محمد عابد الجابري والفكر النّقديّ (8)

يعتبر مفهوم النهضة من المفاهيم التي تعدّدت معانيها ودلالاتها في الخطاب العربي المعاصر، لذلك يكون كل مستعمل لهذا المفهوم مطالبا بتحديد معناه ودلالته. لأنه وكما قال الجابري " ليس هناك ما هو أكثر إثارة لسوء التفاهم وخلق المشاكل المزيفة من عدم تحديد المفاهيم"(1)، فما نقصده هنا بمفهوم النهضة هو الخروج من حالة الأزمة التي يعاني منها الوطن العربي على كافة المستويات، ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ومما لا شك فيه أن الجابري ومنذ كتابه عن ابن خلدون "العصبية والدولة" أظهر انشغالا بمسألة النهضة بالمعنى الذي ذكرنا، لذلك نعتقد أن دراسته للتراث لم تكن دراسة تحقيقية فيلولوجية، هدفها المعرفة الموضوعية وهو  قد كان واعيا بذلك، حيث نجد من بين تصريحاته في كتابه العصبية والدولة: "وإذا كنا ندّعي أحيانا أننا ندرس التاريخ، سواء تاريخ الأفكار أو الحوادث، من أجل المعرفة لذاتها، فإننا في الحقيقة إنما نخفي أو نتجاهل، بقصد أو بدون فصد، عنصرا هاما، من العناصر التي تدفعنا إلى دراسته ألا وهو: اهتماماتنا المعاصرة، ومشاغلنا الراهنة"(2). 

ويظهر أن انخراط  الجابري في التراث العربي الإسلامي بحثا ودراسة ونقدا، كان نابعا من اعتقاده أن النهضة العربية لا تتحقق إلا بالعودة إلى الأصول، والوقوف على كيفية تشكلها وتمييز المعقول منها عن غير المعقول، بغية بناء الذات العربية وتطوير وعيها لتساير الفكر الإنساني المعاصر، فالتراث أمر يفرض نفسه على الجميع رغم ادعاءات البعض بتجاوزه، حيث لا يمكن الحديث عن الدرجة الصفر من الوعي، فالقارئ، وكما يرى الجابري، "مؤطر بتراثه، بمعنى أن التراث يحتويه احتواء يفقده استقلاله وحريته. لقد تلقى القارئ العربي، ويتلقى، تراثه منذ ميلاده ككلمات ومفاهيم، كلغة وتفكير، كحكايات وخرافات وخيال، كطريقة في التعامل مع الأشياء، كأسلوب في التفكير، كمعارف وحقائق"(3). على هذا الأساس كان الجابري يرى أنه يجب علينا أن نتملك هذا التراث أولا ليسهل علينا تجاوزه فيما بعد، وهنا يجب الانخراط فيه بخلفية تطويعه لمواجهة  أسئلة العصر الراهن ورفع تحدياته، وليس لدراسته كما يفعل بعض المستشرقين الذين همّهم بالدرجة الأولى  هو المعرفة الموضوعية المحايدة، بل إننا كدارسين عرب ننتمي إلى هذا التراث رغما عنا، فـ"لا نستطيع أن ننظر إلى موضوعنا "التراث" نظرة محايدة لا مبالية، فالهاجس الإيديولوجي حاضر فينا ودوما عندما نكون إزاء موضوع من موضوعات التراث"(4).
 
ويمكن القول إن الهاجس النهضوي، عند الجابري، لم يكن مقتصرا على مجال دراسة التراث، بل كان حاضرا في كل كتاباته، ففي الكتابات التربوية والنظرية المتضمنة في كتاب "رؤية تقدمية لبعض مشاكلنا الفكرية والتربوية" كان الرجل مستحضرا للأسئلة النظرية والتربوية التي بإمكانها تقديم رؤية جديدة تخلص الفكر العربي من الرؤى التقليدية. أمّا كتابه "الخطاب العربي المعاصر" فهو بمثابة عمل تشخيصي  وتقويمي للخطاب العربي المعاصر الذي بواسطته يمكن رسم صورة عامة للعقل العربي والكشف عن البنيات العميقة المتحكمة فيه، حيث يمكن القول إن نقط ضعف الخطاب العربي المعاصر هي التي قادت الجابري  إلى البحث في مكونات العقل العربي والتي حددها في ثلاثة نظم معرفية البيان العرفان والبرهان، وقد كان هذا أوّل جزء من مشروعه النقدي "نقد العقل العربي" الذي يحوي أربعة أجزاء: " تكوين العقل العربي" و"بنية العقل العربي" و"العقل السياسي" ثم " العقل الأخلاقي العربي".

     لقد اختار محمد عابد الجابري  أن يتعامل مع القضايا العربية الإسلامية بتأسيسه لرؤية خاصة تتجاوز ثنائية: مرجعية عربية إسلامية مقابل مرجعية غربية، فالصراع بين دعاة العودة إلى الأصول وبين دعاة التغريب يشكل، في نظر الجابري، عنصرا من عناصر الأزمة العربية وعائقا من عوائق أي نهضة تتطلع إليها الأمة العربية. لذا فهو يقترح طريقة جديدة في التعامل مع قضايا الفكر العربي المعاصر مستحضرا الواقع  كما هو ومتجاوزا الثنائية الإديولوجية تراث/غرب. ومن أهم المسائل التي شغلت بال الجابري والتي تعتبر لبنة أساسية في بناء صرح النهضة العربية، هناك مسألة الهوية، أي هوية العالم العربي الممتد من المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، فتعيين المحددات التي تقوم عليها هذه الهوية، عمل الجابري  على عرض رأيين متقابلين : رأي يعتقد أن الإسلام هو المشكل للهوية بحجّة أن الدين يعلو على القومية، ورأي آخر يعتقد أن العروبة هي المحددة للهوية. 

ولقد ناقش الجابري  أدلة الفريقين معا ليحسم الأمر بقوله إنّ كلا منهما محقّ فيما يثبت وغير محقّ فيما ينفي، مشيرا إلى أن المسألة هنا ليست من "المسائل التي تحل بالإثبات أو بالنفي… بل المطلوب مراجعة المواقف جميعا بالبحث في مرجعيتها المعرفية وأصولها التاريخية"(5) ثم عمد الجابري، بعد ذلك، إلى تمحيص أطروحة كل فريق لتحديد مفهومي العروبة والإسلام مستنتجا أن التحليل التاريخي لظهور وتطور ثنائية العروبة والإسلام في الخطاب العربي المعاصر يظهر أن التقابل الذي يقام بين العروبة والإسلام ليس سوى تقابل زائف، لأن العروبة سواء بالمعنى الذي لها في المرجعية التراثية أو الذي لها في المرجعية غير التراثية شيء والإسلام بمختلف المضامين التي تعطى له شيء آخر. من هنا، فلا معنى لطرح ثنائية عروبة أم إسلام لتحديد هوية بلدان العالم العربي، لأن هوية هذه البلدان تتحدد بأشياء أخرى حيث يقول : "هذه البلدان هي عربية لا بالفصاحة ولا بالنسب، ولا بالدين بل باللغة والثقافة والتاريخ والمصير الواحد المشترك"(6).

وترتبط مسألة الهوية بالمسألة الثقافية ارتباطا وثيقا، حيث إن هذه الأخيرة تتحدد، حسب الجابري، بمفهوم الوطن العربي كماض وحاضر ومستقبل، فهذا الوطن كفضاء جغرافي متنوع ومسكون بشعب متعدد على مستوى الأعراق، يعيش وحدة على صعيد الوعي، أي أن هناك تعددا واختلافا من جهة، ونزوعا نحو الوحدة والائتلاف من جهة أخرى. وإذا تساءلنا عن مصدر هذا المظهر الوحدوي المهيمن على وعي الشعوب العربية، فإن الجابري يجيبنا: إنها الثقافة، ذلك العنصر الوحدوي الذي يفرض الوحدة على كل الأقطار العربية، لذلك فلابد من التخطيط لثقافة المستقبل بإعادة تأسيس ثقافة الماضي في وعينا ثم الانخراط في مسلسل التطور العلمي والتكنولوجي الذي يطبع الحضارة المعاصرة. 

إن مسألتي الهوية والثقافة من القضايا الأساسية التي تشكل قوام الفكر العربي المعاصر وتعبر عن هموم كيانه ، ونشير إلى أن صاحب رباعية "نقد العقل العربي" قد اعتمد في معالجته لهذه القضايا على نوع من النقد المزدوج، متمثل في نقد الأطروحات التي تستلهم الفكر الأوروبي كمرجعية دون الأخذ بعين الاعتبار الخصوصية التاريخية والحضارية للأمة العربية، ثم في نقد الأطروحات التي تتبنى المرجعية التراثية التي تتغاضى عن الواقع المعاصر وتعقيداته. فالأطروحات الأولى تسعى، في نظر الجابري، إلى بناء الفكر العربي المعاصر على أسس غير نابعة من الواقع الذي تنظر له، أما الأطروحات التراثية فإنه تسعى إلى الإجابة عن الأسئلة الراهنة للواقع العربي بأجوبة مستقاة من واقع مغاير، أي واقع الأمس. وهكذا نجده ينتقد الفكر العربي المعاصر بقوله: "الفكر العربي الحديث والمعاصر هو في مجمله فكر لا تاريخي يفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية، ولذلك كانت قراءته للتراث قراءة سلفية تنزه الماضي وتقدسه وتستمد منه الحلول الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل. وإذا كان هذا ينطبق بوضوح كامل على التيار الديني فهو ينطبق أيضا على التيارات الأخرى باعتبار أن لكل منها سلفا يتكئ عليه ويستنجد به. هكذا يقتبس العرب جميعا مشروع نهضتهم من نوع الماضي، إما الماضي العربي الإسلامي وإما "الماضي – الحاضر" الأوروبي، وإما التجربة الروسية أو الصينية أو… والقائمة طويلة"(7).

وبعد نقده للأطروحتين معا  قدم الجابري اقتراحا تجلى في الدعوة إلى  طريقة في التفكير تخطط للمستقبل حسب ما يقتضيه الواقع ومتطلبات الوقت الراهن وليس كما تمليه هذه المرجعية أو تلك. إنها طريقة أكثر موضوعية لتجاوز الأسئلة المزيفة، قصد مواجهة الأسئلة الحقيقية كسؤال: كيف يجب أن ندرس الواقع وكيف يجب النهوض بهذه الأمة وتجاوز الأزمة. 

وبغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا مع تصور الجابري  لسبل تحقيق النهضة المرجوة، إلا أنه لا يسعنا إلا التسليم بأن الرجل عاش مهموما بشؤون الأمة العربية وكرس جهوده للتفكير في قضاياها بكل صدق. لم يفصل السياسي عن الفكري، ولم ينصرف  إلى الكتابة كمتعة ذاتية، بل ظلت الكتابة، في نظره، واجبا أخلاقيا نحو أمة لا زالت مقيدة بكثير من الأغلال التي تحول دون اللحاق بركب الأمم المتقدمة، ومن بينها منطق الولاء للأشخاص المنحدر من الموروث القديم خصوصا الموروث الفارسي الذي كرس "قيم الطاعة وتوظيف الدين لفرضها، وإحلال "أساطير الأولين" محل العقل  العملي، عقل الروية والخبرة والاعتبار"(8). وهذا ما جعله  يختم كتابه  العقل الأخلاقي العربي بعبارة مثيرة "لم يدفنوا بعد أباهم أردشير!"  أي أن العرب لم يتخلصوا بعد من فكرة الطاعة التي جعلت الناس رعايا بعيدين كل البعد عن فكرة المواطنة وجعلت ولاءهم للأفراد لا للمؤسسات، وهذا ما تؤكده التجارب المعيشة في  كل الأوطان العربية. 

الهوامش:

1- الجابري، محمد عابد، وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، المركز الثقافي

العربي، الدار البيضاء، 1992، ص.19.

2- الجابري، محمد عابد، العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مركز  دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1994، ص. 251- 252.

3- الجابري، محمد عابد، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، 1985، ص. 22.

4- الجابري، محمد عابد، "مفكر وحوار" مجلة الوحدة العربية، عدد26/27، 1986، ص. 140.

5- الجابري، محمد عابد، وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، ص. 18.

6- ن،م، ص. 31.

7- الجابري، محمد عابد، نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، ص. 19.

8- الجابري، محمد عابد، العقل الأخلاقي العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، دار النشر العربية، الدار البيضاء، 2001، ص. 629.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق