محمد الشرفي: فقيد الفكر الحر، مصلح برامج التعليم بتونس (3) هناك يد تمحو الأسماء…

استأذن مرضه نيابة عنه منذ زمن، قال سيأخذه. لم يجب أحد. بقينا ننتظر. فغادر من باب مرضه ليدخل باب عزائنا فيه: ما بقي منه.

هناك يد تمحو أسماء من كتبوا تاريخ هذا الوطن. ويد أخرى تمنع كتابة أسماء جديدة، فيما يشبه التعطيل، ومنع الولادة والخلق.

محمد الشرفي، ممن “كتب”، وأصاب في كثير من الجمل الطويلة التي ستحفظ له (قولا أو فعلا)..

واخطأ أو ارتعشت يده في غيرها. وهي باقية تحاور شقيقاتها، فيحاججنها، ونحاججها.. ذلك شأن من “فعل”، وله أثر يبقى، يطرح أجوبته، ويتركها لنا كالأسئلة.

محمد الشرفي، من عناوين المواجهات بين الفكر العقلاني، الذي هو منه، والفكر الرجعي بكل تلويناته… وقد تحالف مع بعضه زمنا، ثم عاد ليشطب ويعيد صياغة مواقفه.. وهو من عناوين الجدل الدائم، والفعل المتعدد والممارسة الثرية.
سينام الآن، و”يسهر القوم جراها ويختصم”.

… في بداية علاقتي بالفضاء الجامعي في تونس، كان كل من حولي يشير أن هذا الرجل: محمد الشرفي، سبب كل البلايا بسبب القانون الذي وقع اعتماده في عهده كوزير للتربية والتعليم، وهو قانون مُنع بموجبه العمل السياسي داخل الجامعة سنة 1991… ومنتقدو هذا القانون يسمونه: “قانون الشرفي”.

لقد كنت، ولازلت، ضد هذا القانون، رغم أنني فضلت النشاط النقابي في الجامعة، وكنت أرفض النشاط السياسي. لكنني اعتبر أن هذا القانون مناف للحريات وقامع للشبيبة الناشطة في ممارسة حقها وواجبها كلما اختارت من النشاط السياسي أداة لها.

وقبل 11 عاما التقيت بالسيد محمد الشرفي مع بعض الأصدقاء في إطار أحد لقاءات المنظمات غير الحكومية “inter-associative ” بتونس، وكنت من المبادرين، حينها، بتلك الأنشطة. فسارعت (لا اعلم كيف؟) بمصارحته بكل الكلام الذي قلته فيه وكل النعوت التي وصفته بها.. كنت كالمعتذر دون اعتذار، أسوق له ما يشبه الاعتذار على نعوتي “السيئة” له وأتمسك بأنه كان مخطئا.. فتقبل مني، ربما لرحابة صدره، أو لأن من قدمني له هيأه للأمر تحسبا من حدتي في التعبير عن بعض مواقفي…

إن أكبر أثر تركه “محمد الشرفي” ما كتب، وهو أمر مهم، في إطار ما تقدمه المعرفة للمجتمع حتى يمكن مواجهة كل الظواهر التي تهدد قيم الحداثة والعقلانية.. كما أنه ترك الكثير من المواقف الجدية التي طبعت صفحات مسيرته.


لقد رحل المناضل الحقوقي، والأستاذ القدير.

والوزير الذي أغضبنا، حينما كنا لا نرى، من فعله، إلا ما يُغضبنا…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق