وسط إسلامي” يحيط به من كل جانب، إذ نجد على سبيل المثال في كتاب القراءة للسنة السادسة من التعليم الأساسي بالمغرب، وهو مبدئيا كتاب لغة وليس كتاب تربية إسلامية، أن محاور الدروس الأولى تُقدَّم على النحو التالي: الدرس الأول: آيات قرآنية. الدرس الثاني: أخلاق وآداب وأحاديث نبوية. الدرس الثالث: أنا مسلم. الدرس الرابع: الإسلام والشورى. الدرس الخامس: آيات قرآنية. الدرس السادس: أفضل صائم،… الخ( 11).
وبوجه عام فإن التعليم في البلدان العربية والإسلامية من شأنه أن يهيئ بطبيعته الظروف الملائمة لتنامي الأصولية( 12)، وهو في حاجة إلى أن يُخلَّص من جميع العناصر المناقضة لحقوق الإنسان وأسس الدولة الحديثة، عسى أن تستطيع المدرسة في آجال متوسطة المدى المساهمة في تخليص المجتمع من الأصولية الدينية، بفضل إصلاح جذري يدخل على النُظم التربوية إصلاحا سماه عبده الفيلالي الأنصاري “تقويم الأعماق”( 13).

 


 



 1- انظر: Cf. M. Zeghal, Gardiens de l’islam, les oulémas d’Al Azhar dans l’Egyptte contemporaine, Presse de Sciensces politiques, Paris, 1996, p. 59-60
 2- راجع بالخصوص: التربية الإسلاميّة، السنة الثالثة من التعليم المتوسط، ص ص 8 ،15، 37، 40، وكتاب السنة الخامسة، ص 83، إلى غير ذلك..
 3- راجع كتاب التربية الإسلامية، الصنف الثاني إعدادي، ص 40.
 4- تقرير المعهد العربي لحقوق الإنسان: تقرير حول مصر ص 39. راجع أيضا في خصوص نقد الكتب المدرسية المصرية ن. ح. أبو زيد: نقد الخطاب الديني، ط سينا، القاهرة، 1992، ص 104.
 5- كتاب القراءة المصري السنة الأولى ابتدائي، ص 28 و30.
 6- كتاب التربية الإسلامية ـ إعدادي ـ الصف الثالث، ص 37.
7 – المدرسة الأساسيّة، السنة الثامنة، ص 175.
 8- انظر كتاب التربية الإسلامية للسنة الثانية من التعليم الثانوي، طبعة 1996، ص 85 وما يليها.
 9- التربية الإسلامية، السنة التاسعة من المدرسة الأساسية، 1996.
 10- انظر المتن المدرسي المغربي بعنوان الفكر الإسلامي والفلسفة، 1996.
 11- كاتب القراءة العربية السادسة أساسي.
 12- في نقد كيفية تدريس التاريخ بالجزائر، انظر: أعمال ملتقى تدريس التاريخ 26-27 شباط-فبراير 1992. مركز البحوث في الانتروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، وهران، 1995.
 13- انظر: A.F. Ansary, “ Entre foi profonde et lucidité assumée ”, in Prologues, Casablanca, (1997), p. 6

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق