محنة الاقتصادات العربية في ظلّ الحكومات التدخلية


 بقي الاقتصاد العربي رهن عناكب الحكومات النهبوية، هزيلا يعاني أزمات مزمنة، ترجعها الحكومات العربية إلى الاستنزاف الاستعماري للثروات العربية، والصراع العربي-الإسرائيلي والتخلف الاجتماعي. وهذه مبرّرات أنظمة حكم لا ديمقراطية تضع المعضلات أمام الاقتصاد الوطني  لمنع تطوّره، ليصاب بأعراض الشيخوخة المبكّرة، رغم امتلاكه أسباب النموّ. فالطبقات الحاكمة بمختلف مشاربها الإيديولوجية بغية تكريس سلطتها الاستبدادية، طرحت زيفا شعارات غيبوية شعبوية طبقية مثل مكافحة الإقطاع والبرجوازية والاستغلال وبناء دولة الكادحين، لتمرّر دساتير صورية مكرّسة لخدمة المصالح الإستراتيجية للفئات الحاكمة، وإضفاء الشرعية على وصاية الحاكم المطلقة على حياة المجتمع، والتحكّم بنشاط الأفراد والهيئات الرسمية والأهلية، وتقنين حرّيتهم  بما يتوافق مع مصالحه، لذلك لا ينبغي البحث عن حقيقة الحكومات العربية  فيما تقوله عن ممارساتها التدخلية بل البحث عمّا تفعله حقا.

 ومن السذاجة تعليل التدخلية interventionism على أنها إيمان الحاكم  العربي بقدرة المذاهب الاقتصادية المؤيّدة للتدخلية على تحقيق العدالة الاجتماعية وتيسير النشاط الاقتصادي، وتحقيق الرفاهية للمواطنين …الخ، فحكوماتنا غير معنيّة بالسياسة المثلى لتطوير الاقتصاد، والتدخلية لديها ليست تفضيلَ مدرسة اقتصادية على أخرى، بل ما يميّز التدخلية العربية، هي أنها خيار سياسي وإيديولوجي يعكس رؤية ومصالح شريحة اجتماعية قابضة على السلطة، لتستكمل دكتاتوريتها السياسية بدكتاتورية اقتصادية، وهذا ابتكار شيطانيّ لنهب الثروة الوطنية، فالدارج عربيا هو أنّ الاقتصاد من أسرار الدولة لا يحقّ لأحد الاقتراب منه غير متخلّف جاهل صيّرته الصدفة العمياء حاكما، غير مؤهل لسياسة الدول، وحين يقحم أنفه في شؤون الاقتصاد لا يراعي مصالح شعبه، بل غرضه الاستحواذ على الثروة والتحكّم بتوزيعها، والسيطرة على وسائل الإنتاج وأدواته، وبغية ذلك سلم مقدرات البلاد إلى حثالة اجتماعية، استغلّت مناصبها لتتحوّل سريعا إلى زوائد دودية متضخّمة، ابتلعت الشعارات الجماهيروية، وشوّهت الاقتصاد، ليتأرجح وفق مصالحها يسارا إلى  أسوأ أشكال الاشتراكية ويمينا إلى أشدّ أنواع الرأسمالية تخلّفا، فحاربوا القطاع الخاص المتميّز بقدرته على التنبؤ باتجاهات السوق وسرعة تلمّسه لحاجات  ملايين المستهلكين، والمعرفة بكيفية إنجاز وتلبية رغباتهم المختلفة والمتغيرة، بمواصفات ترضي مختلف الأذواق، ليحقق فضيلة التوافق بين توجهات المستثمرين ورغبات المستهلكين، وإمعانا في قهر القطاع الخاص فإنّ الحكومة تسارع إلى تغيير الحسابات التجارية والاقتصادية، بينما المستثمر يريد استقرارها حتى  يجرأ على اتخاذ قراره، وكانت حجتهم هي إحلال القطاع العامّ محلّ القطاع الخاص، والحقيقة هي خوفهم من بروز مراكز اقتصادية تنافس قطاعهم الخاص السلطوي المخصص للأقرباء والوكلاء، حيث الحكومة تمطرهم أموالا وتسهيلات فلا يخافون  الخسارة، ولا يأبهون لرغبات المستهلكين، طالما منتجاتهم الرديئة  تفرض على المواطن بطرق ملتوية، أما القطاع العام هذا الجرح الذي يستنزف الدولة والمجتمع بآلياته البطيئة وهياكله المهترئة وإدارته البليدة، فإنّه يعمل بمبدأ اقتصاد الزريبة فلا يراعي اختلاف حاجات المستهلكين ورغباتهم، ليحصر وظيفته في تقديم حصة بائسة من السلع إلى الناس فيعرضون عنها رغم حاجتهم إليها، أما البيوض الذهبية فتوضع في سلّة  الفئات الحاكمة.

يذكر المفكّر الهندي    Amartya sen الحائز على نوبل في كتابه "التنمية كحرية" أنّه بدون الحريات السياسية والديمقراطية والاعتراف بحقوق الأفراد يصعب تحقيق إصلاح اقتصادي، وكأنه يوجّه كلامه إلى نظم الاستلاب الحاكمة في دول عربية، حيث  انفصلت  الحكومة عن حقائق الواقع الاجتماعي، ودخلت في قطيعة مع المواطن، وذلك بتشويهها للاقتصاد الوطني حتى لا تسهم عائداته في رفع مستوى دخل المواطن ومعيشته، فالطريقة المثلى لمنع السكان عن المطالبة بالخبز والإصلاحات والديمقراطية، هي البطش والإفقار، فالتدخلية سلاح الحكومة لفرض الإرهاب الاقتصادي على مواطنيها، لإخراج الشعب من المعادلة السياسية والاقتصادية، لتضمن الفئات الحاكمة ما انتزعت لنفسها من امتيازات، مخازن السلع المستوردة، سيارات، مساكن ومشافي فارهة، حيث الفساد فضيلة في دول عربية، مقابل تفاقم أزمات المواطنين، فمساحة البناء المتاحة للفرد الواحد تتقلص  2-4 م سنويا، جراء احتكار سماسرة السلطة سوق العقارات، على حساب  المواطن وباقي المستثمرين، ليحدث خللا متعمّدا في قوانين العرض والطلب، بينما الحكومة رغم تكدّس الأموال لديها لا تمنح  قروض السكن للمواطنين إلا بصفة انتقائية وبكميات هزيلة وبشروط تعجيزية لغاية في نفس يعقوب.

ماذا إذا وراء تدهور معيشة السكان والانخفاض الحادّ في الإنفاق الاستهلاكي للإفراد، أهو قلّة الموارد، أم عرقلة الحاكم للنقلة المطلوبة للارتقاء بالاقتصاد، وعدم استجابته للاستحقاقات السياسية والاجتماعية، وحجزه الحرية الاقتصادية بقوانين الملكية العامة التي تحولت إلى احتكارات للفئات الحاكمة، فقد انتقلت ملكية عناصر الإنتاج إلى الدولة ولكن ملكية الدولة انتقلت إلى دكتاتورية البيروقراطية، حيث لم تدخل عائدات البترول  خزينة دول عربية إلا مؤخّرا.

بالأمس صادروا الأراضي والآلات الزراعية، بحجّة تنمية الريف، وتثوير الزراعة، فتمّ تفتيت الملكيات الكبيرة ذات الاستثمار الجيّد بإدارة ملاكين أكفاء لديهم الخبرة والتمويل ومهارة تنظيمية، إلى حيازات مبعثرة لفلاحين يفتقرون إلى التمويل والتنظيم، لتفقد الزراعة ميزة التمركز، أمّا الأراضي المملوكة للدولة فقد سلّمت إلى موظفين لا علاقة لهم بالزراعة، ومع انعدام الحوافز الإنتاجية لديهم، تحوّلوا إلى بيروقراطية ريفية التهمت ما بعهدتهم، أما المعدّات المحجوزة، فلم تستخدم في أعمال الزراعة، وما زالت محجوزة يأكلها صدأ الايديولوجيا، ورغم صرف المليارات على مشاريع الريّ فإنها لم تحقّق مردودا يذكر، لأن الحكومة التدخلية لدوافع إيديولوجية ونفسية، لم تدرس الجدوى الاقتصادية منها، لتنفذها في أراضي غير صالحة للزراعة وتهمل الأراضي الخصبة لأسباب سياسية، كرغبة الحكومة بعدم إنماء أراضي سكانها أقلّية قومية دينية منبوذة، ونتيجة احتكار الدولة للمحاصيل، ووضع القيود على الثروة الحيوانية، انخفضت تسليمات الفلاحين من المنتجات، وازدهرت السوق السوداء والتهريب، وانخفض الإنتاج. كان إنتاج شرانق الحرير نشطا في سوريا، يوفر  5% من فرص العمل كمورد دخل لآلاف المزارعين والحرفيين، وبعد التأميم هبط إنتاجها، لتنهار صناعة نسيج الحرير. أما الحبوب فالإنتاج دون حاجة السكان، وبذلك عجزت الزراعة عن توفير المواد الأولية والعائدات المالية لتمويل المشاريع الصناعية المتعثرة أصلا بفعل مصادرة المؤسسات الصناعية والتجارية والمالية، لتعجز عن توفير حاجات المجتمع إلى منتجاتها، لأنها فقدت مزايا  القطاع الخاص، الحيوية والمرونة والانسيابية في الاستثمار وتأدية وظائفها المتنوعة بالشكل الأفضل.
وما تبقى من القطاع الخاص فلم تترك الدولة له غير استثمارات هامشية، مقابل تخصيص الاستثمارات المربحة في منافسة غير شريفة لصالح قطاعها الخاص السلطوي، غير آبهة بمزايا اقتصاد السوق والمنافسة الحرة، كمولدات لحوافز الإنتاج لأنها تتوافق مع  الأفكار والرغبات الفطرية للإنسان، فالاستقلالية تدفع بالإنسان إلى الإخلاص والتفاني في العمل لانجاز مهامه الاقتصادية، بالمقابل تم التغاضي عن التناقضات المتأصلة في الملكية  العامة المحبطة لحوافز الإنتاج والأخذة إلى الركود، فالحالة المزرية للمشروعات الحكومية رغم مواردها الهائلة دليل على ذلك، لأنّ هدف الحكومة من هذه المشاريع ليس توفير حاجات السكان والمردود المالي والتنمية، بل زيادة استثمارات الأسرة الحاكمة، ولأنّ المشروعات أدوات لتنفيذ سياستها الاجتماعية والاقتصادية، تفرض عليها أهدافا غير تجارية، كالاحتفاظ بالعمالة الفائضة، والاستثمار في مواقع غير مجدية اقتصاديا، وكلّ هذا يحوّلها بشهادة ماركسيين عرب إلى مرتع خصب للانتهازية والبيروقراطية الطفيلية والفساد، ليسودها التسيب والإهمال والهدر، والعجز والخسارة، هذا لأنّ الدولة الشمولية لا تعمل بمعايير الكفاءة العلمية والنزاهة في تعيين المدراء والموظفين لإدارة مشاريعها، بل توزّع الوظائف الإستراتيجية على الجسيمات الطفيلية التابعة لها لتعتاش على أمعاء الدولة، ولغياب الديمقراطية فهي بمنأى عن المحاسبة والتقييم على مدى نجاحها أو فشلها  في  أداء مهامها، والمحصلة هي التصاعد المرعب  لمعدلات الفقر والبطالة  والمرض والأمية المسجلة في غالبية المجتمعات العربية اليوم، ولولا ضيق مساحة المقال لأوردنا بعض الإحصاءات.

وبذلك نجد أن الحكومات العربية بتدخلها السافر في دقائق حياة مجتمعاتها، حققت نجاحا باهرا في تحويل الدولة إلى ملكيات خاصة يتوزعها أفراد معيّنون بالاسم، ميزانياتهم تعادل خمسين ضعفا ميزانية دولهم، وفي اصطناع زوائد اجتماعية وجدت طريقها إلى الثراء الفاحش  والسريع وغير المشروع، وفي إغراق الاقتصاد بمستنقع  التخلّف، ولكن الإنجاز الأعظم للسلطة التدخلية هو إعادة مجتمعات عربية إلى المرحلة البدائية.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق