مرايا عين الهر حول رواية “عين الهر” لشهلا العجيلي

رواية السورية شهلا العجيلي” عين الهرّ” والصادرة عن المؤسّسة العربية، بيروت، 2006، لا تخفي حركة الجنسانية الطاغية فيها، عبر لعبة الذكورة والأنوثة، والعنوان، كما يظهر، يتكفّل بإثارة فتنة اللعبة التاريخية والاجتماعية هذه، حيث تحتفظ بأهميتها الجمالية وصفة الجمالية في المثار عبرها حتى الآن، حيث إنّ شهلا ابنة الرقّة: المدينة السورية والفراتية، وعبر شخصية الساردة الروائية، تسلس القياد لجملة من الأفكار والتصوّرات، ذات المنهل الاجتماعيّ والثقافيّ، بما أنّ ثمّة سرداً يمارس تعريفاً بالساردة تلك، وهي تبرز مستوى جلياً من المعرفة جامعية الطابع، حول الوجود والكون والحياة والمكان الذي يعنيها، ولتكون أيّوبة، لسان حال شخصية نموذجية، تضيء بها عالماً، ليس بالخفيّ على القارئ، وإنّما جدير بالمكاشفة، حيث لا تكون أيّوبة هذه، سوى وجه من وجوه الساردة الروائية، المفصل الحركيّ للروائيّ، وربّما الوجه الفاتن لها، رغبتها في المصارحة بحقيقتها المدماة، وكون الاسم” أيّوبة” كليَّ المفارقة في التحوير والتعبير عن المتضمَّن، عما لا يمكن التستّر عليه، وهذا شأن الرواية الأعظم في تجسيد المفارقات، وتحديداً عبر اعتماد الدلالة المركَّبة للاسم، فما نعرفه تاريخياً، وفي التصوّر الدينيّ هو” أيّوب” الصابر فقط، أمّا أن تكون هنا ” أيّوبة” فاشتباك جنسانيّ مع الاسم، إنه سعي إلى تأميم القيمة الرمزية، وتحريرها من ربقة الذكر، وما يعنيه الذكر في سدول سلطته النافذة:

( فكلّ قصة أكتبها أسمّيها ” أيّوبة” وكل بطلة أرسمها أسمّيها ” أيّوبة”. ثمّة أسماء نحملها، تلك التي قال عنها ” غوته” إنها غبار وضجيج، تحجب الحقيقة الواحدة الناصعة، وأخرى تحملنا تلك التي تحكي عنها ” فيروز”: ” عينينا هنّه أسمينا”. لكن ” أيّوبة تنسحب دائماً في اللحظة الأخيرة، لأستبدل بها أسماء أخرى، وعناوين أخرى. ص 8).

إذاً، ثمّة شركة أسماء مساهمة غفل من الاسم، قارَّة في بنية الاسم الموضوع بين مزدوجتين لتأكيد التمايز، وكان يفترَض نزعهما لاحقاً، لتأكيد المفارقة ضمناً، والنظر في المقابل، كما في اسم فيروز، إذ لا يتطلّب هذا التعيين تعريفاً به، بما أنها أشهر من نار على علم، ولكن يظهر أنّ الروائية، تحرّياً وراء ذيوع الاسم وتراجيديته، في علامته الأنثوية الفارقة، تُبقي الحصر قائماً، لفتَ نظر إلى الحصار الذي يغرِق من يعنيها أمرها، أيّوبة وما تمثّل، أبعد من حدود الاسم ذاتاً ومكاناً، فهي شيفرة جهوية، وقمرة قيادة لاستشراف معالم حياة تشرذمت، وذاكرة الأنثى المذرورة من الداخل، مثلما تمثّل الوضعية البائسة لجسد مجتمعيّ متشظٍّ في حقيقته، بسبب طغيان الذكورة فيه.

من ألف الرواية إلى نهايتها ثمّة تسلسل تراجيديّ، لخاصّية الأنثى، وكيف تحاصر في دائرة القيمة المركزية للرجل: الذكر، كيف تتداعى الإسقاطات الجنسانية العلامة في محيط الرواية الاجتماعيّ، وعبر الساردة، هذه المثقّفة، كما هو الملحوظ في طريقة الكتابة، وتظل أيّوبة هي مستقطبة الدلالات والرموز الاستكشافية.

إنّ الراوية جامعية وكاتبة، وهي تجلو العالم الذي يباغتها، كما في رؤيتها لمعرض المجوهرات في دبي( ترف قاتل!. ص 11)، هكذا تترك الجملة الاسمية، ومن خلال إشارة التعجّب تمارس مهمّتها في التنبيه والتنويه إلى الجاري الضاري دلالة، وما يعنيها مما يقال ويتردّد على الحدود وسلبية الاسم، لفجائعية الحادث عبرها، ولأنّها تريد رؤية الأوسع من العالم، ونتيجة إقدامها هذا( أدركت أنني أتورّط لأوّل مرّة في المنعطفات. ص 15)، وما يخص المدينة التي درست فيها: حلب، ولقاءها بأيّوبة، وكيف تركت عملها كعرافة بالمعادن، واكتفت بالخدمة في الجامع، وهذا لا يخفى طابعه التجنيسي بدوره، وفي صمت، تعبيراً عن هزيمة عالمها المرجوّ من الداخل، والراوية تتحرّى أمرها( ص25)، ويكون من ثمّ مدّ وجزر، ذهاب وإياب بين المتردد على لسان أيّوبة وعبر الراوية، وما يخص الراوية ذاتها، وهي تستشرف عالمها الآخر في أكثر من مكان، وجهة ِالتناقضات حيثما ارتحلت وحلّت، وما يخصّ الفساد في مدينتها ذاتها، الفساد المجنَّس كذلك، والذي تحدّى كبار المسئولين لأنه استفحل كثيراً( ولا يمكن أن تحلّ الأمور إلا بقضاء إلهيّ، هذا ما تشير إليه مجريات الأمور حتى اليوم. ص 32)، وتمتزج رواية الفساد مع أحداث الرواية الكبرى لأيّوبة، عما شهدته من مآس عائلية، عبر أبيها، واستبداده لها، وهي طفلة، في الفصل بينها وبين رفيق الدراسة علي، تحت طائلة الجنسانية المشروخة قيمياً، وحكاية أيّوبة حكاية الراوية، وإلا لما تعرّضت لها( كانت ” أيّوبة” تحكي، وأنا أصوغ روايتي بمشاعرنا معاً وبلغتينا معاً. ص 71)، ومشهد التمثيل بجسدها ليلة عرسها، أي أيّوبة، من قبل المعتبر زوجها، دام ومرعب، كما هو المألوف في أمكنة كثيرة( أكاد أختنق، وأرغب بالتقيؤ وأنا أشعر بلعابه على جسدي، كان يمضغ ويبصق ويعض ككلب. ص 74)، حيث التصوير يأخذ مداه الأقصى في إبراز الآخر: الذكر، لتأكيد العنف الذكوريّ المتواصل والمعمَّم، وحتى في رؤية أيّوبة لمشهد حفلة ذِكر، في طابعه الذكريّ، تظهر مفارقة العالم وكيف يدار( ص 86)، حيث الاحتفاء بالذكر المعتبَر، بعيداً عن أي مشاركة نسائية، وعلاقة تاجر الأحجار الكريمة بأيّوبة، وزيفه من الداخل، والعلاقة بين ضوء الحجر المعدنيّ وعين الهرّ( أليست اللمعة ذاتها التي تصدر عن عين الهر! ص 129)، إذ أنّ الحجر المعدنيّ يقدَّر من قبل الرجل، والهرّ ذكر، وهو يرى في العتمة أضعاف ما تراه العين البشرية، وما يخصّ الفأر وغيره، فتتحرّك لعبة الجنسانية في هذا المنحى: تهرير الذكر، وتفئير الأنثى، إن جاز التعبير، والحجرة التي منحها هدية تكون مزيّفة خلاف البقية( ص134)، ليكون الوصل المأسويّ بين الزيف الكامن في الحجرة، وما وراء عين الهر، من ناحية لعبة الاصطياد والتمثيل بالفريسة: الطريدة، وعلى أرقى مستوى، كما في نطاق العائلة التي تتعامل مع الجواهر، وما هو أبعد منها، وجانب الشذوذ والفساد فيها، حيث تعرضت أيّوبة للصدمة الكبرى من خلالها( ص150)، ولا يبقى سوى الأمل الوحيد، وهو الخروج إلى داخل الذات، وفي أضيق بقعة سكنية، عبر الانسحاب من العالم الفسيح والمرعب( ما دامت قولة” الله أكبر” تتردد، اعلمي أن العالم بخير!. ص152)، وهذا الاكتشاف/ الاعـ”غـ”تراف الذاتي، ردّ فعل على فعل عالم ينال من كينونتها في العمق، وما يخصّ سواها من مثيلاتها في المجتمع الذي يتحرّك وفق أوامر ونواهيٍ ذكورية: عنفاً وتجديد عنف، كما يظهر!

إنّ متابعة حثيثة لبنية السرد في الرواية، وعلى لسان الراوية بالذات، وكيف أنها تتمترس كثيراً وراء أيّوبة، وما تعنيه هذه أكثر من كونها اسماً لافتاً، غرائبياً ربما، لهول المعيش، كما هو الطابع الغرائبي الموجّه أو المؤصَّل لها اجتماعياً، تجلو حقيقة الشخصية الاشتباكية عندها، أو تشابكها مع العالم الذي بقدر غوصها فيه، لتكون مواطنته، كأيّ كان، إذا بها تجد نفسها على السطح، بما أن قانون الجاذبية المجتمعية، ومن خلال ثقافة الذكورة، شهرياريتها، تقصي الجسد الشهرزادي، تبقيه على السطح، تقذف به بعيداً، وقد تمّ التمثيل فيه كثيراً، ومن خلال كمّ هائل من المشاهد المتناقضة، وبدءاً من الجملة الأولى( أسوأ حبّ، هو الذي يباغتك متأخراً. ص5)، أي ما هو معاش وما هو مباغت( تناقضات الأقدار. ص5)، أو ( الطريق الملتفة والمعتمة أكثر جمالاً ومتعة من الطريق الواضحة المستقيمة. ص 5)، لأن الثانية تعنيها وهي في معرض التمثيل بها، أو تفصح عن مرام الآخر المستبد بها، أو( لكثرة تقلبه نسميه قلباً. ص7)، وهي صياغة تصورية للقلب، إنما من خلال المعيش اليومي، وعن أيّوبة عالمه الحجر والمعادن، إلى خادمة، بعد سلسلة صدماتها بالمحيطين بها( وبسرعة تحوّلت ملامحها من العرافة، أو المحظية التي رأيتها للمرأة الأولى، لتتقمص دور خادمة الجامع. ص 27)، وما يقضّ مضجعها منذ البداية في بيتها( كنا بنات خمساً، لا ذكر بيننا سوى والدي، كان الديك الوحيد، وكان الأمر يؤرقه. ص48)، والعلاقة بين مفهوم القتل من جهة الأب، وتشوّه الإحساس لدى الأم( كان أبي قد قتل كل إحساس بالأنوثة لدى أمي. ص 64)، وما يخص مظهرها( أخرج ملفعة بالسواد، كل شيء أراه أسود يتخلله بعض النور.ص78)، أو ( وعرفت فيما بعد أن وراء تجارة الخيط التي تمتهنها تلك العائلة تجارات أخرى، قذرة، ووراء تلك الصداقات التي شهدتها مصالح وعلاقات نسب مع رجال دين ودولة . ص 151)، ولتكون النهاية، ومن خلال الراوية، وقد استوعبت عالم أيوبتها، مثلما أدركت كثيراً عن فضائحية الجنسانية ولعبتها، في تسييد الذكوريّ على الأنثويّ في سياق العلاقات الاجتماعية، أبعد من حدود بلدتها وبلدها، أو أي مدينة زارتها خارج وطنها، كما لو أنّ جرعة الألم هي واحدة، في محدَّدها الجندريّ، ولتكون الرواية هذه التي بتنا نعرفها فيما نقلته إلينا، شهادة أنثى على واقع مراق اعتباراً وتذوّقاً جمالياً بائساً للعالم ( عموماً، لم أكن أتوقع أن خطأ فنياً يلعب بنا جميعاً، وأنّ آخر، لا أحد منّا يعرفه يتلهّى بمصائرنا أنا، وأنت، وأيّوبة. ها قد كشفت أوراقنا، وفوَّتنا على أنفسنا قصص حبّ! . ص 155).

شهلا، تنضمّ في روايتها إلى ” بنات جنسها” من اللواتي يعشن مفارقة الاسم والمعنى واقعاً، وفيما يعني المرئيّ والمغيَّب على أرضية العلاقات الاجتماعية في محيطها، فيما سمَّته، وفيما أشارت إليه، وفيما تكتّمت عليه في سياق المعنى، كما في رواية( أيام معه)، لكوليت خوري، أو( امرأتان في امرأة) لنوال السعداوي)، أو( مذكرات امرأة غير واقعية) لسحر خليفة، أو ( صابرة وأصيلة) لغالية آل سعيد…الخ، ولعلّ المستخلَص من الرواية، ومن باب التمايز، هو ذلك اليأس الذي تعشّش في الداخل، لأنّ الخراب الحاصل في المجتمع، وتحت إشراف ذكوريّ، لم يترك مجالاً للتفكير بأنّ ثمّة أملاً بإصلاح الوضع أرضياً، بما أنّ الفساد عمّ كثيراً، والكوّة الوحيدة، هي المطلّة على سماء لا تري شيئاً، بقدر ما تخصّ قوّة وجدانية إلهية المصدر، هي الوحيدة : المرتجى والمؤمَّل، رغم أن المنشود السماويّ لا ينفصل عن حركية الثقافة جهة تجنيسها دنيا وديناً، وهنا يتراءى النذير الأنثويّ لما يسوس المجتمع، ويتباهى بذكورته، وفي صُور الروائية، وعلى الورق، وبشدّة، ولكن أيّ بعث يُستحدَث إثر ذلك؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق