مسرحية الرداء… نسمة جمالية في سماء المسرح العراقي

{{ مهاد
}}

لقد اجتهد المسرح الحديث للتخلّص من ربقة وسطوة الحكاية والحكواتية، اجتهد للقفز على التسلسل الأرسطي الصارم، والملحمي البريشتي بتغريبه، اجتهد كثيرا حتى توصل إلى جنسه الإبداعي الذي كان عصيا على الحيازة، فالمسرح خشبة واحدة ولكنّ النجارين عدّة، والأهواء والأمزجة والمدارس بكبر قدرة العقل البشري على إنتاج الجديد، وأهم ما أُتفق عليه هو طرح الأسئلة؟

لم يعد المسرح – والإبداع عموما- أجوبة يقين، بقدر ما هو أسئلة وقلق. المسرح الحديث صورة وفكرة وحكاية، متعة، دهشة، وقلق، وتغريب أو هو عدوى أيضا على طريقة ” أنطوان ارتو”.

في مسرحية الرداء التي شاهدتها مرّتين، مرّة في بغداد إبان التسعينات وكانت من بطولة “ليلى محمد وفيصل وجواد”، ومرّة ثانية في أستراليا عندما عرضت على مسرح الفنون التابع لبلدية مدينة” فيرفلد” في ولاية سدني، وهي بحلّة جديدة ومن بطولة ” الفنان المبدع منير العبيدي ومشاركة الفنّانتين المتألّقتين رغد آغا وخلود النمر”، وكان القاسم المشترك هو المبدع عباس الحربي الذي كتب المسرحية وأخرجها أيضا.

{{النصّ والتأويل}}

ينهل الكاتب عباس الحربي في هذه المسرحية من ومضة تاريخية مُستلّة من التاريخ السرّيّ للحياة الشخصية للخلفاء المسلمين الأمويين، وتحديدا حكاية زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك مع الشاعر وضّاح اليمن الذي عاش في عصر الدولة الأموية، وهو عصر ازدهر فيه الأدب ازدهارا تعددت فيه مواضيعه واختلفت فيه اتجاهاته ومدارسه، وكان فيه شعراء السياسة والهجاء مثل جرير والفرزدق والأخطل وعدي بن الرقاع وغيرهم، كما ظهر فيه الشعراء الغزليون والعذريون أمثال عمرو بن أبي ربيعة وابن قيس الرقيات والعرجي وجميل بثينة وكثير عزّة وغيرهم كثير. تقول الحكاية الرسمية: “إنّ وضـّاح اليمن (توفّي 89 هـ/708 م) هو عبد الرحمن بن إسماعيل الخولاني، لقب بالوضّاح لوسامته، من شعراء الغزل في العصر الأمويّ. قيل إنّه مات مقتولاً بأمر الخليفة الوليد بن عبد الملك لتشبيبه بزوجته” وإنّ الحقيقة السرّية تقول كما يروي – كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني “رأته أمّ البنين فهويته. أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثنا القاسم بن الحسن المروزي، قال حدثنا العمري عن لقيط والهيثم بن عدي؛ أنّ أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان استأذنت الوليد بن عبد الملك في الحجّ فأذن لها وهو يومئذ خليفة وهي زوجته، فقدمت مكّة ومعها من الجواري ما لم ير مثله حسنا. وكتب الوليد يتوعّد الشعراء جميعا إن ذكرها أحد منهم أو ذكر أحدا ممّن تبعها. وقدمت فتراءت للناس وتصدّى لها أهل الغزل والشعر، ووقعت عينها على وضّاح اليمن فهويته. فحدّثنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكار، قال حدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري، عن محمد بن جعفر مولى أبي هريرة، عن أبيه، عن بديح قال؛ قدمت أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان وهي عند الوليد بن عبد الملك حاجّة، والوليد يومئذ خليفة، فبعثت إلى كثير وإلى وضّاح اليمن أن انسبا بي، فأمّا وضّاح اليمن فإنّه ذكرها وصرّح بالنسيب بها، فوجد الوليد عليه السبيل فقتله”.

ويقول الدكتور طه حسين في كتابة حديث الأربعاء الجزء الأول – كانت “أم البنين” تريد أن يتغزّل بها الشعراء كما تغزلوا بأخت زوجها فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز، وكما تغزّلوا بسكينة بنت الحسين، وكما تغزّلوا ببنت معاوية من قبل، وكما كانوا يتغزّلون بكلّ شريفة وجميلة وردت مكّة، فطلبت إلى كثير عزة ووضاح أن يذكراها، فأمّا كثير فخاف الخليفة ولكنه ذكر إحدى جواريها تدعى غاضرة، أمّا وضّاح فتغزّل بأمّ البنين فأحبّت وضّاح وأحبّها وطلبت منه أن يتبعها إلى الشام كما يذكر أكرم الرافعي في قصة وضّاح تحت سلسلة آفاق عربية طبعة 1960، تبعها وضّاح ومدح زوجها ،أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك حسب نصيحة حبيبته أمّ البنين، ووعدته أنها ستعمل على حمايته ورفع شأنه، فقرّبه زوجها وأكرمه علية القوم، وكان يتردد على مخدع (غرفة نوم) أمّ البنين، وكان جميلا حتى تعلّق به وبشعره بنات رجال الديوان ونساؤهم، وبدؤوا يتربصون به – حسب ما تذكر الرواية – ويذكر الدكتور طه حسين أن الوليد أهدي جواهر أعجبته وأرسلها مع أحد الخدم ودخل الخادم فرأى عندها وضاح فأسرعت ووضعت وضاح في الصندوق والخادم يرى، ثم أخذت الجواهر من الخادم فطمع الخادم وطلب أحد هذه الجواهر فأبت عليه وسبّته، فانصرف غاضبا وأخبر الخليفة بما رأى، فأظهر الخليفة تكذيبه وأمر بقتله، ثمّ نهض من فوره ودخل على الملكة فإذا بها تتمشط فجلس على الصندوق الذي وصفة له الخادم، وطلب منها أن تعطيه ذلك الصندوق، فلم تستطع الرفض فأخذه إلى مجلسة وأمر بحفر بئر في هذا المجلس وألقى الصندوق في هذه البئر، ثم دفنها بالتراب وسوى بها الأرض وردّ ّالبساط فوقها كما كان واختفى وضّاح”، قال بديح؛ فلما قتل الوليد وضّاح اليمن حجّت بعد ذلك أمّ البنين محتجبة لا تكلّم أحدا”.

من هذه الحكاية يستلّ المؤلف عباس الحربي نسقا حكائيا ليصوغ به ثيمة المسرحية، يضع الحربي الأميرة والعبد أمام خيارين متباعدين “لحظة وجود العبد شاهدا على وجود وضّاح اليمن في سرير الأمير”.. أمسك المؤلّف هذا الخيط، ووضع الحكاية بطريقة مقلوبة بيد العبد، ناسيا موت العبد على يد الخليفة، ومؤلفا حكاية متوازية ثانية، عنوانها متوالية القلق.. قلق العبد من مواجهة سيدته، وقلق السيدة من افتضاح السرّ. متوالية القلق بين العبد الرازح تحت وطأة الثأر من عبوديته، والأميرة الخائنة. تستمرّ الأحداث وفقا لهذا المنظور، الخيانة “الخطية” وثمنها الموت.. فلا بدّ من قربان.. قربان العبد هو الوشاية، وقربان الأميرة جسدها الذي يرده العبد المخصيّ.

{{مسرحة الحدث}}

اعتمد عباس الحربي المخرج سينوغرافيا موفّقة للتوصل إلى محاولة إقلاق حواسّ المشاهد، بالسرير، وكان موفقا في إبرازه كمعينة بصرية .. لأنّه يمثل ذروة الصراع في الحكاية بشقّيها الرسمي والتأويلي، وكذلك السيفان والكأس، ومبعدا وجود الصندوق الذي وفقا للحكاية كان الثيمة الرئيسة في موضوع الخيانة، وهذه لم تكن في أصل الحكاية التي عرضنا لها، ولكن عباس الحربي جعل تأويله للحكاية مادة مسرحية ذات إشكالية متعدّدة، وهنا ينجح المبدع في الاستفادة من الحكاية التاريخية وتحويلها إلى ومضة جمالية وفكرية. كلّ مفردات العرض تحرّكت في خطين متقاطعين، يرافقهما خطّ عموديّ ثالث، وهو علاقة العبد المخصيّ بزوجته، وهي إضافة نوعية لتأجيج رغبة العبد في الانعتاق .. عبد مخصيّ.. أمام زوجته الأَمة “العبدة” .

عبد مخصيّ، ومعه سرّ الانعتاق .. أمام أميرة خائنة. المؤلّف لم يرد الاقتصاص من الأميرة الخائنة، لأنّها معروفة تاريخيا بكثرة عشّاقها وما يحمله العصر الأموي من فضائح وأحداث لا تجعل فعل الأميرة خيانة، وعند الرجوع إلى أصل الحكاية سنجد أنّ الخليفة قد دفن وضاح قائلا “إذا كان في الصندوق ما نظنّ دفنا شرا وإن لم يكن دفنّا خشبا”.

{{القناع التاريخي والقناع الطائفي}}

لقد أدخل المخرج مناخا طقسيا من الإرث الشيعيّ تناغم بين العبد الذي يصرخ بمأساة “الأمام الحسين” ومرور الفرس الخشبيّ على المسرح ” تذكّرنا بالتشابيه الحسينية الشيعية ” لتقديم المظلومية، وهذا برأيي قد أخلّ قليلا بفكرة العرض وحركة العرض لغويا وبصريا، لانعدام التناغم الفكري العامّ بين هذا المشهد والرؤيا العامّة والشمولية للعرض.

{{العبودية والإخصاء}}

ناقش المؤلّف عباس الحربي العبودية بطريقة فنّية وفلسفية مختلفة عن الحكاية التاريخية .

فالعبد ظلّ عبدا حتى بعد أن ضاجع الأميرة، والعبد ظلّ عبدا حتى بعد أن تبادل الوظيفة بينه وبينها في السرير. لأنّه لا توجد هناك عبودية .. بل هناك رجال عبيد..

هذه ثيمة فهم مهمّة جدّا، استطاع الحربي أن يكرّس له كلّ تفاصيل العرض، حتى أنّ العبودية ستظلّ كعربة تحمل تاريخها وتمتدّ ويلاتها وهو ما شهدناه في الحركة الأخيرة من المسرحية، عندما تتدخّل الكاميرا السينمائية لتعرض لنا سرير الأميرة مجرورا من قبل زوجة العبد المخصيّ، وهي تحمل أهوال الحروب والتي يرى الكاتب أن العبودية أو الرجال العبيد هم وراء أهوال هذا التاريخ الدموي.

,وبما أنّ المؤلّف ركّز على ثيمة العبودية. فلنر كيف كانت معالجته فكريا؟

فقد استخدم المخرج المؤلف “السرير” – ولا وجود له في الحكاية الأصلية- بدلا من “الصندوق” في أصل الحكاية، واستبدله بمنظومة أنماط جديدة من الأسرار. وتمضي المسرحية بجدل حول السرير بين العبد القابض على سرّ الدسيسة وجسد الأميرة المستباح، بلغة شعرية عالية، وعلى سبيل المثال هذه العبارات المستلّة من المسرحية “الأجداد الأشدّاء الذين يرون ما يأتي من الجنّة ومن السعير، ما هذه الليلة في أقداركم بل مَن هذا المرسل إلي فك رحى أم أنامل دود سليمان وما من عصى للاتّكاء غير الدم… أيها الميزان المعلق بين زحل واسطبل العبيد تسامى فما عادت كفتيك بحاجه لكومه جياع مثلي لتعادل فردا متخوما بالخيانة… ما الذي أتى بك إلى هنا والليل يبتلع أصابعه خوفا من هذه الليلة المجنونة؟ أتى بي فراشي البارد يا زوجي العزيز…ونحن نسبح ببحر إنسانيتك لماذا جزّر هذا البحر وكشف عوراتنا للهجير ونحن لا نملك غير ذراعين لا نعرف، أنستر بهما عوراتنا أم نعتذر بهما للكبير فما عاد فينا من الكبر ما نحيي به صباح فضائحنا”.

فكريا، انتمت المسرحية للانتصار إلى الحلّ، غير تاركة النهايات مفتوحة. فالعبد قد انتصر على جسد الأميرة المستباح، وتم تبادل الأدوار بين العبد ليصبح أميرة، وبين الأميرة الجارية، وهو حوار مقلوب يتمم وجهة نظرنا بأنّ المسرحية سارت إلى مآلها للنهاية، العبد ينتصر على عبوديته بحلّ عقدة ” الإخصاء”القرين الدائم للعبودية .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق