مرتكزات السيطرة الغربية” لفريدريك معتوق: الهيمنة، البوليميك، المعرفة، التنظيم، الربح

يتحكم في أي مقاربة، نموذج ارشادي يدفع في اتجاه تبين احكام وقيم ومعايير. وقد ساد في هذا المجال اتجاهان: الاول يتمثل باطروحة متمركزة حول الانسان باعتباره كائناً معرفياً وكياناً ثقافياً مركباً ومتعدد البعد، صاحب وعي تاريخي ومنظومة فكرية واخلاقية.

والثاني باطروحة متمركزة حول الطبيعة وفيها كينونة حتمية، لا يشكل الانسان فيها أي مكانة خاصة، فثمة “قانون طبيعي” واحد صارم يسري على كل الكائنات. وهي اطروحة تحولت الى مرجعية نظرية في عصر النهضة والى نموذج تفسيري شمل الطبيعة والمادة بما فيها الانسان.

ومع ظهور مفهوم الانسان الطبيعي، ظهر مفهوم الانسان الاقتصادي المتحرر تماماً من القيمة، تحركه قوانين الاقتصاد والمصلحة بغض النظر عن وقائع الاجتماع الثقافي والحضاري. هذا التمهيد ضروري لالتقاط المفاتيح المفهومية لاطروحة فريدريك معتوق التي يحاول فيها تقديم مقاربة سوسيو معرفية لافتة تهدف الى الاجابة عن السؤال المركزي الاتي: لماذا يسيطر الغرب على العالم منذ ما يقارب خمسة قرون؟

هذا السؤال لا يشبه سؤال النهضة الكلاسيكي: لماذا تقدموا ولماذا تخلفنا؟ وجه الشبه شكلي جداً، ذلك انه يفتح الباب امام مقاربة تكمن اهميتها في انها تتفحص التجربة الغربية وتدرسها معرفياً، قبل ان تقوم بنقدها، انها تريد ان تكشف عن مرتكزات القوة المتجددة فيها قبل ان تفتش عن عناصر الضعف فيها.

ولا شك في ان فهم ظاهرة الغرب يبدأ من فهم البنى المعرفية التي تنتج وعي الغربيين لعالمهم والعالم المحيط بهم. وهي بنى معرفية تعتمد على محركات ذهنية Pulsions mentales تعمل على وقود الاحكام والافكار والتصورات وليس المشاعر والانفعالات كما في حال المحركات الغريزية. لذلك هي توسع اطار المفكر فيه وتعمق الرؤية نحو العالم، بل تعقلنها. يرى معتوق كوكبة المحركات الذهنية الخاصة بالغربيين تتمحور على خمسة عناصر تأسيسية ساهمت ولا تزال في سيطرتهم على هذا العالم وهي:

1 – الهيمنة: ويخصص لها فصلا يحلل فيه عناصر التفوق الغربي ومؤسساته ومسيرته والتي من خلالها يعمد الى تصدير “حضارته”. والكلمة المفتاح لمحرك الهيمنة عند الغربي اليوم هي “العولمة”. فهي البديل المعاصر لمشروعه التاريخي الاستراتيجي. فالعولمة هي اعادة تأهيل لنظرة الغربي الى العالم بأدوات وتعابير حديثة، بعد الطلاق الارادي الذي حصل بين الغربيين وبين فكرة الاستعمار اعتباراً من منتصف القرن العشرين. حيث ان العولمة تحمل في جوهرها جميع معاني فكرة الهيمنة الغربية التي حاكها الغرب منذ خروجه من القرون الوسطى. ولكن بما ان هذه المعاني لم تكن يوماً جامدة، بل يتحكم فيها دائماً عنصر العقلانية والنزعة الاممية، ارتدت هذه المعاني في كل حقبة حلة جديدة وصيغت صياغة مختلفة واصبح اليوم الاعلان والاقناع وفتح الاسواق بديلا من الطائرات والاساطيل.

2- المجادلة السياسية او البوليميك (polémique):

يشكل هذا المفهوم احد اركان التفكير الغربي المعاصر، وهو مفهوم لا مثيل له في الحضارات الاخرى، لذلك يعجز الجميع عن ترجمته ترجمة تعكس المعنى الحقيقي الذي يقوم عليه. وجواباً على سؤال: من اين أتت هذه الميزة في الرؤية السياسية في الغرب؟ يرى معتوق انها حصيلة تراكم بدأ مع الخروج من زمن القرون الوسطى، بحيث تم انتاج مواثيق سياسية مدنية للتفكير والعمل السياسي، بحيث اصبح معها لا سياسة خارج ارادة المجتمع. فالسياسي اجتماعي في الصميم لا فوق المجتمع. من هنا تميزه بالطابع الحواري في عمق اعماقه وانفتاحه الدائم على البدائل. فالبوليميك على المستوى الفكري يلعب لدى الغربيين الدور الذي تلعبه البرلمانات على المستوى التشريعي والدستوري.

تتمثل القاعدة المعرفية لهذا المحرك الذهني بالعقلانية، ففي قلب المجادلة السياسية الغربية الحديثة هناك الانسان، لا الخالق. والعقلانية مقياس الحقيقة، مما يجعل هذه الحقيقة نسبية ومتحركة. لذلك يتخطى الغرب نفسه باستمرار عبر دينامية مؤسساته وبرلماناته ودوله الحديثة. وهذا ما تفتقر اليه دول الجنوب لافتقار مجتمعاتها الى رافعة ذهنية مماثلة في طرق التفكير والتخطيط وممارسة الشأن السياسي.

3- المعرفة كمحرك ذهني في المجال الثقافي تستكمل ما تفعله الهيمنة والمجادلة السياسية. ذلك انه من المستحيل ارساء مشروع هيمنة دون تثبيته على قاعدة من المعلومات والمعارف تتصف بالحيوية والتجدد كي تبقى صالحة لهذه المهمة التفعيلية.

تشكل المعرفة في نظر الغربي شبكة فهم ايضا، اي انها تتفاعل مع نفسها ومع ما يقع خارجها. اي ان المعرفة خاضعة بدورها للمعرفة، يعاد انتاجها على نحو مختلف. لذلك يتمكن الغرب من ابقاء قاعدة معلوماته حية وفوارة واداة تطوير وتقدم وانجاز، الامر الذي يعزز روحية البحث الذي تسبح فيه تلك المجتمعات. من هذا المنظور تصبح المعرفة رأسمالا يتيح انتاج المزيد من التفوق.

4- التنظيم وهو ايضا محرك ذهني فعال يرى معتوق انه يقوم على فكرة بسيطة تهدف الى التنسيق المناسب لعناصر متعددة لتأمين حسن العمل في ما بينها. الامر الذي يعني انه لا استمرار لكيان اجتماعي ما بدون تنظيم لأداء العناصر المختلفة المشاركة فيه. فكل مجتمع يمتلك نوعا من التنظيم تريده العناصر التي يتألف منها.

وقد شكل التنظيم الاجتماعي الغربي الحديث، بنية جديدة من المفاهيم. فسلطة المسؤولين هي سلطة بالمشاركة لا سلطة مطلقة تهبط عليه من فوق. ومعها اصبحت سيادة الفرد اساس هذا التنظيم الاجتماعي وقاعدته الصلبة، واصبحت الارادة السياسية العامة مشروطة بالارادة السيادية الشعبية، كما غدا التنظيم الاجتماعي مرهونا بالتزامه بسيادة المجتمع على نفسه. وقد تولّد عن هذه اللحمة العضوية ما بين الشأن الاجتماعي الفردي والشأن السياسي العام هوية فذة وغير مسبوقة تاريخيا، بحيث اصبح التنظيم الاجتماعي الحديث يعمل في الاتجاهين، دون فصل بين مصلحة المواطن ومصلحة الدول.

5- الربح كمحرك ذهني ايضا قد يكون تعرض للتحليل من جانب العديد من المفكرين، الا ان القراءة المعرفية كما يراها معتوق تفيد أن مفهوم الربح غدا مرتبطاً بفكرتي الحرية والاسواق المفيدتين لرب العمل والعامل على السواء، في المجال الجيو سياسي الغربي، في حين بقي العامل في دول الجنوب يمارس نشاطه المهني تحت سقف تأمين البقاء وضمن جدران الاكراه. فلا اطلالة عنده على فكرة الربح والتراكم الرأسمالي.

تفيد هذه المقاربة ان ميزة التجربة الغربية تكمن في انها لم تتخل عن التوزيع الطبقي للمجتمع، الا انها عمدت الى توسيع هامش الطبقات الوسطى فيه، مما سمح بالولوج الى توزيع اجتماعي جديد بلورت فيه الطبقات الوسطى بين ذهنية ومعرفية جديدة في مسألة الثروة والاقتصاد، والعدالة والحرية والمساواة كمفاهيم جوهرية. في حين ان ما نسميه طبقات وسطى في الجنوب لا يعدو كونه شرائح بورجوازية تسعى للاستمتاع بمدخراتها دون ان تشعر ان عليها واجبا سياسيا واجتماعيا. لذلك يفقد مفهوم الربح عندها صفة المحرك الذهني الذي يميز المجتمعات الغربية.

لجأ الغرب دائماً، في ضوء هذه المقاربة، الى محركاته الخمسة خلال تنفيذه مشاريع سيطرته على العالم. يشرح معتوق كيف استخدمت بعض التجارب الغربية معادلات السيطرة هذه منذ اكتشاف القارة الاميركية (1492) واجتياح العسكر الاسباني والبرتغالي أراضيها ونشوب الخلافات القوية في ما بينها، ثم حين بادر الهولنديون الى غزو الاسواق الآسيوية بعد قرن، حيث تبعهم الانكليز والفرنسيون.

كانت الحصيلة ان بريطانيا اسست لنفسها امبراطورية عظمى، وبشكل اقل فعلت فرنسا، وفتحت شهية الالمان الاستعمارية. واتفق الجميع على السيطرة على العالم. يعتمد الغرب حالياً على محركي الهيمنة والربح لاختراق اسواق جنوب شرق آسيا والصين، وتمسك بقوة بمصادر التكنولوجيا ونوعية السلع المنتجة ومعاييرها وتسويقها، وهذا يعني ان حصة المعرفة التي تمكن الصينيون من انتزاعها مقدرة وممنوحة ومتواضعة وقابلة للمراجعة.

فالعقل الغربي تخلى عن استراتيجية المدفع هناك والتي كانت معتمدة ايام حروب الافيون، واستبدلها اليوم باستراتيجية اختراق ساكنة.

أما الدور الياباني، ورغم أهمية تجربته، فلم يقدم اي معطيات جديدة ومجددة في أي من الحقول ما عدا الحقل التكنولوجي. فاليابان لا تزال رغم ما حقّقته، دولة طرفية بامتياز على المستويات السياسية والثقافية والاقتصادية، كما يرى المؤلف، الامر الذي يجعل من هذه البلاد جزءاً من تخوم الغرب لا أكثر.

طبقاً لهذا المنطق يتابع المشروع الغربي سيره بالتكيف مع كل ثقافة في كل مرحلة بمرونة لافتة. وليس في هذه الخلاصة التي يقدمها المؤلف إنبهار بالتجربة الغربية، بل هي دعوة لفهم مرتكزات التفوق والسيطرة الغربية.

والواقع انني ما ان انتهيت من قراءة هذا الكتاب حتى تذكرت كتابات الاميركي البروفسور ألفن توفلر الذي باع أحد كتبه “صدمة المستقبل” أكثر من 27 مليون نسخة خلال تسعة أشهر، وتتتلمذ على يديه اليوم نخبة من صانعي القرار ومجموعة المستقبليين Futurists. يتحدث توفلر عن الموجة الحضارية الثالثة حيث صارت المعرفة تمثل مركز المحور في ثالوث القوة (المعرفة – العنف – الثروة) وهو يقسم الأمم والتحالفات الى أنواع ثلاثة: تلك التي تقوم قوتها في الغالب على واحد من هذا الثالوث، وتلك التي تستند قوتها الى اثنين منه. وتلك التي تتوزع سلطتها الدولية توزيعاً متوازياً على هذه المصادر.

في الحرب الباردة حافظت الولايات المتحدة على هذا التوازن. على النقيض من ذلك كانت قوة الاتحاد السوفياتي. وينبه توفلر الى أن أسوأ ما في العنف انه يتصف بعدم المرونة ولا يصلح الا للعقوبة، لذلك هو في عصرنا أدنى أنواع القوة. في المقابل الثروة اداة افضل لممارسة القوة، ومحفظة النقود الثمينة المتعددة التأثير وتستعمل للعطاء و المنع وهي أكثر مرونة. ويمكن تصنيفها في الوسط بين انواع القوة.

أما أحسن أنواع القوة فتأتي من إتقان تطبيق المعرفة. فالقوة العالية النوع تتضمن الفاعلية. والمعرفة قد تجعل الآخرين يحبون طريقتك في العمل. أو تقنعهم بأنها من صنعهم. والمعرفة لا تنضب كما الثروة، والنقود لا يمكن ان تبتاع كل شيء والمحفظة المتخمة قد تغدو فارغة بعد حين. أما المعرفة فانها لا تنضب، إذ بامكاننا دائماً أن ننتج المزيد منها. هكذا كانت الدراسات الاستشرافية المستقبلية منذ أواسط السبعينات، وهكذا كانوا يفكرون ويعيدون قراءة تجربتهم، لكنها تبقى قراءة غربية لتجربة غربية.

وميزة كتاب الدكتور معتوق انه فاتحة متميزة لعقل عربي يقرأ التجربة الغربية معرفياً من داخلها.

(•) مرتكزات السيطرة الغربية، مقاربة سوسيو – معرفية، صادر عن “دار المسبار”، دمشق، 2008. ومؤلفه هو عميد معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية.

{نشر في جريدة النهار في 10/3/2008}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق