مخلوق غير عنيف قال ذلك الدالاي – سمير عطاالله

{{“عندما أغادر لبنان، أخاف عدم العودة، أو أن أعود فلا أراه، وفي البعيد لا تحملني قدماي. هذه الوطنية مرضي، أيها الوطن العذاب”.}}

{محمد علي فرحات (مفكرة باريسية)}

اتخذت قراري حول العنف وانا بعد دون العاشرة. لم يكن ذلك في الكتب، ولا على الجبهة. كان ذلك في “الخربة التحتا”. او الحاكورة التحتا. قطعة ارض صغيرة ملحقة بالمنزل الاول. هناك شاهدت رجلا ضخم البنية يطلق النار من بعيد على “ريكس”. خرطوشة واحدة من بندقية الصيد من مسافة بعيدة، وهوى “ريكس” على قوائمه الاربع سقطة واحدة، صامتة، بعكس ضجيج البندقية.

كان “ريكس” يفرحنا. نلاعبه في الحقول، ويتظاهر احيانا انه قادر على حراستنا والدفاع عنا. وصار، بلونيه الجميلين الابيض والعنابي، جزءا من البيت. وجزءا من الطفولة، ولم يكن فيها، عدا “ريكس”، الا القليل. الحقول والزهور ورائحة الارض والعدو مع “ريكس”. لكن “ريكس” كان يعني شيئا آخر لصاحب البندقية. كان يزعجه صوته عندما يفرح. ويزعجه صوت لهاثه عندما يتعب من اللعب. وفي النهاية فكر في امر واحد: الوقوف على شرفة منزله واطلاق النار على اقتناء الطفولة الوحيد.

عندما سقط “ريكس” اكتشفت انه ليس في امكاننا الاعتراض، ولا حتى ان نسأل صاحب البندقية عن السبب، ولا ان نستنكر مقتل كائن ضعيف، هادئ، امين، ومخلص وودود. كان في امكاننا فقط ان نصمت، ونتظاهر باننا لم نسمع صوت البندقية. ولم نرَ كيف هوى “ريكس” حزينا على اربعيه، لا يدري اي خطأ ارتكب في حق الجار القوي.

تظاهرنا ايضا بأننا لم نتفقد “ريكس” قرب افرشتنا ذلك المساء.

عندما انتقلت من “قراءة” العنف في الحاكورة، الخربة التحتا، الى قراءته في الكتب، أجببت غاندي. أحببت ذلك التسامح العميق القادر على إلحاق الهزيمة باكبر قوى الارض. مدّ يده النحيلة الهزيلة المرتجفة وحرك قرص الشمس قائلا لها، للشمس: بعد اليوم تغيبين عن امبراطورية بريطانيا رغم انفك وانفها. لقد قرر مساكين الارض ان لا امبراطوريات بعد اليوم. لا اقوياء. ارض للبشر والانسان، هكذا هي ارض البشر.

لكن المهاتما، لحزني الشديد والدائم، كان النموذج الوحيد والاخير. لم يتكرر في مرحلة، ولا في مكان. وظل “ريكس” يموت صامتا في الحقول التي سوف تسمى في كمبوديا “الحقول القاتلة”. الاسبوع الماضي توفي ديت بران الصحافي الذي روى لنا حكاية فيلم “الحقول القاتلة”. يوم قرر رجل ضاحك النواجز يدعى بول بوت ان يقتل جميع كمبوديا من اجل ان يعيد بناءها من جديد نقية ودون شوائب او اخطاء. قتل ثلاثة ملايين انسان واقام متاحف لجماجمهم في العاصمة بنوم بنه، ومزق البلاد وترك خلفه اكبر عدد من المعاقين في العالم، وفي التاريخ. وفي النهاية عثر عليه جثة باسمة، على سرير حديد في الادغال، منهمكا باعادة صوغ الحلم الكمبودي، بلد نقي، دون اخطاء، دون شوائب، دون فساد.

في الاسبوع نفسه تحرك التيبت، سقف العالم، او آخر سقوفه، ضد الصين. يقول الدالاي لاما، الباسم ابدا هو ايضا، ان الانسان مخلوق غير عنيف. هذا المخلوق الطيب، الانسان، يكتسب العنف اكتسابا. في المرات القليلة التي قرأت الدالاي لاما او اصغيت اليه يكركع الكلام، ما فهمت سوى القليل. والقليل الذي فهمته كان باليا او سقيما مثل الاقوال المأثورة التي على الروزنامات في الدكاكين.

هذا الرجل يريد ان يقنعني، دائما بابتسام، ان صاحب البندقية الذي قتل “ريكس” في الحاكورة، الخربة التحتا، لم يكن عنيفا؟ ان ماو تسي تونغ الذي وضع قبضته على بلده التيبت وتحمل مقتل 60 مليون انسان من شعبه، لم يكن عنيفا؟ ماذا كان ماو وهتلر وستالين وبول بوت؟ الاب بيار ام الام تيريزا التي جاءت من ألبانيا؟ لماذا يجيء الاستثنائيون من ألبانيا، الام تيريزا والمهندس الذي بنى تاج محل وذلك اليتيم المذهل محمد علي الذي مات له 17 اخا، وعاش هو ليحكم مصر التي عصت على نابليون؟

ثم ما هذا السجل العسكري السيئ ايها الملازم بونابرت، تخفق في عكا، وتخفق في مصر، وتهزم في واترلو، وتموت منفيا، ومع ذلك تظل الامبراطور الاول. ليس بسبب فتوحاتك بل بسبب مدنياتك. ليس بسبب الغزوات القاتلة، بل لان الانسان الآخر فيك، الرجل المدني اقام دولة القانون والمسؤولية والحرية، وانهى فوضى الثورة، وعنف القتلة، وعصر المدعي العام الذي كان يطلب منه ماكسيميليان روبسبيير مئة جثة لمقاصل باريس على الاقل هذا اليوم، قبل الغروب، كل غروب. الى ان قصل هو ايضا.

كيفما تتلفت في مساحات باريس اليوم تجد شيئا منه. قبة ذهبية، او برلمان ذهبي، او قانون ألماسي يعلم الناس الالفباء بدءا بالألف: الحرية. الى هنا جاء المنفيون، وضعوا حرياتهم وحريات شعوبهم. من اميركا جاء الكتاب الكبار، من اجل ان يكون لحرياتهم معناها الثقافي. لا حرية بلا جمال، ولا حرية بلا عمق. من ايرلندا جاؤوا، واصبحوا في حاضرة اللغة الفرنسية، اهم واشهر كتّاب الانكليز. من رومانيا ومن ايطاليا جاؤوا ومن اسبانيا جاء بيكاسو ووضع توقيعه على مئة عام لألف لون. المئة عام الاولى بعد ليوناردو وبعد مواطنه، غويا.

كانوا يتجمعون هنا، فقراء ومعدمين، ويتركون اسماءهم بالذهب على جدار الارض: غوركي كان هنا. باسترناك كان هنا. نابوكوف كان هنا. وهنا ذات مرة، تحت ضوء المصباح على السين، في البرد والجوع والفاقة، يدور هذا الحوار بين منفيين:

–ايهما اهم، روسيا من دون حرية ام حرية من دون روسيا؟

–طبعا، حرية من دون روسيا.

–اجل. اجل. ولكن ما نفع تلك الحرية اذا لم تكن هناك روسيا؟

–تورد هذا الحوار المنفية الارمنية نينا بيربروفا. لا اذكر من كان المتحاورون. لكنني اذكر كيف تحولت باريس ذات مرحلة منفى دائما لثلاثة من ابناء صانعي الدولة الحديثة: علياء رياض الصلح، وريمون اميل اده، وخليل بشارة الخوري.

واذكر حوارا مع الست عليا حول الاكثر تمردا بينهم:

–غريب كم هو نظيف. كل شيء فيه نظيف. شعره نظيف. وجهه نظيف. دفاتره نظيفة. وحتى جريدته نظيفة. مطوية مثل منديل.

–ليست المسألة انه نظيف. انه محصّن. الغبار لا يعلق عليه.

فيما أقرأ مفكرة محمد علي فرحات، ما بين محطات المترو ووجوه النساء (نساء باريس، نساء الضفتين، نساء الاقبية عند نزار قباني، نساء المونبارناس عند جبران والحويك، نساء السان ميشال عند سهيل ادريس؟ سامحنا دكتور “الآداب”، فاتنا ان نكرس لك هذه الزاوية يوم غيابك، عملاقا من عمالقة الثقافة العربية، عملاقا من عمالقة الحريات والمدنيات والعشق وإلفة النفوس. باي رحمة ربكما تذهبان، العلايلي وانت، عمامتا الانفتاح والألق، عمق العروبة ونافذة المعرفة. منارتا بيروت يوم كانت مدينة المنارات. قبل هذا الجدب والنزاع وحلكة الشمس. آه، عنفوان، نساء باريس، ومفكرة محمد علي فرحات. فيما اقرأ مفكرته يخطر لي جيل من شغفاء الثقافة، يغادرون لبنان ليكتبوا عنه. ليكتبوا اليه. وينتابهم خوف مزمن من ان يعودوا ولا يكون. تعبّر فيروز عن هذه الغربة القسرية، امام المرآة، في ضوء القمر، على قنديل او سراج او نجمة الصبح: “يا خجلتي منك، تجي وما تعرفني”.

نشر في النهار في 9/4/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق