محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (7)

"إن الفيلسوف الذي لا ينتج الإيديولوجيا، هو أخطر فيلسوف. إنه يعيد إنتاج إيديولوجيا سابقة"

نحن والتراث     

            دشّن الراحل "ورشة رشديّة ثانية" في تاريخنا الثقافي العربي. لكنّها ورشة  تغيّت ردّ الاعتبار، في الآن نفسه، للقول "العقلاني" وللقول"المغاربي"في خضمّ المشترك المزمن من قضايا العرب والمسلمين ماضيا وراهنا. أو بعبارة أخرى، ههنا قول واحد وهدفان اثنان متلازمان – لاعتبارات تاريخية- تلازمَ الذاكرة والحلم: تهافت الغزالي وفرية الصاحب بن عباد(1). لا نهضة من دون عقل، ولا عقل من دون إنصاف. فما الضير أن تكون لعقلنا الناهض جغرافيا عرضية ومنزاحة عن مركزها باستمرار، بل أسماء متجدّدة – بعد المعتزلة والفارابي- من قبيل ابن حزم والشاطبي وابن خلدون وابن رشد وأضرابهم؟ ولعلّ  "السيرة الذاتية" التي كتبها الراحل"من بعيد" أن تكشف عن جانب من  تلك الاعتبارات التي ذكرنا، لأنها تؤرّخ   لجيل بأكمله  وتترجم عنه تكوينا وبنية، وتندّ عن أن تكون محض وثيقة "شخصية"(2). نقرأ له ما كتب عن "ظلامية" السينوية في "نحن والتراث"، وللتوّ يحضرنا ماركس وغرامشي والأنوار، لكن قليلا ما نستحضر بعض أجندة "الإصلاحية الوطنية" العربية، والمغاربية تحديدا، وامتداداتها  -الواعية أو اللاواعية- في خطاب اليسار ومقالات مثقّفيه. السينوية والطرقية، مملكة الإشراق وسلطان السادات، "العقل المستقيل" والاستبداد : من ينكر الوشائج؟ فالشيخ الرئيس – يقول الجابري- هو "من  أولئك الفلاسفة الذين لم يكونوا يقدّرون ما يفعلون. لقد كرّس اتجاها روحانيا غنوصيا كان له أبعد الأثر في ردّة الفكر العربي – الإسلامي وارتداده عن عقلانيته المتفتحة التي حمل لواءها المعتزلة وبلغت أوجها مع الفارابي.. إلى لاعقلانية ظلامية قاتلة لم يعمل الغزالي والسهروردي وأمثالهما إلا على نشرها وتعميمها  في مختلف الأوساط والمجالات"(3).                     .

             والحال أنّه ما كانت العودة إلى  ابن رشد أن تكون إلا "تأويلية" ومصطبغة بلون طموحاتنا التاريخية وطعم هزائمنا الثقافية المتتالية. نقول: وما كان لـ"الدرس الإبستمولوجي" الذي هيّأ له الجابري وتوسّل به، عبر مختلف مراحل مشروعه النقدي، إلا أن يكون  درسا منتخبا ومنتقى بعناية و"تصرّف". وقد نبّه إلى ذلك بعض كبار تلامذة الراحل  قبل خصومه. فالإبستمولوجيا من أجل الإبستمولوجيا  "ترف فلسفيّ" لا يناسب وضعية المثقف العربي التاريخية هنا والآن، لا لأنّ عرب الراهن لا  ينتجون "العلم"  فحسب، بل لأن قصارى ما يرنو إليه هذا "الترف" موضوعيا هو أن "يعيد إنتاج إديولوجيا سابقة"(4). بهذا المعنى لا يشكّل الـأ"مدخل إلى فلسفة العلوم" الذي أصدره الراحل عام 1976م منعطفا حقيقيا في تاريخ المشروع. إنّ إبستمولوجيا الجابري تمتح، على المدى البعيد، من التقليد المنهجي الأصولي  أو – تجاوزا- "الإبستمولوجي" الذي أرساه "القول العقلاني المغاربي" في لحظته الحزمية-الرشدية، حيث جرت- بعبارة الراحل- محاولة إعادة تأسيس "البيان"على "البرهان"مع إقصاء"العرفان"رديف"العقل المستقيل". يحرص مؤلف "المدخل"على تعيين الفئة التي ينتمي إليها قرّاؤه- والتعيين إقصاء كما قيل- فيصف الكتاب  بأنّه "مجرّد مدخل، هدفه متواضع، وهو تمكين الطالب والمثقف غير المتخصص من الإطلالة على الفكر العلمي الحديث والمعاصر"(5).قد يبدو الأمر طبيعيا  لولا أنّ فقرة سابقة من نفس مقدمة الكتاب تضمّنت إشارة إلى زمننا العربي الذي عظمت فيه الحاجة – يقول المؤلف – إلى "تحديث العقل لعربي" و"تجديد الذهنية العربية"(6). ألسنا هنا بإزاء برنامج "الإبستمولوجيا" التي سيحتفل بها مشروع "نقد العقل العربي" والذي مهّد له الراحل بمقالات "نحن والتراث"؟ ألا يكون المشمول بالإقصاء الذي ذكرنا هو هذا "الترف الفلسفيّ" المتحرّر قسرا من شرطه التاريخي والمجتمعي ومن "تلك الصبغة الإيديولوجية التي لا بدّ أن يتضمّنها، صراحة أو ضمنا، كلّ بحث إبستمولوجي"؟(7).                                                                                  

              حظيت  الإبستمولوجيا الناطقة بالفرنسية في "المدخل" بنصيب الأسد : البلانشاوية والباشلارية والبياجية، إلخ. مشفوعة بين الحين والآخر باستدراكات من "الديالكتيك" المادي : ماركس، إنجلس، شودولسكي، إلخ. هذه "النواة الصلبة" المجتباة بعناية هي التي تفسّر الغياب شبه التام للدرس الإبستمولوجي الأنجلوساكسوني، فضلا عن إبستمولوجيات ما بعد الحداثة الموسومة من لدن دعاة "العقلانية الفولاذية" تارة بالمثالية واللاعقلانية"الهدّامة"وطورا  بالفوضوية والنسبانية بل العدمية. استعار الجابري  بعض مفاهيم فوكو وليفي شتراوس وغيرهما، لكنّ ذلك لم يثن بعض قراء "نقد العقل العربي" عن التنويه بمنزعه البورباكي – البلانشاوي : الأكسيومي (8). إنه الأقرب إلى الروح الرشدية.  فهل سعى المشروع إلى توسيع دائرة مخاطبيه، من الأجيال والمثقفين، بدون خسارة ؟ مقابل ذلك، نبّه آخرون إلى مطبّات "الكولاج" الإبستمولوجي الذي طبع  ثلاثية الراحل(9). وعدّ هذا من شناعات المشروع. ولعلّها أن تكون شناعاتنا جميعا إن صحّ فعلا أنها كذلك، لأنّ "نقد العقل العربي"مشروع جيل، بل أمّة بأسرها . فتعالوا نصوّب الرمي! فإنّ العلم :"لا يحتمل التسليم للرؤساء، والقبول منهم ولا مساهلتهم وترك الاستقصاء عليهم".قالها الرازي(10). ولنواصل أشغال الورشة التي دشّنها الراحل بعد أسلاف أحبّوا العقل، فأحبّهم التاريخ…

                                                                                                              
هوامش:

                                                                                                                    

1- حسن حنفي و م.ع. الجابري، حوار المشرق والمغرب : نحو إعادة بناء الفكر القومي العربي.المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت ، ط.الأولى،1990، صص 17-18.

 

2- م.ع. الجابري،حفريات في الذاكرة:من بعيد. مركز دراسات الوحدة العربية، ط.الأولى، بيروت،1997، ص 229-230: "لا أتصوّر سيرة ذاتية خاصة لحياة فرد واحد، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بروبانسون كروزوي، أو بـ"أسال" قصّة حيّ بن يقظان (…) ولذلك فعندما كنت أكتب عن تجربتي، كنت أتكلم في الوقت نفسه عن جيل بأكمله وعن مرحلة تاريخية بأكملها"                                                                                                                      

3- م.ع.الجابري، نحن والتراث : قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي.المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، ط. السادسة،1993، ص165.                                       

4- نفسه، ص149.                                                                                       

5- م.ع.الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم:العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي. مركز   دراسات الوحدة العربية،بيروت،ط.السادسة،2006، ص14.                                                                                               

6- نفسه، ص11

7- نفسه، ص48.

8- م.ع.الجابري، التراث والحداثة : دراسات ومناقشات. مركز دراسات الوحدة العربية، ط.الأولى، بيروت،1991،ص 280

9- جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي،دار الساقي،بيروت،ط.الثالثة،2007، ص290 وما بعدها. وقارن: م.ع.الجابري،التراث الحداثة…، مذكور، ص287                                                                                         

10-الرازي، أبو بكر محمد بن زكريا، الشكوك على جالينوس. تح. مهدي محقق،المعهد العالمي للفكر والحضارة الإسلامية، ط.الأولى ،1993، ص1.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق