مسلسل “الإبداع”

عند فلاسفة كبار كتابات فلسفية على شكل “سلسلة” كتب مرتّبة حسب أرقام، شأن “كتابات في غير أوانها” لنيتشه وهي تتكوّن من أربعة كتب، و”أسئلة” هايدغر التي تشمل العدد نفسه، و”مواقف” سارتر التي تناهز العشرة.. هل نستطيع أن نقول إنّ هاته “السلسلات” لا تختلف في شيء عن الكتابات، والإبداعات، التي تعجّ بها السوق الثقافية اليوم شأن “المسلسلات” التلفزيونية، و”سلسلات” الكتب التي تتّخذ عادة شكل كتب جيبية؟

الظاهر أننا لا يمكننا أن نحشر المؤلفات المذكورة ضمن السلسلات والمسلسلات المعهودة، رغم ما يمكن أن يظهر من تماثل شكليّ. ذلك أنّ ما يميّز هاته الأخيرة هو أنّها، عندما تحشر الكتاب في سلسلة، تقضي على طابع التوحّد الذي يميّزه كي يغدو رقما في مجموعة، كما أنّها تنزعه من مؤلّفه لتدخله دوامة الإنتاج التي تلتزم مع سوق النشر بتزويدها بوحدة إنتاجية معيّنة خلال ظرف زمنيّ محدّد. وهكذا تتلاحق أرقام السلسلة واحدا تلو الآخر، فيغيب الإبداع ليظهر الإنتاج، يغيب المؤلّف ليظهر “منتج” السلسلة. لا علاقة لهذا بطبيعة الحال بالمؤلّفات التي أشرنا إليها في البداية، فرغم تسلسلها وفق أرقام، فهي تظلّ حاملة لاسم مؤلّفها، معروفة به، وبه وحده. إذا كان يكفيني، على سبيل المثال، أن أنعت كتابا بأنه الرقم كذا في سلسلة “ماذا أعرف” من غير ذكر صاحبه، فأنا مضطرّ إلى أن أحدّد المقالة بعينها التي أعني عندما أحيل إلى إحدى كتابات نيتشه. ذلك أنّ كلّ مقالة من المقالات التي ضُمّت ضمن “كتابات في غير أوانها” تظل “تحفة” chef-d’œuvre في حدّ ذاتها، أما حلقة السلسلة فهي لم تعد عملا فريدا من نوعه œuvre، وإنما غدت، عند حشرها في مسلسل الإنتاج، منتوجا produit يحمل رقما في سلسلة un numéro de série. وبطبيعة الحال، فإنّ انهيار مفهومات وحدة الإبداع وتفرّده سرعان ما يستتبعه “انهيار” واحدية المبدع. فكأننا نغدو أمام إنتاج من غير مؤلّف. أو إن شئنا فلنقل: نغدو أمام مؤلّف ضمن سلسلة، أمام “حلقة مؤلّف”. وهذا أمر يؤكّده أصحاب إنتاج المسلسلات التليفزيونية الذين يوكلون إنتاج الحلقات إلى مجموعة من “المنتجين” الذين يحاولون أن يوفّروا للسوق “الثقافية” ما تطلبه من “سلسلات ” لا يعلم إلا الله وحده كم عدد حلقاتها، والى أين ومتى ستتوقف و”تنتهي”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق