محنة الاستبداد السياسيّ والاجتماعيّ في العالم العربيّ

في ندوة استضافتني خلالها إحدى القنوات الإعلامية الفضائية (قناة المنار) اتصل أحد المشاهدين وأدلى بدلوه متحدثاً -بحماس منقطع النظير- عن الاستبداد السياسي العربي.. وطالب بالتغيير الثوري الإسلامي لاجتثاث ما تبقى من نظم عربية مستبدة وفاسدة..

ورداً عليه وعلى مجمل هذا المناخ العام السائد في مجتمعاتنا العربية التي مازالت تعتقد بما أسميه “وهم الحل الثوري الإسلاموي”، عبّرت عن عدم جدوى هذا المنهج التغييري، لأنه مكلف وغير مضمون النتائج، وسيوقعنا في حضن استبداد فكري وعملي آخر أخطر وأكبر كلفةً من الاستبداد السياسي القائم حالياً.. وأكاد أجزم هنا أصلاً بأن الاستبداد الفكري وسيطرة ثقافة النص والتوحش والعقلية الوصائية في عالمنا العربي هي السبب والعلة الأساسية الكامنة وراء استمرار وجود ثقافة الاستبداد والقهر والفساد فيه.

فعالمنا العربي والإسلامي يمر في الوقت الحاضر بأزمات داهمة ومقيمة حالت دون وصوله إلى تحقيق الحد الأدنى من تطلعاته وأهدافه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في أن يرتقي بواقعه العام إلى مستوى الحياة المدنية اللائقة أسوة بباقي شعوب العالم.. وأن يعيش معها بسلام وعدل وتكافؤ إنساني.

وقد تعرضت الشعوب العربية على مدار تاريخها السياسي الحديث لأهم تلك الأزمات وهي أزمة وجود الأنظمة الشمولية التي وصلت إلى السلطة بقوة السلاح والمال والدعم الخارجي، وتسلطت على رقاب العباد والبلاد، وحافظت على طغيانها الشامل بالسيف والعسف والقمع والاستبداد.. الأمر الذي جعل هذه الشعوب تفضل الركون والسلامة والرضى السلبي بواقع الحال، والتزام أقصى حدود الانضباط الإكراهي في مواجهة جحافل الأمن والجيوش.

من هنا –وفي مواجهة ما يحدث- يمكن أن نعتبر أن صمت الشعب العربي من المحيط إلى الخليج (على كل تلك الهزائم والمآسي السياسية والاجتماعية) ما هو إلا نتيجة طبيعية ومنطقية لكل تلك الأعمال الظالمة التي ارتكبت بحقه، ولذلك ينبغي علينا ألا نتوقع من مواطن جائع خائف محبط مستضعف، عاطل عن العمل، وفاقد للأمل، أن يخرج معارضاً أو مناصراً لقضية معينة، إذ أن لديه ما يكفيه من الهموم والمخاوف والأزمات والابتلاءات والضغوطات اليومية على الصعيد المعيشي والشخصي والاجتماعي، وحين يفرغ منها قد يفكر بالشأن العام الذي تتوزع الاهتمامات حوله بين قوى الأمر الواقع الداخلي (النظم المستبدة) وقوى الأمر الواقع الخارجي (القوى الدولية الكبرى) التي ما زالت تعتبر بلادنا المتميزة بطاقاتها وثرواتها هدفاً لمعظم سياساتها واستراتيجياتها ومصالحها.

وقد يبدو صحيحاً القول هنا إن طبيعة “التواجد الجغرافي المميز” للعرب في موقعهم الراهن -المليء بالثروات والموارد والطاقات المادية والبشرية الهائلة المنظورة وغير المنظورة- من أهم الأسباب التي جعلت (وتجعل) هذه المنطقة عرضةً –على الدوام- لمختلف ألوان المؤامرات والاضطرابات والمخططات الإقليمية والدولية الرامية إلى تعميق سيطرتها وهيمنتها المباشرة على مقدرات المنطقة، ونيل ما يمكن نيله من مكاسب خاصة بالدول الكبرى، وتحقيق منافعها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على حساب المصالح الأساسية الخاصة بالسكان الأصليين والمالكين الحقيقيين لهذه المنطقة.. ولكننا نعتقد أهمية أن نلاحظ أنه وبالإضافة إلى الدور المركزي الذي يلعبه “العامل الجغرافي” -في مجمل الأزمات التي عانت منها منطقتنا الإسلامية (وهي ما زالت تتلاحق فصولاً، وتتوالد ذاتياً وموضوعياً على مختلف الأصعدة والمستويات)- فإننا يجب علينا ألا نغفل عن أهمية العامل الداخلي في وصولنا إلى هذا المستوى المنحدر والخطير في أفكارنا وسياساتنا العملية التي نعاني فيها جميعاً من تعمق ظاهرة “الاستبداد(1)المركّب والشامل”  وتجذّرها وامتدادها إلى كافة مواقع حياتنا فردياً ومجتمعياً.. ولذلك نعتبر هذا المرض أهم مشكلة تعيشها الأمة في وقتنا المعاصر، وهي تريد أن تنفض عن نفسها ركام التخلف والاهتراء الحضاري، وتتحرك في الحياة والتاريخ لتنهض وتتطور وتزدهر وتنافس.. ولكنها حالياً لا تملك الطاقة الحركية التي تدفعها لبناء واقعها.. وهي طاقة الحرية المسؤولة والقدرة الواعية على الاختيار الصحيح والتفكير العلمي الممنهج، والتعبير السليم، والإبداع المتنامي المتراكم.. لأنها ما زالت في وضعية المتلقي والمتأثر والمنفعل بسبب بقائها مسجونة في قفص الاستبداد الذي صنع حواجز نفسية وفكرية وتاريخية عميقة تمنعها من الحركة الإيجابية نحو بناء المستقبل المشرق.    

فالاستبداد )والتسلط بمختلف ألوانه وأشكاله( هو شيء أعمى يسير عكس حركة التاريخ والحضارة والحياة الإنسانية الطبيعية.. لأنه يقف على طرفي نقيض من حرية الإنسان، ومن قدرته على تحقيق الاختيار السليم، بل إنه يشل طاقة التفكير واستخدام العقل والفطرة الصافية عند الإنسان، ويرهن مصائره للمجهول، ويجعله أسيراً بيد الجهل والتخلف.. وهنا تقع الكارثة الكبرى عندما يفقد هذا الإنسان حريته.. لأنه يفقد معها كل شيء جميل ومتوازن في حركة الحياة.. إنه يفقد العزة والكرامة والأخلاق والعلم، وبالتالي يكون مصيره الموت المحتم أو العيش على هامش الحياة والوجود.

هذا وقد أدى تفاقم وضعية الاستبداد في بلادنا –مع تقادم العهود والأزمان- إلى قيام أنظمتنا وحكوماتنا بالضغط المستمر على العباد والبلاد، وعدم اهتمامها بأبسط حق من حقوق الإنسان وهو حق التعبير عن الرأي والاعتراض السلمي الهادئ على الممارسات الخاطئة والسياسات الظالمة الفاسدة والمفسدة التي أصبحت تتحرك علانية هنا وهناك، وبدأت تفعل فعلها السلبي في جسد هذه الأمة، خصوصاً بعد أن قام أصحابها بتقنينها ووضعها قسراً ضمن أنظمة السلوك اليومي الذي يجب أن يسير عليه الفرد والمجتمع، مما أدى إلى أن ننتقل من هزيمة إلى أخرى ومن خسارة إلى أخرى، حتى وصلنا -في عالمنا العربي والإسلامي- إلى مرحلة الضياع والتشتت واللاتوازن، وبالتالي فقدان القدرة على العمل والحركة، وامتناع واقعنا المتردي على الإصلاح (أو التغيير!)، وانتظاره التوجيهات والأوامر من البيوت السوداء والبيضاء.. وبالنتيجة كان من الطبيعي جداً أن نصل إلى ما وصلنا إليه الآن –داخل اجتماعنا الديني العربي والإسلامي- من انهيار وتفكك وتفرق وبؤس عام وشامل.

من هنا كان التحدي الأبرز والأهم الذي بات يواجه مجتمعاتنا الإسلامية –بمختلف نخبها وتياراتها وقواها الحية الفاعلة- هو ظاهرة “الطغيان والاستبداد السياسي” التي أضحت مسؤولية تعريتها وفضحها ضرورة حيوية، ومدخلاً جوهرياً لإحداث أي تغيير أو إصلاح في عالمنا العربي.

فها هي معظم السلطات العربية تظهر في الواقع العملي عاجزة –وهي التي مازالت تصم آذاننا بضرورة أن نسلم لها، وندفع تكاليف حروب لم تقع، وأسلحة مكدسة لم تستخدم، وأن نقدم أثماناً باهظة لأسلحة مخزونة في صحارى البؤس والعجز والموت- عن وضع خطط عملية لمواجهة التحديات والأخطار التي تتهدد الأمة، لا بل إنها لا تستثمر وجود هذا الأخطار للبدء بإصلاحات جدية، وتحقيق انفراجات سياسية واجتماعية حقيقية، والانفتاح على شعوبها، ورفع مستواها المعيشي والحياتي، وفسح المجال أمامها للتعبير عن آرائها وممارسة حرياتها.. لكنها بالمقابل تستغل الخطر الصهيوني المحدق بالأمة فقط لكي تزيد من سطوتها وجبروتها وتحكمها بناسها ومجتمعاتها.

وفي ظل وجود هذا المناخ العام من القهر والقسر والضياع الكلي الشامل –الذي يتسبب به الاستبداد السياسي- فإنه لا يمكننا أن نتصور أبداً أن تقوم الدول والمجتمعات المصابة بتلك الآفة الخطيرة (ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية) بأي منجز حضاري مشهود له، أو حتى تحقيق أي استثمار فعال لطاقتنا الحية في الخلق والابتكار في هذا الموقع أو ذاك إلا فيما ندر.. لأن طاقة معظم أبناء تلك المجتمعات (مجتمعات الاستبداد) ليست موجهة نحو العمل المنظم الفاعل المنطلق من خلال ممارسة واجب النقد وتعميق الحس النقدي في الأمة، أي نقد الذات.. وإنما الملاحظ أن طاقة أبناء الأمة موجهة أساساً باتجاه تحقيق غرض واحد هو تحصيل الحد الأدنى من لقمة العيش اليومية، ولذلك فإن هؤلاء لا يجدون –كما قلنا سابقاً- الوقت الكافي للتفكير أبعد من مرحلة “اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا” أو بالتعبير العامي: “نمشي الحيط الحيط ونقول: يا رب السترة”.. على اعتبار أن النظم الحاكمة عندنا (التي عسكرت مجتمعاتنا وحولتها مع الزمن إلى مجتمعات شبه ميتة سياسياً، وفقيرة اجتماعياً، ومفقرة اقتصادياً، وبائسة ومحبطة ثقافياً..) قد سحقت كل قيمة إيجابية وإرادة خيرة عند الفرد العربي والمسلم، وضربت كل مواقع العزة والكرامة لديه.. أي إنها أنهت مجمل الصفات والخصال النفسية الراقية التي من المفترض أن يتمتع بها أي إنسان صاحب هدف ومبدأ حقيقي في الحياة، والتي تدفعه لإحداث عملية التغيير والبناء والتضحية في طريق ذات الشوكة، ودفع الأثمان المترتبة على ذلك.

لذلك نعتقد أن الكتلة الشعبية العربية والإسلامية الراهنة –التي تشكل القاعدة الأساس في إحداث أي عملية تغيير أو إصلاح- قد أضحت معطوبة ومصابة بداء انعدام القدرة على العمل والتغيير، أي إنها أصبحت كتلة غير صالحة نفسياً وتاريخياً لعمل أي شيء سوى الكلام في الهواء والصراخ في البيوت، وأحياناً في صالات المؤتمرات ودهاليزها.. بما بات يتطلب ضرورة وجود كتلة تاريخية وشعبية جديدة تمتلك مقومات وخصائص نفسية فعالة مختلفة كلياً عما هو سائد عندنا من أنماط فكرية وسلوكية.. بحيث تكون قادرة معنوياً ومادياً على خلق الوقائع وإنتاج الحقائق اللازمة لممارسة الحرية الصحيحة والمسؤولة.. لأن الحرية هي الثمرة الطبيعية للنهوض والقدرة والفاعلية.

والقدرة والفاعلية هي فعل خلق وبناء مستمرّين، بقدر ما هي صناعة تحويل وتوليد.. وفعل الخلق والتوليد يحتاج قيما معنوية ونفسية يجب أن تتوافر عليها الكتلة التاريخية المغيرة.

طبعاً نحن لا نريد أبداً أن نعطي صورة مأساوية سوداوية عن الواقع العربي والإسلامي الراهن، وكأنما العجز المطلق هو المشهد النهائي الطاغي حالياً، كما لا نريد أن نصور أميركا وإسرائيل وكأنهما القضاء والقدر الحتمي المفروض على شعوب وحضارات العالم أجمع، ولكننا نريد أن نعطي للواقع العالمي الراهن صورته الواقعية الصحيحة كي نتمكن من إنجاز شروط مواجهته بحسب المنطق العلمي والعقلي القائل بأن النتائج تأتي تبعاً لمقدماتها..
من هنا نحن نعتقد أن القضية الملحة الآن هي قضية تحرير الذات والبنية العربية الإسلامية (انطلاقاً من الفرد ووصولاً إلى الدولة) من علاقات النفي والنفي المتبادل إلى علاقات التكامل، من عدم الاعتراف بحق الأفراد في الاختلاف إلى قيام أوسع دائرة من الاعتراف بحق الاختلاف في الاجتماع العربي والإسلامي.

لكن هذا التحرير المطلوب للذات العربية الإسلامية لن يحصل أبداً من فوق، بل لابد من إعادة تربية أجيال هذا الأمة على الهدوء النفسي والأمن من الخوف، باعتبار أن هذه القيم هي الشرط الأول لسعادة الإنسان، ولنجاحه الدنيوي..

أمام كل ذلك نتساءل كيف يواجه المثقف العربي حالة العجز المطبق التي تعاني منها هذه الأمة المشتتة والمتفرقة الأهواء؟! ما هو موقفه من كل هذه الانتكاسات والهزائم المتلاحقة التي مرت (وتمر) الأمة بها.. وكيف يقرأ الأحداث التي تتسارع في محيط أوسع من العجز الأشمل والأقدم.. وأعني به العجز السياسي، والعجز الاقتصادي، والعجز عن إدارة الثروات، وإدارة المشروعات، وإدارة الحضارات وصنعها؟!..

في الواقع تتجلى أهمية المثقف ودوره في كونه ضمير الأمة وعقلها الواعي وصاحب البصيرة النافذة والفعالة التي يفكر بها مع الأمة، ويشير من خلالها إلى مواطن الخلل والضعف القائمة في جسم الأمة.

ولذلك فإن الدور المنوط بالمثقف حالياً هو الاستمرار في التركيز على “الجانب النقدي العملي”، ومن ثم المساهمة الفاعلة في تكوين أسس الكتلة النوعية العربية المؤثرة التي أشرنا إليها سابقاً ومقوماتها، إذ أن إصلاح الأمة بالوسائل والأدوات الموجودة معنا، والرهان على الأفراد القائمين عليها حالياً لم يعد يجدي نفعاً على الإطلاق..

أما حالتنا العربية الإسلامية فإننا نرى العجب العجاب إذ أننا من أغنى دول العالم في الثروات الطبيعية والإمكانات البشرية التي سببت لنا كثرتها في سبعينات القرن الماضي أزمة حقيقية حيث كنا نبحث عن أفضل الطرق وأيسر السبل لتوظيف تلك الطاقات واستثمارها بشكل يلاحق سرعة تكدسها وتراكمها، وإذا هي تتلاشى وتتبخر في أقل من عشرين عاماً كما تتبخر مياه البحيرات، وتترك مكانها عجزاً كبيراً في ميزانيات دول النفط نفسها التي أصبحت عاجزة مالياً، وموازينها التجارية خاسرة إجمالاً!!.ولعل هذا –كما قال أحد الكتّاب- هو أكبر عملية إهدار للثروة القومية الشاملة لمجتمع على وجه الأرض وعبر التاريخ كله.. ولا حياة لمن تنادي، ولا أحد يراقب، أو يحاسب.

ولذلك لو كانت عندنا حياة سياسية صحية وحقيقية، ما كنا وصلنا إلى هذا الوضع الكارثي الذي نعاني فيه –كما أسلفنا- غياباً للقدرة على منع الاستبداد، ودوراناً مفرغاً للتاريخ السياسي العربي حول أزماته وتعقيداته.. والحياة السياسية الصحيحة والحقيقية التي أعنيها هي –بالعنوان الأولي العريض- إعادة السياسة إلى حضن المجتمع، وإدخال الشعوب العربية والإسلامية في صلب العملية التنموية الشاملة، ونزع القيود عن مشاركتها الفاعلة في الحركة الوطنية العامة، والتعامل معها كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والكرامة والعزة، والشعور بالحرية والثقة بالنفس..

من هنا –وطالما أن المحن والمصائب مازالت تتدافع وتتوارد علينا من هنا وهناك (توارد وتدافع الأكلة على القصعة)- فإن الواجب يقتضي منا أن نجعل منها وسيلة فعالة لتعرية الإستراتيجيات الحقيقية والمصالح المتبادلة لكل من الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي.. حيث أن كل دعوة وطنية مفصولة عن الحرية خداع، وكل دعوة للتعددية السياسية الحقيقية مفصولة عن التضامن الإنساني بين الجماعات والبشر كذب قراح.. فلا وطنية –كما يؤكد برهان غليون- دون مواطنين أحرار، ولا ديمقراطية (وتعددية حقيقية مضمونة) من دون علاقات دولية متكافئة.

وبالنظر إلى ذلك يمكننا أن نقرر هنا أن المستقبل السياسي والاقتصادي والثقافي للعرب والمسلمين في هذا العصر (بما فيه مستقبل الصراع الوجودي مع العدو) سيتحدد من خلال طبيعة الشروط النفسية والعملية التي ستتمتع بها الكتلة الشعبية الحيوية المغيّرة في داخل عالمنا العربي والإسلامي لاحقاً، وبخاصة ما يتعلق منها بالإرادة المستقبلية الحركية لشعوب هذه المنطقة القادرة على مواجهة عوامل تخلفها الداخلية أولاً التي أنتجت مناخات الاستبداد المقيت.

 من هنا نقول : إذا استطاعت تلك الكتلة أن تخوض معركة التحرير في الداخل في مستوى إنتاج سلطة شرعية قادرة على امتلاك زمام ذاتها، والتصرف بحرية واختيار دون وجود موانع قمع واستبداد، بالاستناد على آلية العمل التعددي السياسي، والاعتراف بالآخر، ومن ثم العمل على بناء علاقات عربية وإسلامية تكاملية في كل المجالات، فإن مجتمعاتنا عند ذلك ستكون قد وضعت نفسها على بداية الطريق الصحيح المؤدي إلى أن تتحرك بإرادتها هي على طريق النهوض الحضاري من خلال ما تمتلكه من قوى وإمكانات منظورة وغير منظورة..

ونعود هنا مجدداً للتأكيد على أن امتلاك العرب لقوى وقدرات تؤهلها للعب أدوار حضارية وإنسانية قوية متعددة في عالم اليوم والغد (دور الأمة الوسط الشاهدة على نفسها وعلى غيرها من الأمم والحضارات) هو أمر غير كاف على الإطلاق، حيث أن كل الأمم والشعوب تمتلك قوى كامنة غير منظورة في داخل جسمها الحضاري، بل إنه يحتاج إلى إعادة بناء الكتلة البشرية النوعية والحيوية الجديدة التي ذكرناها آنفاً.. كتلة تستطيع تحويل القوى الكامنة الهائلة التي تمتلكها الأمة –والتي بدأت تخبو شيئا فشيئا نتيجة سوء استخدامها وإدارتها من قبل النخب السياسية الحاكمة- إلى قوة حقيقية على أرض الواقع.. وهذا برأيي سر وجود أية حضارة على وجه الأرض منذ فجر التاريخ البشري..

ونختم قائلين ومؤكدين على أن الإنسان هو القاعدة الأساس في عملية الإصلاح والتغيير والتحوّل نحو مواقع أرقى في الفكر والعمل، ومنطلق ذلك هو بناء النفس الإنسانية التي ستتغير فيها–في ضوء طبيعة هذا التغيير الداخلي- كل الأدوار والأوضاع والعلائق والروابط الاجتماعية التي هي بمثابة البناء والتأسيس الخارجي للذات الداخلية الكامنة.. فالإنسان العاقل هو أساس الوجود، وهو صانع التاريخ، ولذلك فإن تمتعه بقوى العقل والإرادة والاختيار يترتب عليه بناء الخارج.. وهذا ما يمكن أن نراه من تجارب إنسانية متعددة في مختلف المواقع والتي تمثل الروح الجماعية (حيث أن الأفراد يتفاعلون فيما بينهم –عند انخراطهم واندماجهم في الهيئة الاجتماعية العامة التي يمثلها المجتمع في مؤسساته وهيئاته ومختلف مواقعه- كوجودات حقيقية من جهة الأفكار والمشاعر والأحاسيس والحاجات والمصالح المتبادلة) التي تُنتج إرادة عامة مشتركة تقع عليها –تبعاً لذلك- مسؤولية النهوض المجتمعي الحضاري.

الحواشي والتعليقات

(1) جاء في المعجم الوسيط أن الاستبداد لغة، هو اسم لفعل (استبدّ) يقوم به فاعل (مستبد)، ليتحكم في موضوعه (المستبد)، فلا بد أن يتجسد الاستبداد في شخص أو فئة، يقال: استبد به: انفرد به، واستبدّ: ذهب. واستبد الأمر  بفلان:غلبه فلم يقدر على ضبطه، واستبد بأميره: غلب على رأيه، فهو لا يسمع إلا منه. (راجع المعجم الوسيط ج1، ص42).

 أما في لسان العرب: استبد فلان بكذا، أي انفرد به، فيقال استبد بالأمر، يستبد به استبداداً إذا انفرد به دون غيره. (لسان العرب، ج3، ص81).

وفي شرح نهج البلاغة: الاستبداد بالشيء، التفرّد به.(راجع: شرح النهج لابن أبي الحديد، ج9، ص243).

الصحاح: وإلى ذلك ذهب الجوهري في الصحاح، حيث قال: استأثر فلان بالشيء استبد به.(راجع الصحاح، ج2،ص444، مادة بدد).

القاموس المحيط: كما أشار الفيروز آبادي إلى المعنى ذاته عندما قال: استأثر بالشيء استبد به، وخص به نفسه.(ص341، مادة بدد)..

إذاً الاستبداد هو الاستئثار المطلق بالسلطة والتشبث العنيف بالحكم.. أي سلب الحكم الصالح من أهله وأصحابه الحقيقيين.. وهو يكون عادة مترافقاً مع تجاوز شبه كلي للقانون والنظام الذي يرعى الصالح العام في الدولة، وحرمان الناس من ممارسة حقوقهم الطبيعية في القول والتعبير والانتخاب والمشاركة السياسية الفعالة، بعد أن تتم عملية السيطرة الكاملة على مقدرات الآخرين المادية، وتدمير قيمهم المعنوية والإنسانية، وإلغاء شخصياتهم المستقلة والمتميزة، وتقزيمهم ومسخهم، ليتم تحويلهم إلى عبيد لدى الفرد (أو المجتمع أو الأمة)المستبد، وذلك بفعل القوة المادية القاهرة، والمعنوية المضللة، التي تلغي القوانين وتجعل من إرادة المتسلطين قانوناً يُعمل به، إذ ليس هناك من حد قانوني للطاغية فهو يسخّر كل شيء لإرادته ورغباته ونزعاته.

ومن المعروف أن الاستبداد يستند أساساً على الموروثات التقليدية المتعددة والمختلفة.. وقد أثبتت التجربة السياسية العربية والإسلامية عموماً منذ عهود الاستقلال أن الدول العربية والإسلامية (التي حققت استقلالها من ربقة ونير الاستعمار الأجنبي، وأنهت التبعية الخارجية المباشرة، ولكنها لم تحقق استقلالها الداخلي بعد) لا تزال مرتهنة قسرياً لتنظيمات أخرى داخل المجتمع كالجيش، أو العائلة/ العشيرة، أو الحزب، أو الطائفة، أو مركب من بعض هذه التنظيمات أو كلها. ويمكننا أن نلاحظ في المثال والحالة السياسية العراقية الراهنة اجتماع كل تلك العناصر تحت قيادة ديكتاتورية ومستبدة واحدة، تقوم على عبادة الفرد القائد الملهم.

·        كاتب وباحث سوري

 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق