مساهمة في نقاش تقرير التنمية البشرية في لبنان / بقلم حسام عيتاني”

بعد صدور “التقرير الوطني للتنمية البشرية – نحو دولة المواطن – 2008 – 2009” الذي اعده برنامج الأمم المتحدة للانماء بادارة السيدة مهى يحيى، تفتح “قضايا النهار” المجال لمناقشة هذا التقرير الذي يتضمن قراءات سياسية اجتماعية اقتصادية ثقافية للوضع اللبناني وآفاقه، قام بها عدد من الباحثين.

اليوم يناقش الزميل حسام عيتاني البعد الثقافي للتقرير.

في بلد يشكل التنوع الطائفي والسياسي أساس هويته، تحتل الثقافة موقعا مركزيا في بناء المواطنة وتشكيلها. والثقافة، على كثرة معانيها وابوابها، هي ما يحدد علاقة اللبناني بدولته، وبها ترتسم الحدود والعلاقات بين المواطنين، اذا صدقّنا التقرير الوطني للتنمية البشرية “نحو دولة المواطن”.

في الصورة المركبة والدقيقة في آن واحد، والتي يقدمها عباس بيضون، كاتب ورقة المواطنة الثقافية (التي ادرجها معدو التقرير في الفصل الخامس منه بعنوان “الثقافة وسؤال المواطنة” بعد إدخال تعديلات عدة)، نكتشف مستوى الترابط بين ممارساتنا “الثقافية” اليومية من خلال علاقاتنا ببعضنا كمواطنين وبالدولة كجهاز ينظم صراعاتنا المختلفة، وبين المحمول المنتمي الى ثقافة ارقى، ثقافة ثقافية او “عالمة”، على ما يقال. نحن حيال نقد نادر للعلاقة ثلاثية الطرف بين الثقافة والسياسة والمجتمع في لبنان. واذا كان نقد كل واحد من العناصر الثلاثة هذه، او أثر واحد منها في عنصر آخر، لا يشكل حدثا في الادبيات اللبنانية، الا ان النظر الى الأوجه الثلاثة المكونة للحاضر اللبناني من زاوية تفاعلها مع بعضها وتضافرها بحيث تنتهي الى تشكيل الواقع اللبناني كثير الالوان والابعاد، يجب ان يسجل في مصلحة التقرير وعباس بيضون (وهو في غنى عن شهادتي الجريح قبل التقرير وبعده).

امام تعقيد من النوع الذي يصفه عباس/التقرير، لا نجد في محاولتنا الحديث عن الثقافة والمواطنة معيناً لنا سوى محاولة التوقف عند اجزاء وتفاصيل وردت، والتخلي عن محاولة “تفكيك” الفصل تفكيكا منهجيا او قراءته بكامله في سياق التقرير ودرجة تكاملهما او معنى وجود حيز واسع للثقافة في تقرير عن المواطنة اللبنانية، وهو معنى شديد الاهمية على ما نرى. لكننا اقرب الى تبني قراءة صغروية “ميكروية”- اذا جاز القول- تفي بالغرض اكثر من ادعاء المقاربة الكبرى “الماكروية” للنص وللتقرير. لذا تغري كثافة الأفكار وتدفقها، بالنأي عن مغامرة التصدي لها جملةً، والاتجاه صوب تناول نقطة واحدة من الموضوع الواسع، على الرغم مما في ذلك من شبهة كسل.

أود تناول النقطة تلك المتعلقة بالنموذج الذي لبننه كتابٌ روادٌ في الحيز الادبي من الثقافة اللبنانية وجاء التقرير على ذكرهم، كجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وامين الريحاني ومارون عبود. ربما كان الثلاثة الاول ممن تشاركوا في الانتماء الى مدرسة “ادباء المهجر” وتركوا اثرا عميقا في ثقافة لبنان ما بعد الاستقلال عام 1943، في حين جاء الرابع من منبت مختلف. لكن الهم العالمي الذي سيطر على هواجس الثلاثي المغترب وحلمهم بإنشاء اديان لتوحيد الانسان في العالم، على غرار ما سعى اليه عدد من كتّاب القرن التاسع عشر الاوروبيين، لا ينبغي ان يحجب عن النظر حقيقة ان كلا من الثلاثة استقى افكاره من مورد خارجي، وان اهمية المحاولات دمج لبنان بالهم الانساني العالمي، وتجاوز عوامل انقسام بلدهم الى طوائف وملل متناحرة، لا يمكن ان تُقرأ على مستوى واحد. ونعني ان وحدة الفكرة التي جسدها جبران في “النبي” ونعيمة في “مرداد” والريحاني في “كتاب خالد”، تتطلب ما يتجاوز ما ينسب الى الثلاثي من هم انساني، الى التأمل في ما قدمه المؤسسون هؤلاء الى الثقافة اللبنانية وكيف ساهمت هذه في صوغ لبنان وفي خدمة ايديولوجيا القوى التي حكمته في الفترة الممتدة من الاستقلال الى بداية الحرب الاهلية وما طرأ من تحولات في اعقاب الحرب واتفاق الطائف، طالما اننا في سياق النقد ومجاله.

ولا يترك الاطلاع على “الخلفية الثقافية” التي اخذ جبران منها، سوى الدهشة العميقة، اذا وضعت الى جانب الدور الذي اداه الرجل وما زال يؤديه في الحياة الثقافية اللبنانية. جبران ايقونة الثقافة اللبنانية، بفرعيها “العالم” و”العام”. فما من مسابقة للمعلومات العامة او لانتخاب ملكة جمال، على سبيل المثال، الا وكان جبران هو الكاتب المفضل عند المتبارين والمرشحات اللواتي يجمعن، عاما بعد عام وجيلا بعد جيل على ان “النبي” ترك اثره في ارواحهن. ولا تمضي سنة الا ويصدر كتاب او اكثر عن جبران وحياته واغترابه و”رابطته القلمية”. بيد ان المرشحات للجلوس على عرش الجمال اللبناني يتشاركن مع الكثير من باحثينا في الشؤون الجبرانية، في تجاهل بعض من الحقائق المتعلقة بالكاتب والتي اطنب في شرحها نعيمة في كتابه عن جبران (زيف تمرده وسطحية تشبهه بنيتشه الى جانب مسائل شخصية لا تعنينا كثيرا هنا وان كان قد اسرف في كيل المديح له في امكنة اخرى كبعض فصول كتاب “الغربال”)، او ما كشفته مراسلات جبران وصديقته ماري هاسكل (وبحثه توفيق صايغ في كتابه “اضواء جديدة على جبران”) عن سلسلة لا تنتهي من قصص مفرطة في المبالغة حول عروض تلقاها جبران لحكم لبنان وسوريا وعن قصر ابيه الضخم في بشري وعن اسود تتجول في حدائقه ومحاولات الاغتيال التي تعرض جبران لها في باريس وغيرها وعن اقناعه كاتب مقدمة واحدة من رواياته بأصله الهندي لاضفاء المزيد من الغموض ومن “سحر الشرق” على شخصيته، احتذاء بما كان سائدا في تلك الفترة…(1)

ليس يهم، في ما نحن فيه، السيرة الشخصية لجبران او غيره ودرجة النزاهة او انعدامها، سوى في مقدار النمذجة او الامثلة التي يخضع لها جبران ككاتب وكشخص ومحاولة تمريرهما كحقائق يجب ان تصقل وعي الاجيال الناشئة من اللبنانيين. على ان ما نحاول لفت الانتباه اليه هو ما يتعلق بمصادر جبران الادبية والكيفية التي انتقلت فيها الينا وساهمت في بناء ثقافتنا وصياغة وعينا. من المثير للاهتمام ان جبران ونعيمة وغيرهما، لم تثر فضولهما الجدالات الحامية التي كانت تدور في اوروبا والولايات المتحدة عشية الحرب العالمية الاولى وفي اعقابها. واذا وضعنا لائحة بالحركات الادبية والفنية التي شغلت الدنيا في تلك المرحلة وقارناها بما اخذه جبران ونعيمة والريحاني، لاعتقدنا ان الاثنين الاولين يعيشان على كوكب غير ذلك الذي تعصف به رياح التغيير الثقافي الحاد في تلك الفترة.

ولعلها مبالغة اخرى، كبيرة، تكمن في القول ان جبران ونعيمة نقلا الينا المناخات الثقافية الاوروبية والغربية وساهما في نهضة ما اعتمدت على المناخات تلك (تتعين الاشارة الى ان الريحاني ظل اقرب من جبران ونعيمة الى اجواء الحداثة، السياسية منها والثقافية).

ولئن كان الشغل الشاغل لجبران امتلاك اسلوب الشاعر والرسام الانكليزي وليم بلايك (William Blake)، بنزعته الروحية – الرومنطيقية الى حد التقليد، مسألة تتجاوز المزاج الشخصي لمهاجر لبناني، لتصل الى رفع علامات الاستفهام حول سبب رواج النسخة المقتبسة عن بلايك بين جمهور لبنان ما بعد الاستقلال. ولعلنا لا نظلم الرجل كثيرا ان قلنا انه نظر الى العالم بعين القرية اللبنانية وليس العكس. النظرة هذه تتفاقم الى حدود الهاجس المرضي عند نعيمة الذي لا يتوانى عن وصف المدرسة بـ”ابنة الزانية”(2) الاخيرة ليست الا المدينة بطبيعة الحال، بسبب وضع المدرسة للحواجز امام الانتماء والاحساس الطبيعيين عند الطفل.
الدخول في قراءة نقدية ادبية لكتابات وجبران ونعيمة، قد لا يكون مجاله هنا، لكننا نعتقد انها في نهاية المطاف ليست في مصلحتهما. لكن قراءة كهذه تساهم في تسليط الضوء على الحاجات السياسية – الثقافية للكيان اللبناني في فترة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي وعلى العملية المعقدة لصياغة ثقافة ووعي وطنيين تراعى فيهما حساسيات الشعب اللبناني قيد التشكل ومؤسسات الدولة الوليد. ولا بد من الحديث عن غلبة طائفية تجعل البحث عن رواية تاريخية مهمة ملحة بالنسبة الى اللبنانيين. فالنظام السياسي يحتاج الى هيمنة ثقافية ما. وجبران كان الاوضح في استجابته للضرورات السياسية – الطائفية – الثقافية تلك، او قل ان الضرورات تلك وجدت فيه ضالتها.

لن نستسلم لاغراء تفسير ميكانيكي للعلاقة بين الهيمنة الثقافية والانقسام الطائفي اللبناني ودور الطوائف في صياغة تواريخها. فالهيمنة الثقافية لا تنشأ بانتخاب ارادوي من شذر الثقافات الجزئية ومذرها، بل من عملية معقدة تدخل فيها عوامل السلطة القسرية والطوعية وتنويعات التركيبة الاجتماعية والامتيازات الاقتصادية ومواقع الفئات والطبقات الاجتماعية فيها… الخ، مع ذلك يهمنا الانتقال، بما يشبه القفز، الى حديث موجز عن علاقة الثقافة بالمواطنة بعد الحرب الاهلية. وصحيح ما المح اليه عباس بيضون في التقرير من ان الهيمنة الثقافية السابقة تلقت ضربات قاسية في الحرب الاهلية وان مجموعات من المثقفين والفنانين الشبان يعملون في ايامنا على بلورة ثقافة جديدة في المسرح والادب والرسم وغيرها من المجالات، بيد انه من الملح القول ان زعزعة الهيمنة الثقافية السابقة ادت الى تعزيز الثقافات الجزئية المقابلة.

عشرات دور النشر لا عمل لها سوى طباعة كتب التراث الديني (بمذاهبه وطوائفه الكريمة كافة) من دون ايلاء اهتمام يذكر بالنقد الذي يستحقه التراث، الى جانب ما لا يحصى من وسائل اعلام ورقية والكترونية تنشر وتكرس ثقافات الانغلاق وانكار “حقيقة” الآخر، بادعاء امتلاك حقيقة كلية كونية. بكلمات اخرى، ربما نحن على مشارف الايام التي نترحم فيها على اوجه القصور والتهافت التي عممها جيل سابق من المثقفين اللبنانيين واستخدمتها طبقة سياسية لتأكيد سلطتها، في مقابل ثقافات جزئية متحاربة كارهة للآخر ومناهضة جذريا للثقافة كمفهوم وكممارسة.

1) يمكن العودة ايضا الى مقالة روبرت ايروين في مجلة “لندن ريفيو اوف بوكس” – عدد الثالث من ايلول 1998 – عن جبران وهي بعنوان “I am a false alarm”، “أنا انذار كاذب”، وهي الجملة التي ينسبها نعيمة الى صديقه.
(2) ميخائيل نعيمة – “البيادر”- ص 202 – 203 – نوفل – 2001.

عن جريدة النهار 16/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق