مرة أخرى، هل ثمة تغيير في الخطاب الإسلامي؟

في مقاله المنشور في موقع الأوان يوم السبت 26/ 12/2009بعنوان [هل ثمة تغيير في الخطاب الإسلامي؟->http://www.alawan.org/%D9%87%D9%84-%D8%AB%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A.html] وعلى خلفية رصده ردود الفعل التي شهدتها الساحات الإسلامية والأوربية جراء حظر بناء المآذن في سويسرا، يحكم الكاتب العزيز نفسه بالأمل المؤسس على استنتاجات متضاربة، منها تغير في لهجة الخطاب الإسلامي وعقلانية في ردود الأفعال،ومنها انفعالية تهدد الحكومة السويسرية صادرة عن(جبهة العمل الإسلامي في الأردن)، وشديدة من الشيخ (الراديكالي القرضاوي!) الذي حمل الحكومة السويسرية مسؤولية نتائج الاستفتاء(وليس الاستفتاء ذاته!)، والذي لم يسارع كالعادة إلى صيغة التكفير والتهديد ودعا المسلمين إلى التزام الهدوء واللجوء إلى القنوات القانونية وهذه سابقة حسبها الكاتب العزيز وائل السواح للشيخ (الراديكالي القرضاوي!) وأصحابه من فرسان الفتاوى في الشاشة الصغيرة،(1) وهذه الردود الهادئة في بعضها والانفعالية والشديدة(غير العقلانية افتراضا ً) في بعضها الآخر تضعف بدورها رصيد وحظوظ الأمل لدى الكاتب الذي يتابع نقل السجال بين الآراء المتضاربة وصولا إلى عرض القصاص الذي سينزله عضو المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق بالمسيحيين بعدم السماح لهم بتشييد كنائسهم، وهذا القصاص على شدّته يتطابق في الجوهر مع فتوى القرضاوي مؤخرا والمؤكدة في حلقة الشريعة والحياة 27-12- 2009على قناة الجزيرة، حول منع المسلمين من المبالغة في احتفالات أعياد الميلاد مع المسيحيين بذريعة موقف هؤلاء من مئذنة سويسرا وتهديد الاحتفالات للهوية الإسلامية، وهذا الموقف(خطر الأعياد!) ألا يتضارب مع السابقة التي سجلها الكاتب للشيخ، وحينما ينتقل الكاتب إلى أعمال العنف التي تخوضها حركات إسلامية عدة في مختلف البلدان يرى تراجعا لمصلحة الحوار والمصالحة والاعتدال والعمل السياسي، باستثناء بعض القوى التي تدافع عن نفسها في أفغانستان وباكستان، ولاشك هنا أن الكاتب بتبعيض واختصار قوى الصراع الدائر في (أفغانستان!)إلى حالة الدفاع عن النفس، إما سيفضح منطقيا ً تقديرات الإدارة الأميركية ومبالغتها في حشد إمكانيات بشرية وعسكرية جبارة لملاحقة القاعدة وحركة طالبان هناك، بله(الناتو والحلفاء الآخرين). وإلا فصحة تقديرات هذه الإدارة ستضعف حجة الكاتب في ابتناء آماله في تغيير الخطاب الإسلامي.

كما شكل العنوان عبئا ًمعرفيا ًأثقل المقال، الذي لم يستطع متنه بما اشتمل عليه من وصف صحفي سطحي خارجي للظاهرة الإسلامية وخطابها، أن يتناسب ويتساوق مع العنوان(بعبارتيه، تغيير، والخطاب الإسلامي) ذي الطاقة الاستيعابية المعرفية العميقة القراءة، ذلك أن المقال افتقر إلى قاعدة البيانات والإحصائيات، وإلى التحليل الفلسفي النظري السياسي بأسسه النظرية ومنهجه، الذي تحتاجه النتيجة التي جازف الكاتب ببسطها سهلة من بين أصابع العنوان.

وأعتقد أنه ثمة فرق بين ردود الأفعال (الهادئة المعتدلة أو الانفعالية الشديدة) المذكورة أعلاه كتكتيك يلجأ إليه ويعظ به في سياق الصراع وطبيعته (هدوء-تصعيد-حرب-هدنة) شيوخ الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين(المنبر والإطار التنظيمي للخطاب والمشروع الإسلامي السني الشيعي) وعلى رأسهم القرضاوي السني ونائبه الشيعي أحمد التسخيري، وبين الضرورة المعرفية المنهجية لقراءة مسألة تغيير الخطاب الإسلامي(حوامله وقواه الاجتماعية ورصيده الموضوعي سياسيا ً وعسكريا ً) باعتباره مقولة ومفهوم مكوناته المعرفية، تم تجريدها من كل تاريخ الوجود المادي الموضوعي، للصراع السياسي والعسكري الذي دارت رحاه في أزمنة وأمكنة النصف الثاني من القرن العشرين عبر البر العربي الآسيوي الأفريقي، والذي تقف القوى الإسلامية طرفا ً فاعلا في موازين قواه، باعتبار أن هذا الخطاب هو مشروعها الديني الدنيوي، ولسان حالها في التبشير والدعاوي عبر فتوحاتها، في مواجهة أطراف أخرى مختلفة الأيديولوجيات،(ليبرالية، يسارية، قومية)، على الساحات التالية:

– الساحة المصرية في عهود كل من عبد الناصر الذي قمع حركة الإخوان المسلمين والسادات التي اغتالته حركة الجهاد الإسلامي، ومبارك الذي واجه عسكريا ًالقوى الإسلامية ولا يزال يقمع سياسياً النشاط السياسي لحركة الأخوان المسلمين المصرية ويحاصر نفوذهم المتصاعد ويعالج خاصرته الدامية في غزه لمنع أي التحام بين الجناحين الإسلاميين(الأخوان في مصر وحماس في غزه).

الساحة السورية حيث تمت هزيمة تحرك الأخوان المسلمين العسكري(1979-1982)
الساحة الجزائرية والصراع الدموي الذي بدأ في بداية 1992 بين النظام الجزائري من جهة وبين الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحلفائها من الفصائل الإسلامية الأخرى من جهة أخرى، وذلك في أعقاب إلغاء النظام الجزائري للانتخابات التشريعية لعام 1991 التي حققت فيها الجبهة نصرا ًقام بشطبه كبار رجالات الجيش في النظام الجزائري الذي خاض مع الحركات المسلحة صراعا ًدمويا ًخرج منها النظام معافى،فيما ضعفت هذه الحركات ونزعت الجبهة الإسلامية للإنقاذ سلاحها عام 2000(2).
وأخيرا ً تم دفع هذا المشروع والخطاب الإسلامي في هذه الساحات إلى الانكفاء والاختباء والإجراءات السلبية بإسناد عاملين:

سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية، (الرمز الإمبراطوري لهذا الخطاب) أمام الرأسمال العالمي الذي كنس عسكره هذا الرجل المريض من مسرح التاريخ خلال(الحرب العالمية الأولى1914—1918وحتى1924). ولقد قام النظام التركي العلماني الوليد(نظام أتاتورك) من أحشائه بقمع وإعدام الشيخ سعيد بن بيران وتمرده لدفن أول صوت مناداة على لسانه بعودة الخلافة الإسلامية، ومناهضة القوانين العلمانية التي شرعها أتاتورك وتتالت عمليات مطاردة وقمع الحركات الإسلامية على الساحة التركية إلى أن تمكن أربكان من معاودة تأسيس الحركة الإسلامية عبر حزب السلامة ،وبعد حله1973 ثم تأسيس حزب الرفاه 1983الذي تصاعد نفوذه وفاز في الانتخابات البلدية 1994 وفي الانتخابات البرلمانية 1995 ولمع اسم رجب طيب أردوغان الذي فاز برئاسة بلدية اسطنبول، كما تبوأ أربكان(أول إسلامي) رئاسة الحكومة التركية 1996 بعد سقوط الخلافة العثمانية1924، وأسقطه العسكر الأتراك وأنشأ حزب الفضيلة2000 الذي انضم إليه كل من الرمزين أردوغان وغول اللذين أسسا حزب العدالة والتنمية 2001 ليتبوآ هذا الحزب السلطة في البرلمان والحكومة عام 2002(أغلبية برلمانية ورئاسة أردوغان للحكومة) ولا يزال حتى الآن
قيام الإتحاد السوفيتي ونظام التجربة الاشتراكية(1917-1922) وصيرورته داعماً استراتيجياً للخطاب والمشروع(القومي اليساري) وقواه السياسية في حركة التحرر الوطني العربية التي تربصت بأية معاودة لانبعاث المشروع والخطاب الإسلامي، أو أية استعادة وبناء لقواه، لإعادة ردعه وقمعه وسحقه وإقصائه بنفس عقيدة الإقصاء(الجميع يقصي الجميع في إطار الاستبداد والشمولية)، كما حصل في المواجهات السياسية والعسكرية الدامية التي شهدها مسرح الصراع على جبهات الحرب الباردة منذ خمسينات القرن العشرين وحتى التسعينات في الساحات المذكورة أعلاه التي كانت تعتبر أنظمتها السياسية خلال الحرب الباردة ولا تزال ركائز متقدمة ومنطقة نفوذ وحليفة للاتحاد السوفييتي وروسيا كضمان أمني جيوسياسي ومن هنا تمت متابعة ولادة الخطر الأصولي الإسلامي منذ مهده وقمعه تباعا ًوإضعاف فاعلية قواه فيما بعد كما رأينا على مدى عقود.

أما القوى الإسلامية(الشيعية-السنية) التي تتواجد الآن2009 ومنذ ثمانينات وتسعينات القرن العشرين داخل المنطقة الجغرافية الممتدة من البحر المتوسط وحتى الحدود الهندية – الصينية مرورا ًبالعراق وإيران وأفغانستان وباكستان وكشمير، فإن ثبات وديمومة وجودها وفاعليتها العسكرية وقدراتها الكبيرة على فعل التدمير وشيوع الخراب والصراع العسكري والحروب وتنفيذ عمليات التفجير في كل مكان وإنجاز النتائج المرجوة لها فإنه نابع من تضافر جملة عوامل:

كونها قوى وكيلة لأطراف إقليمية ودولية قامت بتبنيها وتمريرها إلى جغرافية الصراع لتنفيذ أجندة إستراتيجية لموكلها، مقابل مكاسب سياسية ومادية محكومة بحدود وأبعاد الصراع ومآلاته لم تكتو بنار القمع والملاحقة منذ ولادتها كالقوى السابقة وإنما أعطيت فرصة الإعداد والتأهيل والتدريب والإيواء والدعم الكبير المجدي العسكري المادي والمالي وبالسلاح والخبراء والخطط والمجهود الإستخباراتي والتسهيلات المختلفة،إلى أن انقلب بعضها على حلفائه كحركة طالبان وتنظيم القاعدة ضد الحليف والراعي الأميركي والباكستاني السابق، والعدو حاليا ً، وذلك بعد أحداث 11أيلول 2001بكل تداعياتها الحالية، بينما حركة حماس التي ظهرت خلال الانتفاضة الفلسطينية عام 1987(وحركة الجهاد الإسلامي) وتبنت الوسيلة العسكرية في مواجهة المشروع الأميركي الصهيوني بعد انكفاء عنه(تحت اسم الأخوان المسلمين) لمدة عشرين عاما منذ عام 1967وتم تبنيها ودعمها من سوريا وإيران ولا يزال هذا الدعم حتى الآن، ونفس الأمر ينطبق على حزب الله المدعوم من سوريا وإيران والذي تأسس عام 1982 في لبنان على خلفية مواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنان واحتلال بيروت، ووصلت قدراته العسكرية إلى حد أخرج خلاله الاحتلال الإسرائيلي من لبنان عام 2000 وخوض حرب 2006معه.

ارتكاز هذه القوى الإسلامية إلى قواعد اجتماعية وكتل بشرية تقدم ولاءها (الشيعي/ السني) مجانا ًبقوة الزمن الديني بدون مجهود تبشيري تنظيمي كان يجب أن تبذله القوى الأخرى كالشيوعيين والقوميين والليبراليين وغيرهم من الدنيويين فيما لو أرادوا كسب الأنصار والمريدين(الرفاق)، حيث تشفع للقوى الإسلامية إنجازاتها الجهادية والمقاومة على صعيد المسألة الوطنية للإخفاقات على صعيد المسألة الاجتماعية حيث شيوع الفقر والبطالة والأمية وتردي الخدمات والمستقبل الغامض، عدا عن افتقارها أساسا ًإلى أي برامج اجتماعية (اقتصادية)يمكن أن تضعه بين أيدي الخبراء وأهل الاختصاص.

والآن… بعد كل الجرد السابق نجد أن المشروع الإسلامي(الآن) يرتكز على رصيد سبع ساحات تشكل بهذا القدر أو ذاك مرتكزا ًجغرافيا ً وبشريا ًوسلطة بما هو حالة وظاهرة وجودية كيانية للمشروع والخطاب الإسلامي وهذه الساحات هي فلسطين(حركة حماس والجهاد) ولبنان(حزب الله) وتركيا(حزب العدالة الحاكم) والعراق(قوى إسلامية شيعية وسنية) وإيران(الداعم الإقليمي) وحتى ضمن حالة الصراع الدائر بين المحافظين والإصلاحيين لأن شظاياه ومواده ستبقى إسلامية داعمة، وأفغانستان وباكستان(حركة طالبان وتنظيم القاعدة والمدارس الدينية)، وهذه الساحات السبع تقدم للصراع الدائر الآن قارة إسلامية داخل القارة الآسيوية مساحتها حوالي 4,4 مليون كم2 وسكانها 350 مليون نسمة على الحدود الغربية للعملاقين الصيني الهندي(اللذين يراقبان بحذر لهب نيران هذا الصراع حيث لديهما قضايا إسلامية داخلية عالقة)(3) بكل ما لذلك من معاني الصراع على النفوذ واصطفا فاته وتداعياته وقواه الفاعلة.

فالخطاب الإسلامي والحالة ينتج استحالة تغييره، من داخل بنيته العقيدية التي تحظر العقل في معقوله الإلهي، والممكن تاريخيا ًفقط هو الصراع والدحر الإقصاء المتبادل من خارج البنية بدءً من المنابر التي تشتم العلمانية والعقلانية والحداثة مرورا ًبحظر الرموز والإنشاءات الإسلامية(حجا ب ومآذن) وانتهاء بالصراع العسكري الدموي الذي تقاس موازينه بما يحشده أوباما والناتو من إمكانات بشرية ومادية ومالية في أفغانستان كما حشد بوش وحلفاؤه لاحتلال العراق في مواجهة القارة الإسلامية وقواها.

{{الهوامش:}}

1 – أليس لسياسيي الشاشات الصغيرة بما هي منابر للحكام دور في فرض الرقابة المناسبة للحكام على فتاوى وآراء وبرامج هؤلاء الشيوخ الذين تتلون تصريحاتهم في إطار الخطاب الإسلامي بين شديد ومعتدل ومتطرف حسب الحال الأيديولوجي السياسي، دون أن نتوهم نصرة العقل والعقلانية من هؤلاء.

2 – ليس من وظيفة المقال وسعته قراءة رصيد الخطاب الإسلامي والحركات الإسلامية في بقية دول شمال أفريقيا على أهمية هذه القراءة.

3 – أنهى الرئيس الصيني زيارته إلى قمة الثماني الكبار في إيطاليا وعودته إلى بيجين بسبب أحداث الإيغوريين الإسلاميين في شمال غرب الصين تموز2009،ولذلك دلالته على صعيد تقدير المخاطر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق