مسلمو السودان يبحثون عن الحريات الفردية

إنّ القوانين فى كلّ بلد تعكس مبادىء فلسفية وقانونية معيّنة تسعى السلطة السياسية إلى أن تراها محترمة ومُلتزما بها .

وفى ظلّ الحكومات الثيوقراطية التى تستمدّ مبادئها القانونية من الأديان، فإنّ القوانين قد تعكس ثقافة دينية لا علاقة لها بثقافة البلد الذى تطبّق فيه.

إنّ الثقافة الدينية لأيّة أمّة تعكس قيم تلك الأمّة وأعرافها وتقاليدها. ولهذا السبب يمكن أن يحدث تناقض بين الثقافة الحالية او التاريخية لشخص ما والقواعد القانونية التى تستمدّ من مصادر دينية.

هذا ما حدث فعلا فى حادثة لبنى الصحفية السودانية التى أُلقت القبض عليها شرطة الآداب العامّة (المعروفة أيضا بشرطة أمن المجتمع) فى الخرطوم .

إنّ إلقاء القبض عليها أثار انتباه الرأي العامّ المحلّي والعالمي. إنّ لبنى ليست السيّدة السودانية الأولى التى يلقى القبض عليها بسبب الزيّ الفاضح أو غير المحتشم، لكنّها كانت الأولى الّتي تحدّت القبض عليها على هذا الأساس.

هذا ما يحدث عادة فى الخرطوم، ففى حادثة مماثلة فى الأيّام الماضية أُلقي القبض على دكتور محمد شرف الدين الصحفى بجريدة العاصمة اليومية بسبب “الخلوة غير المشروعة او الرفقة غير القانونية”.

اشتبه شرطي في أنّ المرأة التى كانت صحبة دكتور شرف الدين ليست زوجته رغم إبلاغه الشرطيّ ب
أنّها زوجته، وأنّ الطفل الذي كان جالسا فى المقعد الخلفيّ هو طفلهما.
رغم كلّ ذلك ألقي القبض عليه وأطلق سراحه فى اليوم التالي بعد إبرازه لشهادة عقد الزواج.

فى معظم الحالات تطبّق الشرطة القوانين التى اعتمدتها حكومة السودان فى بداية تسعينات القرن الماضى لأسلمة البلاد.
القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 اعتمد في سلسلة قوانين جديدة كان الهدف الأساسيّ منها هو “إصلاح” القوانين والنظام القانونيّ السّوداني برمّته.

هذه القوانين ليست مستمدّة من الثقافات والعادات والتقاليد السودانية، ولا هي مستمدّة من مبادىء مقبولة عالميا كتلك المنصوص عليها فى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. هي بدلا عن ذلك مستمدّة من الفقه الإسلاميّ (لا الدين الإسلاميّ) كما فهم وفسّر بواسطة بعض العلماء قبل نحو أربعة عشر قرنا مضت.
ذلك الفقه فى الواقع لا يعكس مبادىء وقواعد مقبولة عالميا. جزئيا، هو يعكس عادات المناطق المختلفة التى تطوّر فيها الفقه الإسلاميّ عبر التاريخ، رغم حقيقة أنّ تلك العادات لم تعد موجودة في الكثير من تلك المناطق.

فالنّقاب الذى يلبس فى السعودية وبعض البلدان الاسلامية اليوم، مثلا لم يأت مع الإسلام، فالنساء فى ذلك الجزء من العالم ولأسباب بيئية كنّ يلبسن النقاب منذ زمن طويل قبل ظهور الإسلام.

إنّ لبنى والسيّدات والفتيات الصغيرات اللائي قُبض عليهنّ لإيمانهنّ العميق بثقافتهنّ السودانية قاومن عمليا تطبيق أحكام قانونية لا تعبّر عن ثقافتهنّ السودانية. بينما تمّ تنفيذ عقوبة الجلد على الأخريات، نقلت لبنى مقاومتها إلى جبهة اخرى ـ المحاكم، ومن بعد الرأي العامّ المحلّي والعالمي.

إنّ الكثير من النساء فى السودان يشعرن بأنّ أحكام المادّة 152 من القانون الجنائي لسنة 1991م تتناقض وبوضوح مع طريقة حياتهنّ، وبأنّ الذين يفرضونها يحاولون إجبارهنّ على تغيير ثقافتهنّ.

إنّ سيّدة سودانية تعيش هنا فى نيروبي، قالت لي قبل أيّام إنّ هنالك الكثير من الأشياء الغريبة التي تحاول الحكومة وبعض السودانيين الذين عاشوا فى الخليج العربى إدخالها الى المجتمع السودانى.
وأضافت السيّدة قائلة: “نحن كلّنا مسلمون، لكنّ العادات الجديدة التي يستوردونها غريبة علينا”.

إنّ قضية لبنى ببساطة تعكس التباين بين أولئك الذين يريدون أن يعيشوا، كسودانيين عاديين، أحرارا وأولئك الذين يريدونهم أن يعيشوا طبقا لايدلوجيات مستوردة ضيّقة الأفق.

بين الذين يريدون العيش فى القرن الواحد والعشرين وأولئك الذين يريدون العيش بعقلية العصور المظلمة .
إنّ المئات من النساء والرجال الذين خرجوا للتظاهر ضدّ محاكمة لبنى، أظهروا بجلاء أنّ المعركة بين الحكومات القمعية والمدافعين عن الحريات الفردية لن تنتهي أبدا.

إنّني أؤمن بأنّ تلك المعركة سوف يكسبها أولئك الذين يستمسكون بوجهات نظر تحترم وتعكس الكرامة الإنسانية والحريات الفردية والحداثة.

{{
* نصرالدين عبدالباري محامي وقانوني سوداني مقيم في نيروبي، وكان أستاذا سابقا للقانون الدولي بجامعة الخرطوم. هذا المقال نشر بالانجليزية بصحيفة الناشنال استار اليومية الكينية.

* ماجد معالي محامي وقانوني سوداني}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق