مسودة الدستور المصري بصناعة جمعية تأسيسية ملّية / وضاح شرارة

استدرج اقتراع الجمعية التأسيسية على مواد مشروع الدستور المصري الـ234 إجماع الاعضاء الـ85 الباقين وغير المستقيلين، تقريباً. وخرج عن الاجماع الغالب 9 أعضاء يُنسبون وينسبون أنفسهم الى الجماعات السلفية. وهؤلاء رفضوا المادة الخامسة من مسودة الدستور، وهي صيغت على النحو التالي: “السيادة للشعب يمارسها ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية، وهو مصدر السلطات”. وجلي أن المادة هذه هي “أم الدستور”، والركن منه، وعلة المعنى الدستوري أو الموجب الدستوري. فلا معنى لمعايير عمل هيئات الدولة وقواعدها وتعريفاتها- مثل وصف النظام السياسي (المصري) بالديموقراطي وإقامته على مبادئ الشورى والمواطَنة والمساواة بين المواطنين وعلى سيادة القانون واحترام حقوق الانسان، إلخ، على ما تنص المادة السادسة من المسودة إلا بعد الاقرار بالسيادة او الولاية العامة “للشعب”، وبتبعية السلطات له، وصدورها عنه.

وتنص مادة السيادة والمصدرية الشعبية على سبق التأسيس الدستوري، والرابطة السياسية والوطنية الجامعة التي تنشأ عنه افتراضاً، الأسس والروابط الاخرى التي تربط بين الجماعات الجزئية والفرعية. فعلى رغم قيام الجماعات الجزئية، العرقية القومية والدينية والمحلية والمهنية، قبل الجماعة الوطنية والسياسة الجامعة والمتحدة، تتقدم الرابطة أو العروة الوطنية السياسية روابط الجماعات وكياناتها الموروثة والعريقة. وحين يرفض السلفيون وأمثالهم، من غير أن يكونوا “على دينهم”، ولاية الشعب الدستورية ومصدريته السلطوية (على معنى السلطانية)، فهم يعارضونها بـ”الحاكمية”، على ما يترجمون الولاية، وينسبونها الى الخالق. وعلى حسبان السلفيين وأهل الحاكميات المتوارثة وغير التعاقدية (عبقرية العرق أو الامة القومية…) لا يجوز أن يتخطى الدستور، ما لم يكن تنزيلاً او شرعة متوارثة، المعاني الاجرائية والتنظيمية الفرعية على ألا يخفى أو يقيد سندها الأصلي وهذا السند يصلها بمصدر غير مشروط وغير محدث، على قول كلامي واعتقادي معروف.

الشعب الواحد وجماعاته الكثيرة

وينبغي، على هذا، أن يرفض السلفيون وأمثالهم المشاركة في جمعية تأسيسية دستورية التأمت لتداول الرأي في كيفيات التفريع على الركن الأساس أو الاصل، ولاية الشعب على نفسه. ومثال هذه الولاية استهلال اعلان أو بيان الاستقلال الاميركي بالعبارة المأثورة مذذاك:” نحن، الشعب…”. و”نحن” هذه هي نحن الجلالة، على معنى ملكي لا يتستر على نسبه الديني القريب: فالملك الذي يقول نحن، ويرسم المراسيم النافذة بقوة النحن وقولها، هو سليل “آباء” يرتفع نسبهم الى مشيئة أو إرادة، على قول عثماني لا يزال سارياً في انظمة ملكية عربية معاصرة، نصبتهم وأوجبتهم “أولي الأمر” بالمسح بالزيت المقدس (والمسيح هو الممسوح أي من مسحته المشيئة). وهم، آباء السلالة، يتناقلون معنى “صوفياً” لا يموت بموت الجسد الفاني والفاسد والذائق الموت. والقوانين او الأحكام التي تصدر عن “أولي الأمر”، أو صاحبه، إنما هي إرادات أو فرحانات أو خطوط تتبع بنعت الشرف: خطوط شريفة أو خط شريف كناية عن علو المرتبة، وفرق ما بينها وبين الجمهور أو العامة أو سواد الرعية المحكومين المنقادين الى أولي الأمر وأهل السلطان.

وورث “الشعب” من الولي دوامه على مر الزمن. ولم يتردد المؤمن الروسي ألكسندر سولجنتسين في القول إن الشعوب الكثيرة هي وجوه أوجبت كثرتَها ودوامَها إرادة إلهية او حكمة. فلا يحق لقيصر أو لأمين عام حزب شيوعي حاكم أو “قومي” عشائري حاكم ومتسلط (أو لمرشد، بالاحرى) إبادة شعب منها أو وجه أو معنى، على ما راود الامر الارادة الستالينية في بعض الشعوب القوقازية أو الارادة الهتلرية في اليهود والغجر و”الروم” أو الارادة الصدامية في الكرد، أو الارادة الخمينية في البلوش والاحوازيين والبهائيين… فالكثرة، كثرة الشعوب والعشائر، هي شرط “التعارف”، على قول آخر. ولكن شعب الدستور- وهو ينشأ عن الدستور ويولد منه معنوياً واعتبارياً، وذلك حين يكتب شرعته الدستورية ويختارها- شعب الدستور هذا “مخلوق” من مداولات المتعاقدين، بعقد “اجتماعي”. و”الاجتماعي” للدلالة على نشوء رابطة العقد عن المتعاقدين وتعاقدهم، وعن إرادتهم الحرة واختيارهم.

ويضمر هذا القول، أو هذا الافتراض، ما يخالف الوقائع المشهودة والمعروفة. فالشعب، على المعنى السائر والظاهر، سبق صيغة الدستور. وهو لم يصغ دستوره أو يصغه إلا قروناً بعد نشأته التاريخية والفعلية. ويتولى المداولة والكتابة من ينوبون عن جماعات وكتل من الناس بعضها سبق أن حكم نفسه بنفسه واستقل بأمره واقتتل، وبينها روابط ووشائح تفرقها ولا تجمعها أو توحدها، على خلاف جزء المادة الخامسة في مسودة الدستور المصري الذي ينص على أن الشعب صاحب السيادة ومباشرها وحاميها، “يصون الوحدة الوطنية”. فسبق الشعب زمناً، والتفرق جماعات وأجزاء، والمداولة ثم التعاقد بالإنابة والوكالة والتمثيل، كلها تطعن في القول أن الشعب الذي ينشئ الدستور إنما هو “ثمرة” هذا الدستور. وهو (أي القول) معين النص على سيادة الشعب وصدور السلطات والدولة عنه.

والالتباس يشبِّه التناقض، ويوحي بمخالفة الدستور الوقائعَ مخالفة حادة ورأسية. ولعل السبب في الالتباس هو حمل كيان الدولة السياسي المحدث والمصطنع، وشروط قيامه بأدواره التمثيلية والتشريعية والتنفيذية، على كيان الشعب الطبيعي والحقيقي والمادي. فيُشغل الدستور في مواد كثيرة منه بإحصاء “الشعب” المصري ووصفه. وهو تارة “شعب” في المادة الاولى السياسية الاصلية ، وتارة “مجتمع”، في المادة السابعة المترجحة بين أصل حقوقي سياسي (العدل والمساواة والحرية) وبين أصل أخلاقي وعملي واجتماعي (التراحم والتكافل والتضامن والأعراض…). ويخلو الباب الاول، “الدولة والمجتمع” ومواده 27 مادة، من تعريف المواطن المصري تعريفاً دستورياً وعاماً، وتالياً من تعريف الشعب المصري على المثال نفسه. فيتناول الباب الأنساب والاصلاب والهويات الجوهرية والتاريخية والأسماء. وينتقل من إثبات الوحدة، وهي تفترض قائمة على أركان سياسية ونظامية مثل الجمهورية والدولة والسيادة والديموقراطية، الى تفصيل عواملها العينية الجوهرية المفترضة: الدين (الاسلام) واللغة (العربية) والتشريع (الشريعة الاسلامية). وتُسْلم عوامل الوحدة المبدئية، أو عوامل الهوية الجامعة، الى وجوه التفريق: “مبادئ شرائع المصريين المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية …” (المادة3) والتفريق ليست شرائح المسيحيين واليهود “المصريين” مصدره أو ابتداءه إدخال “الشعب المصري”، قبل تعريفه وحدِّه التعريف والحد “الأساسيين” أي الحقوقيين والقانونيين، في “أمتين” تتخطيانه وتتجاوزانه الى غير المعلوم.

وابتداء التفريق هو، بديهة، النص على دين الدولة ومصدريته التشريعية العامة، على خلاف ديانات “الشعب” أو “المجتمع” الكثيرة والأهلية الخاصة (الشخصية) والروحية. وتترنح المواد الأصلية والأصولية بين التخصيص والتجريد من غير ضابط أو سائق. فاستدعت مادة دين الدولة ولغتها ومصدر تشريعها النص على “مبادئ شرائع” الجماعات الدينية غير المسلمة. واستدرجت المادة هذه العودة الى المادة التي سبقتها (الثانية” الاسلام دين الدولة…”). فخصت “دين الدولة” بتفصيل تناول “هيئته”، الأزهر “الشريف”. وتوجت التخصيص بإخراج الهيئة العتيدة التي يصرف الدستور اليها مادة أساسية كاملة (المادة 4) من 3 أسطر، من الدولة إخراجاً باتاً: فهي “هيئة اسلامية مستقلة”. ويصلها اسلامها بـ”الامة الاسلامية” التي يتخطى “مجالها” دولة الجمهورية وسلطتها وقوانينها، وتعلوها مكانة وقوة أحكام ونفاذ وأرجحية. ويعصمها “استقلالها” من سريان القوانين العامة ونفاذها فيها: فالأزهر “يختص وحده بالقيام على كافة شئونه”، ويقتصر دور الدولة من غير شكر ولا منة على كفالة “الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه”. وشيخ الأزهر، رأس الهيئة ومقدمها و”أميرها”، على معنى صاحب الأمر فيها، لا يفصل “القانون” إلا في “طريقة اختياره”، ولا يقول الدستور الديموقراطي والجمهوري: “في انتخابه”. وهو، أي الشيخ الأكبر، “مستقل غير قابل للعزل”.

وعلى هذا، فما موجب أو مسوغ نص دستور الدولة على موقع هيئة منفصلة، تستقل عن الدولة بإدارة شؤونها، ومجالها أو دائرتها، وبوظيفتها، وموارد مشروعيتها، ودوام رأسها؟ وما السبب في كفالة الدولة موارد الهيئة المالية من غير لقاء أو مقابل، أي من غير سلطة و”حق”، بحسب مبدأ دستوري جوهري؟ وتميز المادة “الازهرية” الهيئة الخاصة أو الأهلية والخصوصية، وجمهورها أو جماعتها، من الهيئات والجماعات الأخرى. فلا تنص مادة أخرى على كفالة الدولة اعتمادات مالية كافية تصرفها الى الكرازة المرقسية، والسدة البطريركية، على “نشر علوم الدين والدعوة”، فتسوّي “بين كل مواطني (…)” جمهورية مصر “الموحدة (التي) لا تقبل التجزئة”. وتكون تسويتها أو مساواتها على الوجوه المنصوص عليها كلها: الحقوق والواجبات، التعددية السياسية والحزبية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الانسان، وكفالة الحقوق والحريات… والتمييز هذا يطعن في الوحدة، وفي المساواة، ويبطل عملاً وفعلاً استقلال نصاب الدولة أو الدولة في صفتها نصاباً سياسياً جامعاً وليس نصاباً أهلياً غالباً، عن “المجتمع”. وعلق كثيرون على حشر هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف” في باب “الرأي الشرعي” وتقاسمها والشيخ الأكبر هذا الرأي. ولكن إبطال نصاب الدولة أدهى وأسبق.

التخصيص والتفريق

وتقفز صيغة الدستور من المواد الثلاثة “الدينية” (4 و 5 و6) الى المادة المدنية والحقوقية الاصولية أو الاساسية: “السيادة للشعب…”. ولم يفهم السلفيون، وغيرهم على الارجح، لغز القفزة هذه، وخروجها عن “نسق التسلسل والتماسك الدستوري”، على ما كان يقول إدمون رباط. وهم أنكروا المادة أصلاً،مضموناً وشكلاً وموضعاً. وأنكروا في جلسات الهيئة التأسيسية تأخير المادة “التفسيرية”:” مبادئ الشريعة الاسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الاصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة” (وهي كانت المادة 221 في المسودة الاولى وصارت المادة 219 في الثانية والثالثة)، الى باب احكام عامة، على حين انها تتصل بالمادة الثانية، ولا تعدو الشرح عليها، وتذييلها. ورد الاخواني محمد البلتاجي، أحد أعيان الاخوانيين، على إنكار شيوخ التيار السلفي التأخير والفصل، بحجة دستورية، وغير ظرفية، دامغة: “اننا نلتزم اتفاقنا مع القوى السياسية المنسحبة التي حنثت بالاتفاقات”. فمبنى الشرعة غير الأساسية البتة، والتي تتقدمها “أمم” مصر وشاراتها والهيئات المستقلة وجماعات الأهل، إنما هو بحسب الاخوانيين على اتفاق مع قوى سياسية حانثة…

والاستثناءات المفضية الى التخصيص والتفريق والتمييز ليست وقفاً على الازهر والاسلام ومبادئ شرائع المصريين المسيحيين واليهود. فيتطاول الاستثناء الى الاسرة، وتخص هذه بـ”معالجة” خطابية جوفاء: “اساس المجتمع”، “قوامها الدين والأخلاق الوطنية” (الدين والوطن اثنان؟ والوطن المصري يستوي مستوى واحداً والدين اي الاسلام؟)، “تحرص الدولة والمجتمع” (هما واحد؟ بماذا يفترقان؟) على “الطابع الاصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها” (من طريق ضمانات اجتماعية عامة؟ أم من طريق تقوية السلطة الابوية وقواميتها؟ أم المساواة في الحقوق بين الذكور والاناث؟ أم من طريق إقرار مقاضاة التعنيف؟). لا هذه ولا تلك ولا تلكم بل بطبابة شافية وحاسمة، لم يفطن إليها صاحب فطنة قبل مشرِّع 1971 وخالفه الاسلامي اليوم، هي “حماية تقاليد (الاسرة المصرية) وقيمها الخلقية” بالوسائل المجربة: الختان والتزويج المبكر والتنقب العام وتقييد الاختلاط في المسجد والمدرسة والمكتب والمشغل والحافلة وتتويجه بشق سكتين في الطريق الواحدة على أن تكون في اتجاه واحد يحول دون النظر والاشتهاء والمعصية الحرام، على طريق “(ترسيخ) مساواة المرأة مع الرجل… دون إخلال بأحكام الشريعة الاسلامية” (مادة 68).

ويحصي الدستور، بعد الأسرة وما سبقها، المرافق التي يتصدى لرعايتها وإبلاغها مستويات “رفيعة”: الأخلاق والآداب العامة (وهي غير آداب الاسرة؟)، التربية و”الحقائق العلمية” (مادة 11)، “الوحدة الثقافية والحضارية واللغوية”، الاقتصاد الوطني، الزراعة، “حرمة” الاموال العامة، السجن، “الرسل والانبياء كافة” (مادة 38). وهم يحظر التعرض لهم في سياقة النص العام على حرية الاعتقاد “المصونة” وحرية الفكر والرأي “المكفولة” وحق حرية الابداع و”الاجتماعات الخاصة (…) دون إخطار…”. وينقلب الامر جداً حين يتصدى القانون (غير ) الاساسي لكيانات عينية مثل الصحف والمطابع والكتب والجمعيات والأحزاب والنقابات والاتحادات والتعاونيات والمدارس والمستشفيات والمساكن، الى القضاء والجيش والغرفتين النيابيتين والرئاسة نفسها. ففي الكيانات والهيئات هذه ينقاد كتّاب الشرعة المفترضة وصياغها الى سجيتهم الادارية والسلكية الاجرائية، ويمعنون في غفلتهم عن منطق الدستور الانشائي والتأسيسي. فينصون على إفراد الجيش بمجلس للأمن القومي يغلب عليه العسكريون، وينكفئون فيه وبه على سياستهم ومصالحهم وموازنتهم ويستقلون بها، على مثال أزهري شريف سابق. ويُقبل منهم اختصار ميزانتيهم في رقم واحد يحجب عن فضول الشعب ونوابه ومراقبة ادارته وقضائه المالي، وعن رصد العدو استخباراته الكليلة، المخصصات والاعتمادات والمناقصات والعوائد الاستثنائية والاستثمارات العادية. وحجبها ضرورة أخلاقية ودفاعية استراتيجية في آن، على أسلوب جامع ومانع في التشريع تقدمت أمثلة عليه.

والمجلس الوطني للاعلام وكالة أخرى أو جسم سلكي متخصص آخر يتولى مهمات وأعمالاً جليلة: المسؤولية عن “ضمان حرية الاعلام … والمحافظة على تعدديته… وعن حماية مصالح الجمهور…” (مادة 215). والمهمات والأعمال الجليلة التي يندب مجلس مهني وإداري طائفي الى الاضطلاع بها لا تحظى بتعريف حقوقي وفلسفي ووظيفي عريض تفترضه هذه المهمات. وهي تقتصر لا محالة على التصريف الاجرائي والبيروقراطي إذا لم يهيمن عليها مثل هذا التعريف. وتتقلص المعاني الكبيرة والمثالات الى ألفاظ جامدة وفقيرة. وتحظى الأحكام الاجرائية الحَرْفية، مثل “تطوير” مؤسسات الدولة الصحافية و”تنمية أصولها” و”ترشيد” أدائها، من العناية والرعاية بأضعاف ما يحظى به التعريف الحقوقي والفلسفي. وبإزاء اللغو الاداري الرتيب والآلي يبدو التنبيه الى الاصول، وهي مصدر التعريف، تكلفاً لا طاقة للمصريين به، ومكرمة يجدر بهم القعود عن طلبها. والى هذا ربما مرد شعور مصريين كثر بـ”ركاكة” مشروع الدستور المقترح وهزاله.

وإعفاء مشروع الدستور رئيس الجمهورية من تسمية رئيس الوزراء، وهو ليس الوزير الاول، على ما يسمى في الانظمة الرئاسية والملكية الدستورية، من الغالبية النيابية، في المرة الأولى، تحايل على المنطقين: الرئاسي والبرلماني معاً. فهذا الاعفاء يفترض أن للرئيس المنتخب بالاستفتاء المباشر أن يحل محل الاقتراع، الشعبي كذلك، على النواب وانتخابهم، وأن يقوم وصياً عليه قبل أن يرضخ له في المرة الثانية، على مضض. فيكلف بتأليف الوزراة من تنتدبه الغالبية الى ذلك (وهذا الإجراء هو قلب الاصلاح الملكي المغربي، وما رفض بشار الاسد الامتثال له في دستوره المعدل). وهو (الاعفاء) يفترض، من وجه ثان، أن على مجلس الشعب (البرلمان) “تكرار” الرئاسة، وتثنيتها ومماشاتها في وقت أول. فإذا عصى البرلمان تحكم الرئاسة، رجعت هذه عن تنطحها، وأقرت للغالبية النيابية بحقها في الوزارة وتقاسم سلطات الانفاذ والادارة مع الرئيس. وإرجاء حل المجلس الى إخفاق التكليف الثالث، وهذا التكليف يتوجه على المجلس كلاً وليس الى غالبيته، يضعف النازع الى ائتلاف غالبية نيابية تتولى وحدها تسيير الحكم وتحاسب عليه، ويقوي نازعاً نيابياً مشهوداً وسائراً الى احلاف ظرفية ومصلحية متقلبة ولُحمتها توزيع المغانم والأسلاب. وهذا ضرب من دعوة وإيعاز طائفيين وصنفيين (من طوائف الحرف وأصنافها في العهود المملوكية والعثمانية)، على شاكلة الوكالة الازهرية والوكالة الامنية والعسكرية القومية، والوكالة الاعلامية.

الموجب الحقوقي

و”تحصين” القرارات الرئاسية المرسية (و”المحمدية” على حسبان خطيب مسجد الشربتلي) من القضاء، على درجاته ومراتبه وفي قمتها المحكمة الدستورية، اقتضاه عسر اجبار القضاء، في مجتمع طلق سكونه الى “غليانه” (دوركهايم)، على الرضا بحال الطائفة أو الصنف، والرضوخ لـ”تنظيم” على شاكلة الوكالات والأسلاك. وقد ينقاد قضاة كثيرون في أحوال غير قليلة الى الحال والتنظيم هذين، وهم انقادوا اليهما فعلاً أوقاتاً طويلة. ولكن الانقياد الفعلي لا ينفك مخالفاً “طبيعة” الحق والقانون ونسق النظر والرأي الحقوقيين والقضائيين. و”الطبيعة” والنسق هذان معياريان وموجبان بنفسهما ومن نفسهما، وليس بمقتضى قوة أو مصلحة فعلية. وغالباً ما يخالف الموجب الحقوقي والقضائي مقتضى المصلحة الخاصة وربما العامة. وبعض الدول الديموقراطية العريقة لم يقر المحكمة الدستورية المختصة أو المحكمة العليا العامة على صلاحيات تنشئ الحق (والقانون) وتوجبه، أو “تخلقه” على قول أجنبي، إلا بعد قرن ونصف القرن على نشأتها. فليس في “المجتمع” جماعة أو فئة أو قوة تختص بمصلحة هي إنشاء حق وإيجابه من طريق قوة القضية المقضية، على رطانة أهل القضاء، وحدها.

ويعود هذا بالمسألة الى علاقة دستور الدولة بالمجتمع، بحسب عنونة مشروع الدستور المصري الباب الاول من مواده. وهو صرفه الى خليط لا يتميز من الاحكام العامة والخاصة. فطلب الاسلاميين، “معتدلين” إخوانيين و”غلاة” سلفيين وحشويين، دستوراً “اسلامياً”، على معاني النسبة الكثيرة والمشتبهة، بذريعة تديّن معظم المصريين بالاسلام، وانتسابهم التاريخي والثقافي اليه، يفترض (الطلب) أن الدستور هو مرآة كيان الشعب أو الامة الطبيعي أو الجوهري، وصورة وجدانه أو إحساسه (بـ) نفسه، ومن داخل هذه النفس. وعلى هذا، شاعت في المشروع العتيد كنايات الهوية ومصطلحها المبهم والغامض. ولما كان ما يفهم بالدستور وعنه يتصل بالدولة وإرادتها وأجهزتها، شاعت في الدستور المقترح حتى ملأته الوكالات ومعاييرها الادارية والاجرائية، على شاكلة تقرب من أنظمة الأسلاك والمنظمات الداخلية. وفي المحصلة، تفرق “الشعب”، مرجع الدستور ومصدره والقوام على دولته وحكومته، كتلاً وجماعات وهيئات عينية، ولا يعقل التأليف بينها في شعب سياسي وهي على حالها “الحقيقية”. فالتأليف يقتضي أولاً التجريد الحقوقي والسياسي، وتعريف الجماعات والهيئات والكيانات تعريفاً مشتركاً وجامعاً، لا مساواة أو تسوية من دونه، يحلّها في مواطنين أفراد وآحاد. وهؤلاء يسبقون الجماعات والهيئات والكيانات سبقاً معنوياً ونسقياً، وليس سبقاً واقعياً أو حقيقياً.

والتأليف على هذه الصورة هو شرط فك الدولة من المجتمع، وتوحيد الشعب السياسي على خلاف الجماعات والكيانات الأهلية، وإرساء السلطة على المصلحة العامة وتدبيرها، وتداول أحزاب مختلفة إياها، فلا يفتتح الحزب المستولي والغالب في كل مرة نظاماً خاصاً ومنقطعاً. وهو شرط استقلال القضاء والقانون وتعاليهما عن الميول الظرفية المتضاربة، وتخليص الادارة من علائق شاغليها و”عمالها”، وتحريرها من مِلكهم ويدهم، الى آخر شرائط اخراج نصاب الدولة العام والمشترك من متعلقات العصبيات والامتيازات والتفاوت. ودستور هذا دأبه يَعْرض الدولة على المجتمع، ويخرجها منه، ويحول بذلك بين الجماعات الاهلية والسياسية الحزبية (والافراد الذين يمثلون جماعات وأسلاك) وبين “التجسد” في الدولة أو تجسيد “المجتمع”، أو مرفق من مرافقه، في الدولة المتسلطة و”الملّية”، على ما يترتب على طلب الاسلاميين، وترتب على استيلاء “القوميين” على الدول المتفرقة التي استولوا عليها.

فزعمُ أن على الدولة تمثيل الشعب وتجسيده، من غير سبق تعريف الدولة (الوطنية) تعريفاً حقوقياً ومن غير تعريف الشعب تعريفاً سياسياً، يؤدي لا محالة الى استيلاء عشيرة او ملة، أو “عشيرة ملة”، على السلطة والقوة والموارد. وعلى هذا الزعم، وتحقيقه عنوة واستيلاءً، نهضت أنظمة معمر القذافي وصدام حسين وحافظ الاسد وابنه، نصت “دساتير”ها على الأمر أم لم تنص. وينبغي ألا يحجب التهريج القذافي الدامي، حين حل الدولة، ومفهوماتها ومعانيها وإداراتها وجيشها، في الشعب والجماهير والمنتجين مترتبات الافكار التجسيدية والتمثيلية المباشرة على الوقائع السياسية والقانونية والاجتماعية (والعسكرية والادارية…) الوطنية. فالدولة، أو نصاب السيطرة والتوحيد والموازنة والتحكيم معاً، إذا لم تعرض على النظر العام والمشترك، وعلى المداولة والمنازعة، لا مناص من أن تستدخل العلاقات الاجتماعية كلها على شكل اشوه، وتحيلها استتباعاً واستئساداً ساحقين، ومسرح حروب اهلية مزمنة. والقراقوشية القذافية والصدامية الحسينية والاسدية، على اختلاف تواريخها و”موادها”، هي ثمرة تغليب الأجسام الاجتماعية والتاريخية الحقيقية والمادية على المعايير الحقوقية والشكلية المجردة والمشتركة. فالسلطة، في هذه الاحوال، “شيء” عيني يُملك ويحاز ويملأ ويوزع ويسترجع ويورث، الى آخر وجوه مسالك “الشيء”. وعلى هذا، فالنص على الجمهورية والديموقراطية والتعددية وتداول السلطة وحقوق الانسان وحرية الرأي والتحزب… لا يعدو احصاء وعود ممتنعة ومستحيلة، إذا حسنت النيات، أو الكذب والتدليس المتعمدين إذا خبثت.

وذلك أن الجمهورية والديموقراطية والتعددية … لا تستقيم إلا بافتراض حل الجماعات والأجسام، حين دخولها في الدولة الدستورية والوطنية ومباشرتها السياسة في اطارها وتحت شرعها، في إرادات راشدة وقائمة برأسها واختيارها، أي في مواطنين أسوة. فـ”وطن” هذه الارادات هو دستورها، أي ميثاق تعاقدها واتحادها. وهو مسوغ الكلام على “وطنية دستورية”، على قول أميركيي الولايات المتحدة. ولا تسوغ سلطة “مشيأة” مع هكذا دستور، وهكذا وطنية. وتسوغ، على خلاف زعم أصحاب “الجذور” الدينية والقومية “العميقة” و”الحية”، محافظة الجماعات المتحدرة من بلدان ومجتمعات وطنية متفرقة على “خصوصيتها” الى جنب اندماجها في أمة سياسية. وشطر راجح من حيوية امة الولايات المتحدة الاميركية مرده الى تمييز الشعب السياسي والدستوري من “الشعب” التاريخي والاجتماعي، الحقيقي والمادي. فيسع المصريين المسلمين، اذا شاؤوا، الاضطلاع بالأزهر وتمويله وتدبير شؤونه، في اطار قانون جمعيات أهلية. ولا ريب في أن هذا التمييز عسير، ولا يبلغ إلا بـ”مجاهدة” النفس مجاهدة بطولية، ومن صنف غير الصنف “الجهادي” أو الاخواني الشائع الذي يفضي مثاله الدستوري الى تعاقد وكالات وجماعات وجمعيات في حلف قبلي تتربص به الحرب الاهلية.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق