“مسألة صهيون” مثالا لـ”دول الفنتازيا”

البريطانية جاكلين روز ناقدة أدبية ذكية، وأكاديمية لامعة (أكسفورد ثم جامعة لندن حالياً)، تشتغل منذ عقود على الأسس النفسية للخطابات النسوية وما بعد الاستعمارية، في الرواية والشعر. وفي هذه الحقول أصدرت عدداً من الأعمال المتميزة، بينها «مثال بيتر بان، أو استحالة قصص الأطفال»، و«الجنسانية في حقل الرؤيا»، و«سُكنى سيلفيا بلاث»، و«لِمَ الحرب؟ التحليل النفسي، السياسة، والعودة إلى ميلاني كلاين».

إنها يهودية أيضاً، وتنتمي إلى صفّ الأقلية التي تعترف بهذا القدر أو ذاك من حقوق الشعب الفلسطيني، وتعترض على هذا التفسير أو ذاك لمفهوم دولة إسرائيل بالمعاني الحقوقية والتاريخية والسياسية والأسطورية. وهذا تفصيل لا نسوقه هنا على نحو مجاني، بل لأنه يدخل في صلب الإشكالية التي يثيرها كتاباها “مسألة صهيون”، 2007 و«دول الفانتازيا»، 1996(*)، وهي إشكالية تنهض على أسئلة عجيبة بعض الشيء، ولكنها مشروعة وشجاعة: ما هو دور الفانتازيا في قيام الأمم وتأسيس الدول؟ هل ينبثق الاعتراض الإسرائيلي الجوهري على الدولة الفلسطينية من حقيقة خضوع الوجدان الجمعي اليهودي لفانتازيا الدولة اليهودية بالذات؟ وكيف نستطيع التماس الدليل على ذلك في كتابات أناس مثل الاسرائيليين يشعياهو ليبوفيتش (الفيلسوف الذي ينكر فكرة الدولة اليهودية) وعاموس عوز (الأديب الذي لا ينكرها وقاتل دفاعاً عنها، ولكنه ينكر حقها في تحقيق «إسرائيل الكبرى» على قاعدة الاحتلال)، والكاتبين العربيين ـ الإسرائيليين إميل حبيبي (الذي كتب بالعربية) وأنطون شماس (الذي كتب بالعبرية)؟

والحال أنّ روز تشدّد على مسألتين، الأولى هي أنها لا تنظر إيجابياً إلى اتفاقات أوسلو وتعتبرها منهجاً بارعاً للحديث عن السلام والتملص القانوني من حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، الأمر الذي يواصل تنمية الفانتازيا اليهودية وعلى نحو أشدّ عمقاً وشراسة. وفي مكان آخر تذهب إلى حدّ تبنّي رأي حنان عشراوي في اتفاق 1993: «إن بنوده مصاغة بطريقة تتيح لكل فريق أن يفسرها على هواه». المسألة الثانية هي طبيعة علاقتها كمواطنة بريطانية يهودية بدولة إسرائيل، خصوصاً بعد أن قامت بزيارة في عام 1988، وحلّت ضيفة على شقيقتها التي كانت تقيم في سيناء، قبيل إعادتها إلى مصر بموجب اتفاقية كامب دافيد.

وعن هذه الزيارة تقول روز: «ثمة أمر غريب في السفر إلى بلد لا أنتمي إليه، بمعنى عدم وجود روابط حية تجمعني به، أو تجمع ماضي أسرتي بحاضره. وأن لا أعود إلى إسرائيل كامرأة يهودية، وأن لا أشعر بحسّ الانتماء، وأن لا أعترف بحقيقة أو وجود إسرائيل نفسها بصفتها عودة تاريخية، كل ذلك يعني كسر القواعد التي تقوم عليها فكرة الدولة بالذات. إنه رفض عن سابق قصد، ونبذ لرغبة مستحبة. الذهاب إلى إسرائيل هو دخول إلى بلد في حالة توق عارم دائم، لا تتدفق عواطفه من الشعب إلى الوطن فحسب، بل من الوطن إلى الشعب أيضاً. هذه أمة تتشهّى عودة مواطنيها الاحتماليين ـ أي يهود الشتات والمنفى ـ إلى الوطن، بنفس الحمية التي تتشهّى فيها نفي المواطنين السابقين لهذه الأرض ومصادرة أحلامهم في دولة مستقلة».

هكذا تبلورت في ذهنها الحجة المركزية في الكتاب الأوّل: «لا سبيل إلى فهم الهويات والأقدار السياسية دون وضع الفانتازيا في سياقها التام». وهي ترى أن فانتازيا التوق إلى الانتماء كانت في أساس فكرة الدولة اليهودية و«أرض إسرائيل»، وأنها على درجة من الاستحكام والشيوع والتكلّس بحيث يصعب أن تتأقلم مع تبدّل معطيات الحياة. إسرائيل لا تستطيع منح الفلسطينيين الحق في إقامة دولة مستقلة، ليس بسبب خطر وشيك داهم أو بعيد قادم فحسب، بل لأن شحنة الفانتازيا المناهضة لهذه الإمكانية عالية في الوجدان اليهودي بحيث يلوح أن الأسس العقلية والمعنوية والنفسية للدولة اليهودية سوف تنهار تماماً إذا قامت دولة فلسطينية واتخذت ـ بالتالي ـ صيغة الفانتازيا الموازية للفانتازيا اليهودية.

وقبل أن تدخل روز في تطبيقات هذه الحجة على النصوص الأدبية، تسارع إلى إيضاح ما تعنيه بالمصطلحَين اللذين يشكلان عنوان الكتاب الأوّل. الفانتازيا، عموماً، هي ما يتوصّل إليه المرء حين يكون كلّ من العقل والمجتمع منشغليَن في رقابة أخرى، الأمر الذي يجعل الفانتازيا منتِجة لمتعة خاصة غير مرتبطة بما هو مسموح أو ممكن. بهذا المعنى تظل الفانتازيا ممارسة فردية، وأياً كان محتواها فإنها عاجزة عن إلحاق الأذى بالعالم الخارجي، أو تبديله. الدولة، من جانب آخر وضمن المصطلح الغربي State تحديداً، تستثير عدداً من المعاني التي تنطلق من الوجود الخارجي العام (السياسي والحقوقي) إلى الوجود الداخلي الفردي (النفسي والشعوري)، الأمر الذي يجعل منها حالة، واستعارة، وحلماً، واستيهاماً للواقع. وتقول روز: «أن نضع الدولة والفانتازيا جنباً إلى جنب مسألة لا تقتصر على اقتراح نقلة ما في النظرية والتطبيق، بل تتعداه إلى إماطة اللثام عن تاريخ العلاقة الوثيقة بينهما».

وتناقش روز أعمال الروائي والكاتب الإسرائيلي عاموس عوز بوصفه نمطاً لمشخِّص الفانتازيا المطلقة في إسرائيل، وقارىء النصّ النفسي الخفيّ للنزعة المناطقية. وإذا كان عوز من أبرز نقّاد الاحتلال حتى عام 1993، فلأنّ للمسألة وجهها الباطني الثاني الذي يضعه في صورة «الإسرائيلي الجميل الذي يكدّره الاحتلال لأنه يشوّه صورته الجميلة». وهي ترى أن ما يبعث على التشويش في كتاباته هو ذلك النمط الثابت من تفكيك بلاغة إسرائيل التخليصية، والدفاع عن إسرائيل الدولة في الآن ذاته، ولهذا فإنّ روز تكاد تتبنّى وصف «الدكتور جيكل والمستر هايد» الذي أطلقه إدوارد سعيد على عاموس عوز، وتقول: «لعل عوز لا يستطيع تقديم الوجه الإستيهامي للصهيونية في غير صيغة النقد، لأنه لا يعرف سوى الجزء السيكولوجي الداخلي منها (…) وأن يكون المرء صهيونياً وكارهاً للدولة ـ الأمّة أمر ينطوي على تناقض عضوي. هنا يصحّ مثال جيكل وهايد، خصوصاً حين نتذكر أنّ لبّ الحكاية هو، فضلاً عن ارتطام المطلقات الأخلاقية، أن واحدهما لا يستطيع الاستغناء عن الآخر».

كذلك تنتقل روز إلى جنوب أفريقيا، لكي تعقد مقارنات معقدة وبارعة بين صورة إسرائيل في أعمال عوز، وصورة جنوب أفريقيا في أعمال المحلل النفسي فولف ساكس. وكان الأخير (وهو، حسب لائحة أوصاف روز، أبيض من أصل ليتواني، ويهودي، واشتراكي، وصهيوني)، يجسد المعضلة المزدوجة ليهودي مشرّد فارّ من بلده ليتوانيا، ولمستعمِر لا يستطيع الإنفكاك عن الوعي الاستيطاني. أكثر من ذلك، كان ساكس قد تعاطف صراحة مع المشروع الصهيوني، وفي كتابه الشهير «هاملت الأسود»، 1973، حاول الربط بين اضطهاد ابن البلد الأسود واضطهاد اليهودي. وفي عام 1939 كتب ساكس إلى سيغموند فرويد ليقف على رأيه في الآثار العلاجية التي يمكن أن يحملها كتاب «موسى والتوحيد» بالنسبة إلى السود، وكان فرويد آنذاك أقلّ حماساً للصهيونية ومشروع دولة يهودية في فلسطين.

وتقتبس روز نص ردّ بعث به فرويد إلى حاييم كوفر، من الوكالة اليهودية، يعتذر فيه عن ممارسة الضغط الأدبي على الحكومة البريطانية من أجل تسهيل الهجرة اليهودية، ويقول: «لا أعتقد أبداً أنّ فلسطين يمكن أن تصبح دولة يهودية، أو أنّ العالمين المسيحي والإسلامي سيقبلان وضع أماكنهما المقدسة تحت رعاية يهودية. وكان الأصحّ في نظري تأسيس وطن يهودي في أرض تحمل قدراً أقلّ من أثقال التاريخ». ومع ذلك فقد حاول ساكس عبور الحدود بين عرق وعرق، وبين جغرافية الدولة الاستيطانية (جنوب أفريقيا) وجغرافية الدولة الاستيطانية بدورها (إسرائيل)، ولكن تلك التي تنطوي على إعادة إنتاج لأمثولة عبور موسى، وعلى العناصر التحريرية التي يلوح أنّ اليهودي بحاجة إليها. وهذه هي النقطة التي تلتقطها روز لتحلل الأسباب التي تجعل جنوب أفريقيا حاضرة على نحو كابوسي في روايات عاموس عوز، وخشيته الدائمة من أن «تنقلب إسرائيل إلى وحش لا يختلف كثيراً عن بلفاست، وروديسيا، وجنوب أفريقيا».

ولكي تكتمل حلقة المقارنة هذه، تنتقل روز إلى مناقشة «الوضعية الإنكليزية» Englishness، ذلك المفهوم السياسي والثقافي الذي أسفر عن أدوار بريطانية مزدوجة في جنوب أفريقيا (محاربة المستعمرين الـ «بور») وفي إسرائيل (إعطاء وعد بلفور)، وتتوقف في التطبيق النقدي عند مثالين يصوّران علاقة الإمبراطورية البريطانية بأثقال التاريخ : رواية مرييل سبارك «بوابة مندلبوم» التي تجري أحداثها بين الأردن والضفة وإسرائيل في سنة محاكمة إيخمان، ورواية كازو إشيغورو «بقايا النهار» التي تتفحص التاريخ البريطاني من خلال عدسة النازية.

في الرواية الأولى تغادر برباره فوغان إنكلترا إلى الأردن هرباً من مديرة مدرستها المهاجرة من جنوب أفريقيا إلى بريطانيا. ولكن هذه تلحق بها، ثم تتزوج من عربي أردني وتستقر هناك. كذلك يتبعها فريدي هاملتون، ويعرض أن يكون دليلها (الإمبراطوري!) في بلاد العرب، ثم يُصاب بفقدان الذاكرة وينسى أمجاده (وأمجاد الإمبراطورية) في جنوب أفريقيا بصفة خاصة. وفي الرواية الثانية تُطرد خادمتان من قصر دارلنغتون هول، ونتبيّن أنهما يهوديتان مهاجرتان من ألمانيا، وكذلك تخيّم صورة جنوب أفريقيا كوصمة عار في جبين الإمبراطورية. وعبر هذه الشبكة من التقاطعات تقتفي جاكلين روز خيوط وخطوط الفانتازيا، بين فلسطين وإسرائيل وجنوب أفريقيا وبريطانيا.

وهي تستعير مفردات «عادل ودائم وشامل»، العبارة ـ الكليشيه في أيّ حديث عن التسوية في الشرق الأوسط، ولكنها من جانب آخر تكرر كلمة «العدالة» كموضوع محوري في جميع الأعمال التي قامت بتحليلها، عند عوز كما عند ساكس، وعند سبارك كما عند إشيغورو. وتتساءل: أية عدالة هذه، إذا كانت الفانتازيا قد حرّمت عبارة «حقوق الشعب الفلسطيني» طيلة السنوات التي سبقت عام 1974 حين ألقى ياسر عرفات كلمته الشهيرة أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أو حظرت على الإسرائيليين استخدام صفة «الفلسطيني» حتى توقيع إعلان المبادىء عام 1993؟ ولكن روز تمضي أبعد من ذلك حين تناقش فكرة الحقّ بالمعنى الفلسفي والحقوقي والثقافي والتاريخي، وكيف خضعت معاني الحقّ هذه لمؤثرات وضغوط الوثيقة الخفية بين الفانتازيا والدولة.

وفي أكثر من مثال تبدو روز متعاطفة مع أطروحات ليبوفيتش حول الاستحالة الفقهية لقيام دولة يهودية، خصوصاً حين ينشب نزاع حول شرعية تلك الدولة، وتعتمد وتردد عبارته الشهيرة: «طوبى لشعب يعترف الآخرون بطبيعة مفهوم علاقته ببلده. والويل له إذا نازعه شعب آخر في ذلك، وكان ردّه أن يتشبث بالدولة على أساس من القوّة وحدها». وغني عن القول أن يهوداً من أمثال بنيامين نتنياهو وأرييل شارون، وقبلهما مناحيم بيغين وإسحق رابين ودافيد بن غوريون… سواء بسواء، هم آخر من تعنيهم عبارة ليبوفيتش، لأنهم رعاة الفانتازيا وضحاياها في الآن ذاته. ألا يبدو وكأنهم ضاقوا ذرعاً حتى بهذه الصيغة المطاطة من أوسلو، لأنها انقلبت عندهم إلى مشروع فانتازيا مضادة للفانتازيا الأمّ: أرض إسرائيل الكبرى؟

(*)
Jacqueline Rose:

The Question of Zion

PrincetonUniversity Press, 2007

States of Fantasy

Clarendon Press, Oxford 1996

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق