مساهمة في نقد ذهنية زياد الرحباني

يمثل إنتاج زياد الرحباني (الموسيقي و المسرحي ) أحد أهم مكونات ذهنية الإنتلجنتسيا العربية وبخاصة الثورية.
انطلاقاً من أهمية الإنتاج –إنتاج زياد -تتضح أهمية التحليل النقد و الحوار، النقد الذي يجد في المشاركة و الحب و النزوع إلى التقدم مسوغاً له، النقد الذي يحاول التحرر من الفهم السائد الذي يرى في النقد و السياسة حرباً –أو تجسيداً لحرب قومية أو طبقية أو فئوية– ويرى في الحوار حواراً للطرشان إذا تجاوز الأمة أو الطبقة أو الشريحة أو الفئة أو الملة … هذا النقد الذي يرى في الإنسان كائناَ قوميا محضا أو طبقيا محضا أو فئويا محضا أو ملّويا محضا …
أما صاحب هذه السطور فيرى الإنسان على أنه بالإضافة إلى ذلك بل و قبله إنسان الإرادة الحرة والعلم الناقص و إنسان التقدم و الصيرورة …هذا التحليل و النقد سيحاول تجاوز النقد الأيدلوجي جدلياً إلى نقد معرفي وسيحاول نقد الأسس المعرفية لذهنية زياد الرحباني من خلال إنتاجه الموسيقي و المسرحي و الأدلوجي و لن يتطرق النقد إلى العوامل الذاتية المحضة في تأثيرها على ذهنية زياد الرحباني نظراً لعدم اشتغال صاحب هذه السطور بالتحليل النفسي.
ولكن سأدرس تطور ذهنية زياد الرحباني انطلاقاً من تأثير المحيط الاجتماعي عليه ..ولأنني أرى الإنسان باعتباره جدل الذات و الوجود الاجتماعي لذلك تعتبر هذه الدراسة ناقصة و قاصرة عن فهم ذهنية زياد و هي تحتاج إلى إغنائها و تلوينها بمكتسبات نظريات التحليل النفسي و مناهج السكونية.
تمثل العائلة الشكل الأول للوجود الاجتماعي الذي يتموضع فيه الفرد و تتشكل فيه نزعاته وطموحاته وقدراته وقد وجد زياد في عائلة ذات تاريخ عريق في مجال الموسيقى الشرقية الكلاسيكية وقد ساعده ذلك على اكتشاف موهبته الموسيقية وتطويرها وإغنائها وكان لولع زياد وعاصي الشديد بالموسيقى دور كبير في امتلاك زياد لكل أسس الحرفة الموسيقية من تلحين وتوزيع شرقي –حيث عمل كعازف بيانو وأوكروديون في وقت مبكر مع فرقة الأخوين رحباني و كذلك تلحينه لأغنية (قديش كان في ناس) وأغنية (سألوني الناس) وكذلك إطلاقه لألبوم (رحبانيات)- و كذلك عمله في المسرح الغنائي –ومسرحية (سهرية) 1973 دليل هام على ذلك- وتأتي المدرسة عادة في المرتبة الثانية من حيث تأثيرها على الفرد –أو هذا ما تعتمده اجتماعيات الثقافة الغربية على الأقل- و تدرس هذه الاجتماعيات دور المدرسة كناظم لطموح الفرد المهني والمعرفي والسلوكي ولكن المدرسة العربية تتضاءل أهميتها في نظم تطلعات الفرد المهنية والمعرفية وإنما تؤثر عليه سلوكياً فتكون ثاني محطة –بعد الأسرة- لاصطدام الفرد مع الذهنية السائدة وممثليها ولكن في هذه المحطة تفقد هذه الذهنية ما تملكه الأسرة من بعد عاطفي وتكون أكثر موضوعية وأكثر تجرداً في نقلها للذهنية السائدة إلى فكر الفرد و قد كان تأثير المدرسة على ذهنية زياد شبه معدومة من الناحية المهنية وضئيلة –كأي مدرسة متخلّفة- من الناحية المعرفية ولكن تأثيرها كان كبيراً من الناحية السلوكية حيث تبلور فيها وعيه بالتفاوت بين الصورة التي رسمتها له أسرته حول الواقع و صورة الواقع الفعلية مما جعله يميل إلى الطروحات اليسارية –من قلب المجتمع السياسي المسيحي- ويعبر زياد عن ذلك في حوار العمر من خلال ميله إلى طروحات الطالب الجامعي وقتها الأستاذ جوزيف سماحة ، سنعود قليلاً إلى نشاط زياد الموسيقي فبالموازاة مع الواقع الذي بدأ يقرؤه من زاوية المدرسة الأكثر موضوعية كانت الحرفة الموسيقية لدى زياد تتطور لدرجة أنه اكتسب الحرفة الموسيقية في وقت مبكر عن عمر لم يتجاوز ال17 عاماً .
اكتسابه الحرفة الموسيقية كان له الدور الأكبر في بلورة النزوع الثوري لديه حيث امتلاك شخص للمهنة يعني قدرته الانفصال عن مؤسسة العائلة واكتساب صيغة اجتماعية أكثر حرية وهذا يفسر جانباً من جوانب فهم انتمائه اليساري الشيوعي فيما بعد والجانب الآخر الذي يمكن أن يساعدنا على فهم هذا الانتماء يتمثل في عمله في المسرح – وخصوصاً ككاتب للمسرحية بنصها و أغانيها وتحكمه بالرؤية الإخراجية- حيث أن طبيعة المسرح تفترض رؤية شمولية.
هذان الجانبان برأيي يفسران السبب الذاتي الذي دفع زياد إلى الانتماء للشيوعية المعروفة ببعديها الثوري و الشمولي، ويمكن أن نضيف سبباً آخر طرحناه منذ قليل بشكل خجول – متمثلا في الهوة بين الصورة المثالية للواقع التي رسمتها أسرة زياد له والصورة الفعلية للواقع الذي عاشه موضوعياً في المدرسة ،هذه الهوة تدفع صاحبها إلى أحد خيارين أحدهما العزلة الاجتماعية و الاغتراب، أي بلغة ماركسية هيجلية موقف النفي و الخيار الآخر يتمثل بالنفي الإيجابي للعالم أي رفض الواقع من أجل تغييره إلى واقع أكثر إنسانية و هذا ما اختاره الفكر الماركسي والايدولوجيا الشيوعية – والشيوعية السائدة اختزلت الإنسانية إلى العدالة الاجتماعية وأغفلت بل وتناست جوانب أخرى كثيرة- وهو ما اختاره زياد في ما بعد …

أما الجانب الموضوعي في انتمائه للأيديولوجيا الشيوعية فقد تمثل في الإشكاليات التي عانى ومازال يعاني منها المجتمع اللبناني حيث أدى غياب المواطنة في الدستور اللبناني وغياب العدالة الاجتماعية وغياب التحديد القومي لهوية لبنان و وجود المقاومة الفلسطينية في لبنان إلى إشكاليات كبيرة تمخضت عنها حرب أهلية طبقية طائفية شوفينية إقليمية استدعت عند زياد نزعات علمانية، هذه النزعات التي تواجدت في شكلها الأكثر تطرفاً في الأيديولوجيا الشيوعية…
عند هذه النقطة نكون قد انتهينا من تحليل مسيرة زياد الرحباني كعقل منفعل و سأبدأ في السطور التالية بنقد مفاهيم زياد كعقل فاعل في الوجود الاجتماعي مع التذكر الدائم لجدلية العلاقة بين العقل المنفعل والعقل الفاعل وعدم إمكانية الفصل الميكانيكي بين الحالتين الذهنيتين..
في الفترة الزمنية التي امتدت منذ العام 1973 إلى مطالع الثمانينات -وأرجو عدم التدقيق على هذا التحديد التعسفي للأعوام نظراً لتدريجية التحولات- يمكننا قراءة ذهنية زياد على ضوء مفاهيم الصراع الطبقي والطائفية والشوفينية والاشتراكية والعلمانية والمشروعية الثورية والشعب و يمكننا تأسيس نقد أيدلوجي على ضوء مفاهيم الثورة الثقافية والوحدة القومية والبراكسيس . ونقد معرفي لهذا النسق المفاهيمي على ضوء الوضعية العلموية وغياب المفهومية .
فزياد انتمى إلى مجتمع غصّ بحرب طبقية ذات تلوينات طائفية وشوفينية معقدة، هذه الحرب التي لعبت فيها الامبريالية دوراً كبيراً في تحويل مجرياتها وخلخلة محصلة القوى في المجتمع اللبناني، وقد استدعت هذه الأبعاد الثلاثة للواقع اللبناني عند زياد حلاً ذهنياً متمثلاً في الاشتراكية العلمية والعلمانية وإنني أتفق مع زياد أدلوجياً في هذا الحل مع اختلاف حول مفهوم العلمانية التي يرى فيها زياد اقتراباً من اللادينية في حين أنني أذهب مع المفكر الكبير صادق العظم في أن العلمانية العربية الأنسب تتمثل في الحياد الإيجابي للدولة تجاه الطوائف والأديان ولكنني أختلف مع زياد كثيراً -أيديولوجياً- عندما شرع يقترح الأساليب لتنفيذ هذا الحل فهو مع دكتاتورية الحزب (الديكتاتوري) التي تتأسس على المشروعية الثورية والذي يتكلم عن الشعب كثيراً أثبتت التجارب غياب العلمية عن اشتراكيته وانحطاطها إلى شمولية بيروقراطية ورأسمالية فلاحية .
وأعارض جدلياً الحل الذهني الذي تبناه زياد للواقع اللبناني بضرورة توسيع هذا النسق المفاهيمي وإعادة تشكيله بحيث تندرج مقولات الوحدة القومية والثورة الثقافية وفلسفة البراكسيس المتمثلة في التحالف الطبقي المشكل من العمال و الفلاحين الفقراء وحزبها الثوري العقلاني.
فقد اتضح أن مشاكل لبنان و فلسطين مستعصية على الحل في غياب المشروع القومي العربي الوحدوي و أن كل محاولة قطرية للحل لا تنتهي إلا إلى مزيد من البؤس في الواقع و تنازلات في السياسة و نكوص اجتماعي ثقافي .وقد اتضح أيضاً أن غياب الثورة الثقافية عن المشاريع التنموية يفرّخ الارهاب و ينعش كل عتيق في الثقافة وينكص عن كل حديث في الاجتماع بحيث يتحول الشعب إلى سديم يفقد أدنى درجات الفردانية، هذا ما تعامى عنه زياد أما ما اعتقده الوسيلة لتحقيق الحل فقد تمثل في مقولة الشعب دون أن يُخضِع هذه المقولة إلى أي فحص أو تحديد مما انحدر بخطابه إلى الشعبوية التي تحول الشعب سديماً تميزه العطالة و غياب المبادرة التاريخية.
كلمات مثل الشعب و الجماهير و الأمة و الطبقة و الثورية .. عانت من البداهة و التبسيط –وكل بداهة لا تخلو من استبداد-هذا ما أشار إليه المرحوم الياس مرقص . غياب المفهومية، غياب الفكر كان المشكلة الأكبر التي تجسدت في كل خيبات الحركات التقدمية العربية . غياب المفهومية سبب اختزال الماركسية و غيرها من النظريات التغييرية والأيديولوجيات العضوية إلى قوالب جامدة أشبه بسرير بروست تدخل الواقع في آلتها الفكرية لتخرجه فقيراً ينتظر حلولها الأحادية الجانب، هذا ما ذهب إلى نقده المفكر المرحوم الياس مرقص فأعلنها حرباً استنفدت الكثير من سنوات حياته على الوضعية العلموية بشكلها الستاليني وكاريكاتوره العربي.
بعد هذا الإغراق في التجريد سأحاول العودة جدلياً إلى مسيرة حياة زياد عملياً و سلوكياً –في تلك الفترة- و لكن لا بد لنا من تناول النسق المفهومي الذي يحكم السلوك و العمل و الذي يتماشى مع النسق المفهومي لمشروع زياد السياسي الطبقي الذي شرحته منذ قليل. حيث أن زياد شخص يعمل في الحقل الثقافي من مسرح وموسيقى وقد أكسبه مسرحه الشعبي ميزات الشخصيات العامة –و التي استثمرها في أعماله الإذاعية مع إذاعة صوت الشعب-والفرد الذي يعمل في الثقافة يفترض به إذا كان متبنياً لمشروع سياسي طبقي –وفقاً للعقلية الوضعية- أن يتفرغ لمهام التعبئة الأيديولوجية و التسيس والأدلجة بحيث تخدم الثقافة الكادح في حربه الطبقية الطائفية التي ستنقل المجتمع من وضع التبعية و التخلف الحضاري إلى وضع آخر أكثر عدالة وانسانية (الاشتراكية على سبيل المثال) وهذا الفكر متماشٍ إلى درجة كبيرة مع ما أنجزه زياد -ثقافياً- في تلك الفترة حيث تفرغ للعمل في المسرح على حساب الموسيقى رغم اعترافه بأن المسرح ليس ميدانه وأن الموسيقى هي عطشه، و نجاحه النسبي في مسرحه الشعبي ساعده كما أسلفت على أن يصبح شخصية عامة ذات حضور في المجتمع اللبناني فاستثمر هذه الميزة في البرامج الإذاعية (بعدنا طيبين ..قول الله-مع جان شمعون) التي أخذ يعدها و يقدمها بهدف التعبئة الأدلوجية حيث أخذ يتناول في هذه البرامج ظواهر و مشكلات الواقع اللبناني نقدياً بما يكرس الادلوجة التي يتبناها في حين أن إنتاجه الموسيقي لم يظهر في تلك الفترة واتصفت أعماله الغنائية (بالافراح، رحبانبات، كيرياليسون، أنا مش كافر، وحدن) بالقلة وغياب المشروع وكذلك اتصفت وهذه هي النقطة الأهم بتقليديتها وغياب العناصر الإبداعية والتجديدية سواء من حيث غياب الهارمونية في التوزيع أو التجديد الجمالي في مفردات الأغاني -باستثناء قلة قليلة- ويمكننا أن نجد هذه الأغاني حالياً في أقراص ليزرية مرفقاً معها الأغاني اللبنانية –و تعرف هذه الأقراص باللبنانيات القديمة- التي أنتجت في تلك الفترة مما يدل على تماشيه مع المنطق السائد في الحقل الذي يجب أن يكون الأهم،حقل العمل، ولا بد لنا من التذكير بأن العناصر الإبداعية و التجديدية جمالياً التي امتازت بها أعماله الموسيقية و الغنائية اللاحقة كانت تظهر في أماكن متفرقة من نتاجه الثقافي مما يدلل أن ظهورها وإنضاجها كان ممكنا في تلك الفترة ولكن زحمة المهام السياسية و الأيدلوجية كانت تمنعه عن ذلك.
بعد هذا الاستعراض لا بد من النقد، لا يمكن الحديث عن الفن خارج الصراع الطبقي من حيث المحتوى والتوظيف لا بد أن نتفق على هذه الفكرة ولكن هل كان محتوى الإنتاج الثقافي لزياد في تلك الفترة متلائما مع الدور التغييري الشمولي للأيديولوجيا التي تبناها، أرى أن هذا هو السؤال الأساسي الذي يجب الانطلاق منه من أجل تقييم إنتاج زياد، أنا لا أرى في ما أنتجه زياد تلك الطاقات التغييرية التي تتسم بها أيديولوجيته فقد كان ثورياً حداثياً سياسياً وطبقياُ و لكنه تقليدي فنياً وأجد أن ما ذهب إليه زياد في ما بعد هو الإنتاج الذي يتناسب مع تصوره الحداثي للواقع اللبناني بكل ابعاده، و سأتناول ذلك فيما بعد، و لكن دعونا نرى أين أساس هذا التصور؟
إنني أرى الأساس معرفيا حيث يتمثل في وضعية زياد الفلسفية التي رأت في الفن و الثقافة خادماً للإنسان لكن دون الوفاء للفن و الثقافة، هكذا تعاملت الوضعية العلموية الماركسية مع الواقع بكل أبعاده السياسية و الثقافية و الفنية فتبنت سياسة ثقافية جماهيرية تصالحت مع الثقافة الشعبية رغم مكوناتها التقليدية المعادية لكل حداثة بدلاً من سياسة ثقافية طليعية تنقد موروثها لتميته موتاً جميلاً و لن يتسع المقام هنا لسرد المذابح التي ارتكبت بحق الفن و الأخلاق التراث والدين من قبل الماركسية الوضعية التي رأت في تلك المرحلة فرصة للتغيير و لو على حساب الروح الانسانية بكل أبعادها حيث تصورت أنها ستنتقل من وضع رقم (1) يمتاز بكل ما هو سوداوي و قبيح يسمح فيها ارتكاب الأخطاء من أجل تسريع وتيرة التغيير-الغاية تبرر الوسيلة- إلى الوضعية (2) التي يتفرغ فيها التقدمي الثوري لإنجاز مشاريعه الثقافية و الفنية، هذه الوضعية الفلسفية جرت الحركات (التقدمية) إلى براجماتية سياسية و ثقافية وعدم تحقيق أي من الأهداف التي تطلعت إليها.

و في مطالع الثمانينات يبدأ زياد مشواره الإبداعي بعد أن شذّب فهمه للواقع السياسي الاجتماعي اللبناني في مسرحيته (فيلم أميركي طويل) و بعد أن انتقلت الحرب اللبنانية من حرب أهلية إلى حرب ميليشيات مدعومة إقليمياً مستهلاً هذا المشوار بحفلات موسيقية تؤدى فيها موسيقى هارمونية كلاسيكية تحاكي الموسيقى الشرقية و موسيقى الجاز الأمريكي عبر توليفات إبداعية أسست لما يسمى حالياً بالجاز الشرقي حيث قدم حفلة بعنوان (بها الشكل)في العام 1983
و انتقل في العام نفسه إلى الحقل الثقافي ليعترف أن هذا هو مكانه الملائم و يبدأ مشواره بنقد هذا الحقل عبر مسرحية (شي فاشل) حيث يقوم بنقد التراث الرومانسي في المسرح والتراثي في الموسيقى ويطالب بثقافة على لسان أبو الزلف تتماشى مع روح العصر وتفرغ بعد ذلك لإصدار ألبوم هدوء نسبي 1985 و أجرى جولة من الحفلات غطّت لبنان يقدم فيها موسيقاه الجديدة ثم قّدم فيلماً تسجيلياً يحمل عنوان الألبوم يشرح فيه مشروعه يوضح غاياته وصعوبات إنتاجه و نشره و تلقيه من قبل المستمع و كذلك يبدأ مشروعه الإبداعي مع فيروز في ألبوم معرفتي فيك الذي يقدم فيه أغنية شرقية حديثة بكل معنى الكلمة فمن الموسيقى الهارمونية التي تسود الألبوم إلى كلمات الأغاني التي تعلن عن حس جمالي مخالف لما ورثته الأغنية العربية إلى إغناء الفرق الموسيقية العربية بالآلات النفخية إلى توليفات الجاز الأمريكي ثم تأتي فترة الاضطراب التي عاشتها بيروت الغربية التي تم فيها إبعاد الحزب الشيوعي عن المقاومة وقامت معارك أيدلوجية وسياسية وعسكرية بين المقاومة الإسلامية وجبهة المقاومة الوطنية وقد شارك زياد في هذه المعارك ادلوجياً حيث قام بتقديم عدد من البرامج الإذاعية (العقل زينة – ياه ما أحلاكن – تابع لشي.. تابع شي)حاول فيها مساجلة المد الديني الطائفي الرجعي الذي ساد لبنان وبيروت الغربية ثم يعود ليكمل المشاريع التي بدأها بحفلة الجامعة اللبنانية في بيروت وألبوم (كيفك إنت) مع فيروز وليعود للمسرح مرة أخرى ولكن بطرح فكري مختلف وشكل مسرحي جديد حيث قدم مسرحيتي (بخصوص الكرامة و الشعب العنيد) و (لولا فسحة الأمل) بشكل تجريبي أحدث عواصف لدى النقاد المسرحيين في لبنان وأثار حوارات كثيرة لدى اليساريين حول الطرح الفكري للمسرحية التي تؤكد على ضرورة مفاهيم الحداثة البرجوازية لبناء إنسان ودولة حديثين ..

و يستكمل زياد مشواره الموسيقي والغنائي بشكل أكثر راديكالية سواء في ألبوماته مع فيروز والتي بلغت ذروتها في ألبوم (ولا كيف) الذي استقبله المثقفون بترحيب كبير على عكس الشارع وتتضح كذلك هذه الراديكالية في ألبوم (مونودوز) مع سلمى المصفي وفي حفلات (de capo) التي أعلن فيها بداية جديدة في الموسيقى يكون فيها أكثر وفاءا لنفسه و للموسيقى التي يكتبها و لكن تأتي محطات مثل ألبومه مع لطيفة (معلومات أكيدة) أو بعض أغاني ألبوم (بما أنو) لتثير التساؤل عن مدى جدية زياد في مشاريعه و توضح لنا الإعلانات التي أطلقا و ألبوم (نص الألف خمسمية) أن زياد يرى الآن أن نص الألف خمسمية وهو الذي كان يطالب “بألف وخمسمية” مما يوضح لنا أن القطيعة التي أقامها زياد مع تراثه السبعيني لم تكن منهجية على الأقل على مستوى السلوك من حيث عدم إحساسه بالمسؤولية تجاه جمهوره –وهو ما يتضح في مقابلاته التلفزيونية- ومن خلال اضطراب الخط البياني لمشاريعه الفنية .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق