مسلمون يجامعون بالـ”القرآن” والنّحو والبيان…

 يحتفي الأدب العربي القديم، بجسد المرأة أيّما احتفاء. ولكن أيّ جسد؟

هو جسد مثال، لكن ما أن يشرع الشّاعر أوالقاصّ أو الرّاوي في وصفه حتى تتخلّع أعضاؤه و تتفكّك عناصره، فإذا الجسد هذا الكيان المتلاحم فسيفساء مؤلّفة من أجزاء شبقيّة . وإذا الجسد هذه الوحدة العضويّة التي يشدّ بعضها بعضا رقع مشتتّـة و”أشياء” مقطّعة.
والقاصّ مثل الشاّعر مأخوذ بتجزىء الجسد إلى شعر وجبين وحاجب وعين وشفة وأنف وجيد ونهد ومعصم وسرّة وعجيزة وفخذ وساق… وهو تجزيء يشمل جسد الانسان (المرأة ) مثلما يشمل جسم الحيوان وأشياء الطّبيعة ومفرداتها ، فقوام المرأة قوام ظبية وعيناها عينا غزال أو بقرة وجيدها جيد جؤدرة ونهدها رماّنة أو حقّ وشعرها عناقيد كرم وأسنانها درر وشفتاها وردتان … بل انّ المثل الأعلى لجمال جسد المرأة عند قدماء العرب موزّع أو مشتّت بين القبائل وكلّ قبيلة تختصّ بجزء من أجزائه وعنصر من عناصر جماله، فالاطراف الجميلة في خزاعة، والقامة الجميلة في بني مرّة، والعينان الجميلتان في بني فزارة، والفم الجميل في طيء.

ويتحوّل تجزيء الجسد في قصص الحبّ عند العرب وفي الكتب التي تدور في فلكها،كلّما تقدّمنا في التّاريخ وبخاصّة في ما يصطلح عليه بـ”عصور انحطاطهم”، إلى نوع من اللّعب الكنائي أو الرّمزي، بالمعنى الدّقيق للكلمة. ولعلّ خير مثال لذلك كتاب جلال الدّيـن السّيوطي (849هـ/1445م ـ911هـ/1505م) الموسوم بـ”رشف الزّلال من السّحر الحلال”.وهو يضمّ عشرين مقامـة تتفاوت طولا وقصرا، أسـندها الكاتب إلى علماء من اختصاصات ومشارب مختلفة، وموضوعها أن يتحدّث كلّ منهم عمّا اتّفق لـه ليلة زفافه مع امرأته، مكنّيا أو موريا بمصطلحات علمه. ومثال ذلك ما جاء في المقامة الأولى: “فقال المقرئ: لمّا انقضى الاجتلا وحصل الاختلا…ثمّ استوينا على العرش،وجلسنا على الفرش،وكشفت عنها فإذا حر [فرج] باطنه ورد، وظـاهره ورش…ولـه شـفران تشبيههما مستبين، أحدهما كالنّون السّاكنةوالآخر كالتّنوين..” [المقصود أحكام النّون السّاكنة عند القرّاء وهي: الاظهار والادغام والقلب والاخفاء. وهي أحكام التّنوين أيضا.]

ففي كلّ كلمة في هذا النّصّ،تومض كلمة أخرى. فقوله” استوينا على العرش” إشارة إلى السّرير مثلما هو إشارة إلى الآية القرآنيّة” ثمّ استوى على العرش” المذكورة في أكثر من سورة”[الأعراف54…] و”الورد” في وصف الفرج، هو المكان الذي يورد مثلما هو النّصيب من القرآن يقوم به المسلم أو يستظهره كلّ ليلة. و”الورش” هو الشّهوة إلى الطّعام، ولقب القارئ المشهور عثمان بن سعيد”ورش”[ت.198ه/812م] .

ومثاله أيضا قول النّحويّ موريا عن الجنس بمصطلحات النّحويّين: “…ثمّ تعانقنا تعانق الإضافة، وارتشفت من خرطومها (الثّغر) ما هو ألذّ من السّلافة. ثمّ حللت الإزار ووقع الخفض على الجوار… فقلت لها: يا صاحبة الجيد الحال، المضارع في ضيائه،والتفاتة للغزالة والغزال، زادك الله تـمييزا، وبرّزك على حسّادك تبريزا، هلمّي إلى المدّ والقصر، واسقبلي الـرّفع والنّصب والجرّ…” [الخفض عل الجوار:اصطلاح نحويّ :جرّ ما حقّه أن يكون مرفوعا أو منصوبا.]

ومثاله أيضا قول صاحب البيان،موريا بالقرآن، مجاريا أسلوبه في سورة”الرّحمن”:” لمّا تجلّى العيان، وحصل غاية التّبيان، بدا لي حر [فرج] ريّن وإليتان، مرج البـحرين فيهما يلتقيان [الرحمن آية19 بتصرّف بسيط]وبطن ذات سرّة وأعكان، وردف كأنّه جبل الرّيّان…”

فالمقرئ يجامع بمصطلحات المأثور في الدّراسات القرآنيّة،فيما يجامع النّحوي بمصطلحات النّحو، والبلاغي بأدوات البيان،وصور القرآن. وهذا ضرب من التّوظيف الأدبيّ،وطريقة خاصّة في تحوير نصّ سابق وإحلاله في نصّ لاحق.فإذا المصطلح (القرآني ـ النّحوي ـ البلاغي ـ العروضي ـ الهندسي …) لا يكافئ مـنـزلة المفهوم الذي وضع لـه، وإنّما يتعدّاه إلى الجسد والجنس، وما هو أوفر حياة وأوفى دلالة،حيث تغدو اللّغة نفسها حـمّـالة “مفاهيم” و”صورا” جنسيّة ليس إلاّ، أو هي ” الأدب المكشوف” أو”الخلاعي” بعبارة المعاصرين. ولا بدّ من أن نلاحظ هاهنا أنّ مصطلح الجنس موكول إلى استخدام معاصر في اللّغة العربيّة.وهو ما يؤكّده عبد الكبير الخطيبيّ مذكّرا في نفس الوقت بأنّه استخدام حديث كذلك في الثّقافة الغربيّة وهو مرتبط بتحوّل مخصوص في الثّقافة.

الجسد المجزّأ يحيل على واقع مجزّأ ، والواقع الـمجّزأ يحيل على جسد مـجزّأ . ذلك ما يمكن تقريره بكثير من الاطمئنان، استئناسا بهذه النّصوص وغيرها، وهو كثير.فـغالبا ما يستحضر الرّاوي أو الشّخصيّة غائب الذّكرى ويستـعيد حميم اللّحظة، وهو يفزع الى التّفاصيل فيجزّئ جسد الأنثى إلى شرائح.لكن يحسن ألاّ يفضي بنا ذلك إلى استنتاج متعجّل، كأن نرى في هذا الضّرب من الوصف انصرافا عن المرأة إلى أعضاء جسدها و أشيائها، إذ لو صحّ ذلك لأمكن القول إنّ عشّاق العرب كلّهم منصرفون إلى “الفيتيشية” بنسبة أو بأخرى،فيما الجسد المجزّأ، قاسم مشترك بينهم ، وملمح عام ملازم لقصصهم وشعرهم.وربّما استثنينا نصوصا “خلاعيّة” في ألف ليلة وليلة،أو مثل هذا النّصّ الذي كنّا فيه”رشف الزّلال من السّحر الحلال”، حيث يغيب الحبّ، ولا يحضر إلاّ الجنس، بالرّغم من أنّ هذا النّصّ ينضوي إلى”الأملوحة” أي ما لذّ واستملح من الكلام الذي يتولّد من استعمال الأداة الواحدة استعمالا متعدّدا.وهو ما ينشئ”المعنى المزدوج” ويدفع بالقارئ إلى عقد المعاني المختلفة.فإذا الأداة هي نفسها وغيرها في ذات الآن،كلّما استخدمت في غير ما ألف وعهد.وهذا الاستخدام هو الذي يضفي عليها معنى ويكسبها دلالة.ولعلّ هذا من الحلّ/الحيلة الذي ما فتئ الفكر البشري يفزع إليه كلّما ضاق عليه نسق من الأنساق.ونعني ب”الحلّ/الحيلة” التجاء النّسق إلى آخره أو خصمه يستمدّ منه عناصر قوّته ويتغذّى بها. هذا ما نتبيّنه في نصّ الٍسّيوطي”رشف الزّلال”،وفي نصوص أخرى كثيرة حيث المسلم يستغرق في المقدّس إلى حدّ الرّهبة التي لابدّ لها أن تتليّن.وليس لها ما تتليّن به غير الفنّ من جهة كونه يجعل”المدنّس” أو “الدّنيوي” يمثل جميلا.

لهذا فإنّ قراءة الصّورة (العاشقة/المعشوقة)في سياقها الإبداعي و الاجتماعي كفيلة بتوضيح الرّمزية العميقة التي تنطوي عليها .

من ذلك أنّ الانسان يجزّئ عادة الأشياء التي يملكها أو يرغب في الاستئثار بها والقبض عليها مخافة أن تفلت منه.و الأشياء -في نظر العربيّ القديم هذا الرّحّالة الذي كان يسلك طريقا أشـبه بـAporia أي بطريق لا تفضي إلى أيّ مكان – محكومة أبدا بالزّوال. ومن هنا كان أدب العرب منظوما أو منثورا محاولة لتثبيت لحظة هاربة والتشبّث بها، وكانت” الذّكرى” قادحه في الأغلب الأعمّ حيث حسّ الزّمن في الشّعر مثلما هو في قصص الحبّ، حسّ فاجع يشي بزوال الأشياء و تلاشيها ، حتّى أنّ كثيرا من هذه القصص ينتهي بموت العاشق أو المعشوق موتا “أبيض” بعبارة العرب أي فجأة. بل إنّ الأمنية التي كانت تستبدّ بالعربيّ القديم هي أن يصبح هو نفسه شيئا أو مادّة غفلا، أو أن يجمع في آن بين خفض العيش ولينه أو سعته،وبين صلابة الحجر واستدارته وشدّته:
ما اطيب العيش لو أنّ الفتى حجر* تنبو الحوادث عنه وهو ملموم

و لكن هل يعني ذلك أنّ الاشياء لا تخبّئ بالنّسبة إليه”أيـّة دلالة متـعالية أو أيّ معـنى ميتا فيزيائي” وأنّ “شعوره بالانفصال عنها هو شعور كامل بذاته المستقلّة ” كما يقرّر أدونيس؟

إنّ في أخبار قدماء العرب إشارات كثيرة إلى أنّ الأشياء كانت محفوفة بقداسة مثيرة ومتلبسة بلبوس التّصورّ الأسطوري، فقد عبد العرب الأشجار والعظم والرّيش الحجر وأنواع الحيوانات والشّمس والقمر… ” وما إليها من الظواهر التي ترتد إلى “المذهب الحيوي ” الذي يعتقد مريدوه بوجود روح أو قوّة سحريّة مؤثّرة في الاشياء وعناصر الطبيعة.وقد احتفظ المخيال الإسلامي بكثير من هذا، وما نخال القسم الإلهي في القرآن، بالأفلاك والأجرام السّماوية (والشمس ـ والقم ـ والنجم…) أو باشياء الطبيعة( والتين ـ والزيتون…) إلاّ أثرا من هذا المذهب،برغم أنّ القرآن أحال آلهة العرب ـ منذ بواكير الدّعوة ـ على التّقاعد أو المعاش.

فهل كان العربي القديم ينظر إلى أشياء الطبيعة على أنـّها مجرد أدوات تستخدم للنّفع و يقف منها موقف المعتزل المحايد ؟ أي أنّه كان يحيا “مع” الأشياء ، لا “في” الأشياء ؟

إنّ هذا القول الذي يثبته أدونيس قد ينطبق على فنّ الرّقش أو التّوريق الإسلامي (الأرابيسك) ، هذا الفن الذي لا يرسم كائنات الطبيعة وأشياءها،وإنّما يستبدلها بأشكال هندسيّة من خطوط و زوايا ومربّعات ومثلثّات ودوائر. أما في الشّعر وقصص الحبّ، فإنّ حضور الأشياء حضور لافت . وشاهد ذلك هذا الجسد المجزّأ أو “المشيّأ” الذي تحويه هذه النّصوص، ففي صورته يتعاشق الجسد (جسد الانثى) والجسم (الأشياء أو كلّ ما يشغل حيّزا من الفضاء)،ويتواشج المتخيّل والمرئيّ ، المتحوّل والثاّبت .
قد تنطوي الأشياء في هذه النّصوص على دلالة، وقد تكون دلالة اجتماعيّة أو ثقافيّة بالأساس لا دلالة ميتافيزيقيّة متعالية.ولعلّ المخيال”الجاهلي” فيها أبعد أثرا وأشدّ تأثيرا. فالعرب ـ في ما يستخلص من أخبارهم و أساطيرهم ـ لم يعرفوا قبل الإسلام حياة خارجة عن الطّبيعة فـ”الطّبيعة هي المذهب و الحقيقة التي لا حقيقة بعدها عندهم” .بل انّ الرّوح في اعتقاداتهم لم يكن شيئا مفارقا أو مستورا وراء الحجب الطبيعيّة، فهو طائر يُدرك و يلمس أي انّه حياة وحركة. وإذا كان ذلك كذلك فإنّ الجسد المجزّأ أو المشيّأ ـ وما هو بقسمة ضيزى بين خطاب”جاهلي” وآخر إسلامي ـ قد لايكون سوى تعبير عن رمزيّة اجتماعيّة متبادلة، فكما كان هذا الجسد يشحن الواقع بالمعنى،كان الواقع يشحنه هو الآخر بالمعنى بنية ووظيفة.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This