مستقبل التحول الديمقراطي في الجزائر بعد فشل الإسلاميين / دافيد أوتاواي

عرض: عماد السيد – باحث في العلوم السياسية

جاءت نتائج الانتخابات النيابية الجزائرية الأخيرة لتجعل من الجزائر حاجزاً أمام اكتمال صعود الإسلام السياسي في شمال إفريقيا، وفي هذا الإطار ، جاء هذا التقرير المنشور لـ “دافيد أوتاواي” David Ottaway، ضمن برنامج الشرق الأوسط، التابع لمركز وودرو ويلسون الدولي للدراسات- واشنطن، حول الانتخابات الجزائرية، والذي يحاول المقاربة من السؤال الحاكم: لماذا كان الجزائريون- كما دأب رئيسها بوتفليقة على التأكيد دوما -استثناء من “الربيع العربي”؟!، هل لهذا علاقة بالنتائج التي تبدت حتى الآن من جراء صعود الإسلاميين في مصر وليبيا وتونس والمغرب؟، أم للأمر علاقة بعدم الرغبة في أن تكرر الجزائر تجارب مرت بها من قبل؟، والإشارة هنا للحرب الأهلية التي أعقبت صعود “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” انتخابياً عام 1991، و بالتأكيد ستكون الإجابة مرهونة بما ستسفر عنه التفاعلات الداخلية في الجزائر في القريب العاجل.

 

يلقي التقرير الضوء على أجواء ونتائج الانتخابات البرلمانية في الجزائر، والتي أجريت في العاشر من مايو الماضي، وأسفرت للمرة الأولي منذ الربيع العربي عن هزيمة ساحقة، وغير متوقعة للأحزاب الإسلامية المعتدلة، وهو ما يمثل استثناءً ملحوظاً على الاتجاه العام لوصول الإسلاميين إلى السلطة في دول شمال إفريقيا من مصر إلى المغرب. وكانت النتائج مفاجأة لمعظم الجزائريين، خاصة الإسلاميين الذين كان يتوقع فوزهم بأكثرية المقاعد في الجمعية الوطنية الشعبية الجديدة، وربما حتى بمنصب رئيس الوزراء. وفي المقابل، سيطرت الأحزاب العلمانية على الجمعية الوطنية، وحصلت على 288مقعداً، أي ما مجموعه 62% من مجموع مقاعد الجمعية.

 

نتائج الانتخابات النيابية:

 

ورصد التقرير بالتفصيل نتائج الانتخابات النيابية ومؤشراتها، والتي انتهت بفوز حزب جبهة التحرير الوطني، الذي يترأسه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحده بـ220 مقعدا من أصل 462، بزيادة تعادل 84 مقعدا عن آخر انتخابات برلمانية، في حين فاز التجمع الوطني من أجل الديمقراطية، والذي يترأسه رئيس وزراء بوتفليقة أحمد أويحيى بـ 68 مقعدا، وأكد أويحيى تأييده الواسع لأي مسار يختاره الرئيس، بينما حصل تحالف الخضر الجزائري، الذي يضم ثلاثة أحزاب- منها حركة مجتمع السلم(حمس)- على 48 مقعداً فقط من مقاعد الجمعية.

 

وكانت حركة “حمس” التي تعبر عن تيار “الإخوان المسلمين” جزءاً من السلطة منذ عام 1996، فقد دخلت الحكومة للمرة الأولى في ذلك العام بوزيرين في عهد الرئيس الأسبق اليمين زروال، ووصل عدد وزرائها إلى سبعة في بعض الحكومات التالية، وكان لها أربعة وزراء في الحكومة التي أجرت الانتخابات الأخيرة، قبل أن تنسحب قبل عدة أشهر فقط من الائتلاف الذي كانت شريكاً ثالثاً فيه مع حزبي “جبهة التحرير الوطني”، و”التجمع الوطني الديمقراطي”.

 

وكان من أهم نتائج تلك الانتخابات فوز المرأة الجزائرية بنسبة كبيرة نوعا ما بفضل نظام الحصص الجديدة، والتي شهدت فوز 145من أصل 7700 امرأة ترشحت لتلك الانتخابات، وهو ما يعادل 31% من المجموع الكلي للمرشحات، وهي نسبة تفوق كثيرا نسبة النساء الممثلات في برلمان مصر بعد الثورة، أو حتى نسبة النساء الممثلات في الجمعية التأسيسية في تونس.

 

الإسلاميون.. وصدمة الاستثناء الجزائري:

 

رأى التقرير أن نتائج الانتخابات في الجزائر بمثابة رسالة قوية للإسلاميين المعتدلين، مفادها أن تعاونهم مع الحكومة قد أضرهم كثيراً، وأنه من الأفضل أن يعودوا إلى المعارضة الصريحة، حيث شاركت حركة مجتمع السلم الجزائرية في الحكومة مدة 17 عاماً، وكانت جزءاً من تحالف دعم الرئيس بوتفليقة.

 

وفي تعليقه على الانتخابات، قال زعيم حركة مجتمع السلم، بوجرة سلطاني، ” إن نتائج الانتخابات غير منطقية وغير مقبولة”، وأصر مسئول آخر في الحزب على أن التحالف قد فاز في الواقع بضعف هذا العدد، إلا أن الحكومة شاركت في “تلاعب كبير” بالنتائج. وأضاف نائب رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق ماكري، في مقابلة معه” إن حزبه يدرس مختلف الخيارات ردا على نتائج الانتخابات، بما في ذلك مقاطعة البرلمان الجديد، وانسحاب وزراء حزبه الأربعة من الحكومة، وأن الرأي الغالب داخل حركة مجتمع السلم هو الانسحاب، وتنظيم وقيادة المعارضة”.

 

وأضاف قائلاً” إن الحكومة قد غاب عنها “فرصة تاريخية” لتتواكب مع الحركة المؤيدة للديمقراطية التي تجتاح العالم العربي منذ مطلع العام الماضي، وستكون مسئولة الآن عن العواقب”. وذكر ماكري أن نسبة الإقبال الحقيقية هي 25%، وليست 42% كما ذكرت الحكومة، وأن الحكومة لديها شخصيات لها تاريخ طويل في تزوير الانتخابات في الماضي.

 

ومن جهتها، دعت كل من جبهة الإنقاذ المحظورة، وفرع تنظيم القاعدة الجزائري إلى مقاطعة الانتخابات. وبرغم دعوات المقاطعة، واتهام الحكومة بالتزوير، فإنه لا يبدو من المرجح أن أي هيئة أو حزب إسلامي سوف يتحول إلى استخدام العنف – كما حدث في 1992، عندما منع الجيش الجبهة الإسلامية للإنقاذ من تولي الحكم عقب فوزها في الانتخابات- خاصة أن الجزائريين لن ينسوا أو يغفروا لجبهة الإنقاذ تسببها في وفاة الآلاف، وتدمير واسع النطاق في مختلف أنحاء البلاد.

 

وقد رصدت وفود المراقبين الأجانب، بما في ذلك معهد واشنطن الوطني الديمقراطي، بعض الانتهاكات مع بعض المخالفات المتفرقة، وانعدام الشفافية في بعض مراحل العملية الانتخابية. ويذكر أن الحكومة الجزائرية قد سمحت لأكثر من 500 من المراقبين الأوروبيين، لأول مرة، بمراقبة هذه الانتخابات، وهي الخطوة التي اتخذتها الحكومة لتحظي بثقة كل من الجزائريين والأجانب.

 

مستقبل التحول الديمقراطي في الجزائر :

 

ويرى “أوتاواي” أن تحليل نتائج الانتخابات يسير في مسارين.

 

المسار الأول: أن تكون هذه الانتخابات هي الخطوة الأولي في إخراج الحياة السياسية الجزائرية من حالة الجمود التي تعيشها منذ فترة كبيرة، حيث شارك في هذه الانتخابات 21 حزبا جديداً، وزادت مشاركة الأحزاب الإسلامية.

 

المسار الثاني: ما تثيره نتائج الانتخابات من تساؤلات جدية عن مدى قابلية وعود الإصلاح السياسي والاقتصادي من التحقق على أرض الواقع في المستقبل القريب، والخشية، في حال الفشل، من رد فعل الملايين من الشباب الجزائريين الذين يشعرون بالاستياء بالفعل بسبب ارتفاع معدلات البطالة، وأزمة الإسكان الحادة.

 

فقد أراد الكثير من الناخبين الجزائريين إرسال رسالة تعبر عن خيبة أملهم في الأحزاب، والسياسيين في البلاد، من خلال ترك نحو 17% من الناخبين أوراق الاقتراع فارغة. وبالرغم من الحملات المكثفة من قبل كبار المسئولين، بمن فيهم الرئيس بوتفليقة نفسه، لحث المواطنين على الذهاب للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، فإن نسبة التصويت لم تزد على 42%فقط، ولكن هذه النسبة تزيد عن آخر انتخابات برلمانية أجريت في عام 2007، بنسبة 6%، وربما يكون السبب في ذلك وعود بوتفليقة بإجراء تغييرات كبيرة في الجيش وقوات الأمن التي تسيطر على البلاد.

 

وقد لاقت نتائج الانتخابات ارتياحاً لدى المسئولين الجزائريين، خاصة أن الرئيس بوتفليقة قد ندد بالربيع العربي في مصر وتونس وليبيا مراراً، ودعا الجزائريين إلى التمسك بالقومية، خاصة أن الجزائر تمتلك تاريخاً خاصاً من النضال منذ الاستقلال عن فرنسا. وتحدث بوتفليقة عن فشل الإسلاميين في تونس، والمغرب، ومصر، وربما ليبيا، في حل مشكلات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، والتي كانت سببا في انتخابهم.

 

أما الإسلاميون، فقد أصابتهم الانتخابات الأخيرة بخيبة أمل، وجددت مخاوفهم من عودة البلاد إلى الحزب الواحد، جبهة التحرير الوطني(FLN)، والتي سيطرت على البلاد من عام 1962 إلى عام 1988، حين اشتعلت الانتفاضة الشعبية.

 

وعقد أحد المعلقين الجزائريين مقارنة بين هذه الانتخابات، وتلك التي عقدت في أواخر عام 2010 في مصر، حيث حصل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم آنذاك على أغلبية ساحقة، وأقصي جماعة الإخوان المسلمين من البرلمان تماماً، ونتج عن ذلك زيادة غضب المصريين، وإشعال انتفاضة شعبية بعد شهرين، والتي أدت إلى الإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك.

 

ويسعى الرئيس بوتفليقة من جهته إلى تفادي حدوث أزمة مع الإسلاميين في الوقت الراهن، من خلال منحهم المزيد من الوزارات، أو حتى قيادتهم لمجلس الشعب الجديد. وكان بوتفليقة قد عبر، قبل الانتخابات، عن نيته تسمية وزير الدولة للأشغال العامة الحالي ، عمار غول، رئيساً لوزراء الجزائر المقبل، وهو شخصية تحظى بالقبول لدى الشعب الجزائري. وكان غول فد أنجز مشروعات بناء، بلغت تكلفتها نحو11 مليار دولار، وهو على وشك الانتهاء من إنشاء طريق سريع يربط بين شرق البلاد وغربها لأكثر من 800 ميل، وهو المشروع الذي يوصف بأنه الأكبر في إفريقيا.

 

ويرى كاتب التقرير أن الرئيس بوتفليقة سيسعى إلى منح سلطة أكبر للبرلمان، وكان الرئيس قد أكد أن مهمته الأولي هي تعديل الدستور، وذلك لتعزيز قوته في السلطة، وأيضا إعادة تحديد فترتين للرئيس. وكان بوتفليقة ذاته هو الذي غير الدستور قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة في عام 2009 ليتمكن من البقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى.

 

كما يسعى الرئيس لزيادة صلاحياته، وإعادة تأسيس جبهة التحرير الوطني، ليصبح الرئيس هو صاحب السلطة الحقيقي، وليس السلطات الأمنية التي تعمل في الجزائر من وراء الكواليس، والتي يشار إليها عادة باسم “السلطة”.

 

ومن جهة أخرى، يرى بعض المعلقين أن الرئيس بوتفليقة ربما تنتهي ولايته الحالية في عام 2014 بسبب حالته الصحية المتدهورة، خاصة أنه لم يرزق بأبناء، أو أقارب مفضلين ليتولوا الحكم من بعده، في حالتي الوفاة، أو التقاعد المبكر.

 

ولكن ماكري، نائب رئيس حركة مجتمع السلم، قدم تفسيراً آخر، هو أن بوتفليقة سعى لتزوير الانتخابات لصالح جبهة التحرير الوطني، لتقويض أي محاولة من حزبه، أو أي حزب معارض آخر، لإنهاء حكم العسكر، وتغير النظام في الجزائر من رئاسي إلى برلماني.

 

عن مجلة السياسة الدولية – القاهرة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق