مراهقة سياسية مفخّخة بالعنف

يعدّ العالم العربيّ مفخخاً بالعنف والنكبات بكلّ المقاييس ومن كلّ الجهات، الجميع يتحدّث عن فرادته وتسامحه وحيويته، فيما الجميع يتحدّث عن العنف غائر الجذور المتكاثر فيه وغياب “فسحة الأمل” بالنهوض من التخلف، وثمّة من يتحدّث بشيء من اليقين عن أنّ انفجار الإقليم هو أمر وشيك الحدوث.

ويجد أهل المنطقة أنفسهم، على اختلاف تكويناتهم الدولتية والإثنية وتيّاراتهم السياسية والثقافية إلخ بين – بين، بين بينين غير متعيّنين، سمتهما العنف، التسلط الدولتي والاختراق الخارجي من جهة، والميل – بل الاتجاه – الاجتماعي والثقافي والسياسي للعنف الداخلي والاحتراب الأهلي (الخ).

إذا كان الاختلاف (والتعدّد) قيمة جوهرية لأيّ اجتماع سياسي أو أيّ خطاب منهمك في الشأن العامّ، فأنّه في منطقتنا يبدو نقمة خاصةً ويصدر عن إرادات تؤمن بالمطلق والأبديّ أكثر مما يصدر عن إرادة تؤمن بالنسبيّ أو المختلف أو المتعدّد. وهذا ينبئ واقعياً بالنزاع والخراب، وهو يجعل المنطقة حيزاً منكوباً أيضاً بكلّ المقاييس ومن كلّ جهات الفكر والسلوك، الجميع يتحدّث عنه أو باسمه (الاختلاف)، ولا من يفكّر فيه، دول وتحالفات وأعراق وإثنيات وطوائف وروابط ومنظمات وأحزاب سياسية وأهلية ووسائل إعلام وعرائض وبيانات إلخ أكثرها يَجِدُّ في الحصول على ما يريد بافتراض أو اعتقاد أن هذا هو عين ما يقتضيه الحال، ولكنّ ذلك يحدث على حساب الأوطان وفوق نكباتها وفواجعها، وليس أدلّ على نكبة الأوطان في المنطقة العربية والشرق الأوسط من صعوبة التفكير بمستقبلها أو حتى تخيّل سيناريوهات افتراضية بهذا الشأن مؤسّسة على معطيات علمية أو تقص ميدانيّ أو حتى قراءة في فنجان. (أغبط القائمين على مشروعات استشراف المستقبل لعدد من دول المنطقة).

كلما احتد الجدال السياسي والتعبير الشفاهي والكتابي، كلما شعرنا بضعف وهزال الوعي السياسي وتآكل الوزن المعنوي للبلاد وتهشيم صورتها في عيون أبنائها وفي عيون العالم. وكلما تحدثنا عن بلداننا، معارضين أو مؤيّدين أو متردّدين بين – بين، تفقد شيئاً من رأسمالها الرمزي الفعلي أو المفترض في الداخل والخارج. وكلما طرحت المسألة القومية أو الإثنية أو الطائفية إلخ تتوقع الضغوط الإقصائية والتكفيرية والعنف المادي والمعنوي،… والنكوص حتى عن المستويات المتواضعة من “التقدّم” على أيّ صعيد مما ذكرنا، أو نكوص مساعي الإصلاح والتغيير الاجتماعي والاقتصادي فضلاً عن السياسي والديني.

وعندما يترد الكلام عن المنطقة تتوقع المبالغات والبلاغيات على اختلاف اتجاهاتها ومعانيها، الكل يبالغ في معارضته (أو تأييده) وأكثر الكلام يتغافل عن وقائع و”يسكت عن حقائق أكثر مما يفصح”. فمن يقف مع هذا “الوطن” الذي يئنّ تحت وطأة الأسى بفعل أبنائه قبل أعدائه، بفعل “الغيورين” عليه قبل الحاقدين عليه أو الواقفين ضدّه؟ ومتى يفسح هؤلاء حيزاً لخطاب مختلف نسبياً، وهذا أقصى ما نأمل اليوم، يسمح بنقاش موضوعي يهجس بالأوطان (الإنسان والطبيعة والتاريخ إلخ) قبل أن يهجس بالمصالح الأنوية المتمركزة على الذات، وتكون عينه على الوطن وليس على “تخصيص الموارد المادية والمعنوية”؟

وإذا كان منطوق الخطاب السياسي في المنطقة، يتأسس في أكثره على مفاهيم الوطن والتعدد والوحدة والمجتمع الأهلي والتغيير إلخ، إلا أنّ واقع الحال ومفعوله يعاكسه بصورة صارخة مما يجعله بالفعل خطاب “تعمية” لا خطاب “وضوح”. ويتأكد هذا مع أدنى مقارنة بينه وبين كتابات مدرسية حول التنمية والاختلاف والتعدد إلخ..، الأمر الذي يقرّر أن الخطاب المذكور يستند في المعنى أو حتى بالحرف على مقتطفات من تلك الكتب أو التقارير التي تصدرها المنظمات المختصة بالموضوع (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مثلاً). وهكذا يمسّ الخطاب المذكور أقرب إلى “ثرثرة” واستعادات ممجوجة للكلام عن التغيير في زمن العولمة .

لقد حصل الوطن من جراء ذلك على نتيجتين أو علامتين فارقتين، الأولى: هي مسرحة الشأن السياسي (الداخلي) والمطالبة بمزيد من الكشف والشفافية والوضوح في السياسات العامة، وفي العلاقة بين المجتمع وبين الدولة، والثانية هي: توضيح الحال فيما بين الداخل والخارج من اتصال، وخاصةً لجهة التداخل الكبير و”غير القابل للضبط” بينهما. والواقع أنّ النتيجة الأولى ساهمت في الكلام عن حقوق الإنسان وقوانين الطوارئ والمطبوعات والتحديث القانوني والتشريعات إلخ، أمّا الثانية فأقرّت بالتداخل بين الداخل والخارج وبأنّ الاستعانة بالخارج هو أمر ممكن وأنّه، على الرغم من محاذيره، قد لا يكون شرّاً كلّه.

وهنا يزيد عدد “فرسان البيان” الذين أخذوا يعطوننا دروساً في كيفية الانهمام (أو الاهتمام) بالوطن، فطرف يعلمنا كيف نعارض وآخر يعلّمنا كيف نوالي! الأوّل يعلّمك “كيف تصبح معارضاً في خمسة أيام”! والثاني يعلّمك “كيف تصبح مواطناً صالحاً في يوم واحد”!! وهكذا “يؤثّم” كل طرف الطرف الآخر، ويرميه بأقذع النعوت من التآمر والضعف إلى القزامة والعمالة إلخ فيما يخصّ المعارضة، أو الاستبداد والتسلّط والارتهان للخارج إلخ فيما يخصّ نظم الحكم، وهو ما يجعل أكثر النظم السياسية والدولتية تمارس أشكالاً من القمع والاستبداد بحجّة “تحصين الداخل” في مواجهة “أعداء الداخل والخارج”، وغالباً ما يكون ذلك ستاراً لمزيد من التضييق على الحريات ومزيد من الفساد الذي يكتسب دافعية جديدة مع إسكات أصوات النقد. وقد يتجه بعض المعارضة للعنف الرمزي أو حتى المادي بمواجهة عنف السلطة، وثمّة منها من يكفّر ويعنّف المجتمع والدولة معاً!

وفيما يتصل بالضغوط الدولية من أجل الإصلاح في المنطقة فقد ذكرت القمة العربية مثلاً أن من الأفضل أن تكون مبادرات الإصلاح داخلية، واعترف بعض الزعماء بقدر محدود من التقصير السياسي والتنموي، وبالرغبة في التغيير وخاصة إزالة العوائق الممانعة، ولكننا لم نقع على تحليل يشخّص تلك “العوائق الذاتية” بأكثر من كلام عموميّ يتحدث عن البيروقراطية وضعف الأداء الحكومي والمحسوبية، فيما يتم تجاهل “الناظم الداخلي” للسياسة العامّة نفسها، وقد يحيل البعض ذلك الفشل “غير المسمّى” أو “المتنكّر له” أو “اللامفكّر فيه” إلى “أسطورة الحاكم لا يعلم ما يفعله أعوانه”، وهذا يعني في عرف البعض أن التردّي والعجز ليسا من مسؤولية الزعيم وحده، وخاصةً مع كلام الدراسات السياسية عن “قوى ممانعة للتغيير” في الداخل أو تخوّف عدد من النظم والقوى السياسية من ردّة الفعل الاجتماعية على أيّ تطوّرات يمكن أن تنفلت من “عقالها”، وهذا أمر يتطلّب المزيد من التدقيق والتحليل.

إنّ المنطقة العربية والشرق الأوسط اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى لدراسة السياسات العامة للإصلاح من منظور أكاديميّ يعتمد على معايير العلم أوّلاً، مع أقلّ قدر ممكن من الأدلجة أو التسييس أو الحسابات الضيقة، لا أن يُترَك الشأن العامّ لعدد من الساسة والشلل والعصائب والزبانات والهواة، فكرياً وسياسياً. وأذكر أنّ المفكر فؤاد زكريا تحدّث ذات مرّة عن مرض خطير يتهدّد مجتمعاتنا سمّاه “المراهقة الثقافية”، فهل يمكن الكلام هنا عن “مراهقة سياسية” وسذاجة تاريخية وربما “تخلّف محض” – بلغة خلدون النقيب – لدى كثير من هوياتنا الفرعية (أو الرئيسة) ومنظماتنا السياسية والمدنية وشريحة أكبر من السياسيين، بكلّ ما لذلك من انفتاح على أفق لا حدود له من الكلام غير المنضبط أو فاقد المعنى، في فورة كتابية وإعلامية ليست ظاهرة عربية أو شرق أوسطية فقط، وإنما هي أيضاً ظاهرة عالمية على حدّ تعبير بيتر جران. وإننا مدعوّون اليوم لمراجعة إرثنا الفكريّ والسلوكيّ وطرح الأسئلة الجادّة والعميقة، والسعي لدفع “العوامّ” للانهمام الجادّ بالشأن العامّ وعلى قاعدة المواطنة القائمة على المساواة واعتراف الكلّ بالكلّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق