محمد عابد الجابري… ومسألة العلمانية

لعله من إحدى المفارقات التي تسم مسار الراحل محمد عابد الجابري، كأحد أبرز منظري المشروع النهضوي العربي، هو موقفه من أحد الأسس و الدعائم التي لابد لكل مشروع نهضوي من أن يتأسس عليها، ويتخذها كمدخل من المداخل الضرورية ليتحقق كمشروع، ونعني بذلك موقفه من العلمانية. إذ يبدوا للوهلة الأولى أن الجابري لا يبدي حماسا للعلمانية، ولا يدخلها ضمن الأسس التي يقوم عليها المشروع النهضوي العربي كما تصوره وبلوره في العديد من مؤلفاته وأطروحاته. بل إنه في سجاله ونقاشه مع العديد من المفكرين اعتبر العلمانية لا تخص المجال الذي ساد فيه الإسلام كديانة توحيدية، لأنه لم يعرف مؤسسة شبيهة بالكنيسة التي عرفها الغرب مع المسيحية، وفرضت عليه أن يتبنى العلمانية كإحدى الإواليات الضرورية لتحقيق نهضته وتقدمه، لأن الكنيسة كممثلة ومحتكرة للمجال الديني، كانت تشكل عائقا أمام حرية الفكر وإبداع العقل في الغرب. بخلاف الإسلام الذي لم يعرف مؤسسة مماثلة، وبالتالي فإن العالم العربي والإسلامي ليس في حاجة إلى العلمانية لتحقيق تطوره وتقدمه. وكانت هذه هي حجته الرئيسية في رفض العلمانية، أو على الأقل عدم تحمسه لها وإدراجها ضمن مجال انشغالاته واهتماماته الفكرية.

والواقع أن موقفه هذا، يبدو غير مقنع وغير منسجم مع مجمل صرحه النظري، بل إنه يجعله في تناقض مع هذا الصرح، ويجعله يبدو كمن يناقض ذاته، ويعارض منطلقاته، ويناهض غاياته وأهدافه. وقد كان موقفه هذا من العلمانية، من بين الأسباب التي أدت بالمفكر المعروف جورج طرابيشي إلى أن ينتفض ضد هذا التناقض الصارخ في مشروعه، ويتصدى لنقد أطروحته من خلال كتابه " نقد نقد العقل العربي". والحقيقة أن كل من اطلع على مشروع الجابري، لا يستسيغ  موقفه هذا، ويجد حجته في رفض العلمانية لا تستند إلى مرتكزات قوية، وذلك لأن الدافع إلى هذا الموقف لا يجد مبرره في المعطيات المفاهيمية والتاريخية، وإنما في غايات أخرى هي التي أدت إليه وحكمته كخلفية ثاوية وراءه .

ولكن ما الذي يجعل الجابري يبدو كمناهض للعلمانية مع العلم أنه ارتبط على المستوى الوطني والعربي بالتيار السياسي التقدمي المتحمس مبدئيا لهذه العلمانية، ولأحد شروطها ومستلزماتها وهي الديمقراطية ؟ كيف يستقيم كون الجابري كرس جهده الفكري والنظري دفاعا عن العقل والعقلانية وفي نفس الآن يعارض العلمانية كفضاء ومناخ  فكري وسياسي يشكل شرط لزوم لكل نهضة للعقل والعقلانية ؟ كيف نفسر هذا النشاز غير المفهوم في موقف الجابري ؟

لا بد أن نسجل في البداية أن أغلب مواقف الجابري من العلمانية، أعلن عنها في سياق نقاشات وسجالات، أو حوارات مع جرائد ومجلات. ولم يبلور موقفا بهذا الخصوص من خلال مؤلف أو دراسة مستقلة. وإذا لم يطلع المرء على هذه السجالات والحوارات، فإنه قد لا يستخلص ذلك الموقف الذي لا يتحمس فيه الجابري للعلمانية، بل على العكس، فإن العديد من دراساته تساعد على استنتاج موقف إيجابي من هذه المسالة، بحكم خلاصات تلك الدراسات وطبيعة القضايا التي عالجتها، والمرتبطة بهموم الديمقراطية والتقدم والحرية وحقوق الإنسان، وهي قضايا لا شك تتقاطع بهذا القدر أو ذاك مع العلمانية، وتشترك معها في  الخلفية والإطار التاريخي الواحد. فإذا أخدنا مثلا إحدى الخلاصات التي انتهى إليها في مؤلفه " العقل السياسي العربي " ، نجده يؤكد بأن إحدى الشروط لانتقال هذا العقل إلى الحداثة السياسية، ترتبط بضرورة تحويل العقيدة إلى مجرد رأي. وهو ما يعني انتزاع طابع القداسة عن هذه العقيدة، وفتح المجال لوضعها على محك النقد والسؤال، تماما كما حصل في الغرب مع المسيحية. وهذا يعني أن الجابري يشترط كمدخل إلى الحداثة السياسية نقد الدين وإبداع مفهوم جديد له، بعد إخضاعه لأسئلة العقل المحرجة. ولاشك أنه هنا يستحضر ما قام به سبينوزا بالنسبة لليهودية عندما وضع أسسها الميتافيزيقية موضع تحليل عقلاني في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " الذي يعتبر إحدى المراجع المؤسسة للعلمانية كموقف ورؤية للعالم ككل. و يضاف إلى ذلك، أن الجابري في مؤلفه المذكور " العقل السياسي العربي " يتعرض بالدراسة لفترة حرجة من تاريخ الإسلام، هي فترة الفتنة الكبرى التي اقتتل فيها المسلمون، وتوزعوا إلى فريقين أساسيين، أنصار علي وأنصار معاوية. وقد حلل الجابري الشروط والملابسات التي أدت إلى انتصار معاوية، مرجعا ذلك إلى دهائه وحنكته السياسية. وهو في هذا التحليل لحدث الفتنة الكبرى، يتوسل مقاربة عقلانية تلتقي في العديد من جوانبها مع ما ذهب إليه الشهيد فرج فودة كأحد ابز العلمانيين العرب، عند تناوله هو الآخر للحدث نفسه، في كتابه " الحقيقة الغائبة "، حيث يتم النظر إلى شخصيات الصحابة بما يحكمهم من نوازع إلى السلطة والنفوذ والجاه، بعيدا عن إي تقديس يرتفع بهم عن شرطهم الإنساني والتاريخي. وفي هذا لا يختلف الجابري عن فرج فودة إلا في تفسير وتأويل تفاصيل الأحداث، أما الرؤية فهي واحدة، عقلانية علمانية، تستند إلى فهم الشروط الاجتماعية والسياسية للمرحلة، وتستحضر بالنسبة للجابري مفهوم ميزان القوى لتفسير انتصار معاوية وهزيمة علي بن أبي طالب. وهو هنا لا يلتقي فقط مع فرج فودة، بل مع كل المفكرين العرب العلمانيين، على غرار طيب تيزني وحسين مروة عند تناولهما للحدث نفسه، وتوسلهما بمفاهيم الفلسفة السياسية والنظريات الاجتماعية، كمفهوم  الشريحة والطبقة، والصراع الطبقي، وفاء منهما لنزعتهما الماركسية المعروفة. والمهم في هذا كله، هو أن الرؤية للحدث مستمدة لديهم جميعا من منظور عقلاني، بغض النظر عن اختلاف المفاهيم المعتمدة لدى كل واحد منهم، فهي رؤية في النهاية تمتح من تراث الفكر السياسي الحديث والمعاصر المحكوم بخلفيته العقلانية والعلمانية الواضحة .

على أن مايثير الانتباه، هو أن الجابري في مشروعه الأخير عن النص القرآني، عمد إلى القيام بترتيب جديد له على أساس أسباب النزول، بمعنى أن ترتيب الآيات والسور أصبح يأخد بعين الاعتبار الشروط والملابسات والأحداث التي أحاطت بكل آية، وهو ما يتيح إمكانيات متعددة لقراءة القرآن قراءات جديدة ومبتكرة تستند إلى مفهوم الواقع باعتباره هو المرجع الأساس في فهم وتفسير النص. وهاهنا يلتقي الجابر ي مع مفكر علماني آخر، هو نصر حامد أبو زيد الذي بلور مفهوما جديدا للوحي استنادا إلى مفهوم الواقع بالذات، وذلك في مؤلفه الهام " مفهوم النص " حيث اعتبر أن  "ظاهرة الوحي – القرآن – لم تكن ظاهرة مفارقة للواقع أو تمثل وثبا عليه وتجاوزا لقوانينه، بل كانت جزءا من مفاهيم الثقافة ونابعة من مواضعاتها وتصوراتها. إن العربي الذي يدرك أن الجني يخاطب الشاعر ويلهمه شعره، ويدرك أن العراف والكاهن يستمدان نبوءاتهما من الجن لا يستحيل عليه أن يصدق بملك ينزل بكلام على يشر"  ( مفهوم النص : المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، ص 34)

ولم يكن مستغربا أن تثير دراسة الجابري عن النص القرآني موجة من ردود الفعل العنيفة من طرف القوى الأصولية التي كفرته كما فعلت تماما مع نصر أبو زيد، فهما معا يتقاطعان في نفس الرؤية إلى النص، رؤية عقلانية علمانية مرة أخرى.

أما إذا لم نحصر مفهوم العلمانية في مجرد فصل الدين عن الدولة، وأخدنا بالتعريف الذي أعطاه إياها الباحث السوري عادل ضاهر، والمتمثل في كونها موقفا ابستيمولوجيا يقوم على اعتبار العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، فإننا لن نكون مجانبين للصواب إذا قلنا انطلاقا من ذلك، بأن الجابري مفكر علماني، باعتبار أن انشغاله الأساسي كان هو الانتصار للعقل والعقلانية، وهو ما تجسد في كتابه " العقل والعقلانية المعاصرة" وفي مشروعه الموسوم ب "نقد العقل العربي "، وكذا في انحيازه الواضح لبن رشد كفيلسوف عقلاني ضمن فلاسفة الإسلام.وكل ذلك يكشف عن أن الجابري كان منشغلا بقضية العقل والعقلانية إلى حد الهوس، وعليه فإن معارضته للعلمانية هي في العمق معارضة سطحية، ومحكومة بظرف وسياق خاص. أما موقفه الجوهري والحقيقي، فلا يمكن أن يكون إل مناصرا للعلمانية، ترتيبا على كونه من دعاة العقلانية والديمقراطية اللتين تستلزمان كشرط لتحققهما في الواقع، مناخا من الحرية لا يتحقق إلا في إطار نظام علماني. والواقع أن هذا الذي يبدو تناقضا في موقف الجابري، بين تصريحاته وسجالاته وبين عمق وجوهر مشروعه، يجد تفسيره في سياق انخراطه في الحوار القومي الإسلامي، الذي أشرف عليه مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت في الثمانينيات من القرن الماضي ، والذي جمع بين رموز التيار القومي العلماني ورموز التيار الإسلامي، لعقد نوع من المصالحة بين التيارين وتجسير الفجوة بينهما. وعلى ضوء ذلك، راح العديد من المفكرين القوميين يراجعون بعض منطلقاتهم ومواقفهم من التيار الإسلامي. وكان من بينهم المفكر المصري حسن حنفي، الذي روج لمفهوم اليسار الإسلامي لحقبة من الزمن قبل أن يتوقف عن ذلك نهائيا، ومنهم بدون شك الراحل محمد عابد الجابري، الذي استعار مفهوم الكتلة التاريخية للقول بأن التغيير المنشود لن يتم إلا على أساس التعاون والتحالف بين التيارين الرئسيين في المجتمع المغربي والعربي عموما، أي القوميين اليساريين والإسلاميين. وهذا هو ما يفسر في اعتقادنا ذلك التناقض الظاهري في موقفه. بمعنى أن الجابري سعى إلى تسهيل اللقاء بين التيارين، باستبعاد العلمانية من جدول انشغالات الكتلة التاريخية التي من المفروض أن تجمعهما كتحالف استراتيجي مؤهل لإحداث التغيير المنشود في المجتمع. وعليه يمكن القول بأن موقف الجابري من العلمانية، هو موقف تاكتيكي اتخده في ظل واقع معين، ومرحلة تاريخية اتسمت بتنامي نفوذ التيار الإسلامي، وولدت لدى بعض النخب الفكرية آمالا في إمكانية أن يتبنى هذا التيار الاخيتار الديمقراطي ويساهم في إرسائه والنضال من أجله. وفي سبيل ذلك، لا بأس من إزاحة بعض العقبات التي قد تحول دون تحقق هذه الإمكانية في الواقع. وكانت العلمانية لدى البعض من تلك العقبات المحتملة، التي يمكن إزاحتها كمفهوم يتميز ببعض الالتباس، وقد يكون مصدر تشويش في علاقة التحالف بين التيارين، دون أن يؤثر ذلك على مشروع التغيير الذي يقوم على العقلانية والديمقراطية. فهل كان هذا الرهان صائبا؟ ذلك هو السؤال. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق