مشروع الإسلاميين السياسى للجمهورية المصرية الثانية / مختار شعيب

تثار أسئلة عدة حول أبعاد مشروع الإسلاميين السياسي لمصر بعد ثورة 25 يناير، وهل هناك مشروع ذو ملامح واضحة تجتمع عليه كل التيارات الإسلامية أم أن لكل تيار مشروعه الخاص؟

 

ويمكن تقسيم التيارات الإسلامية الفاعلة في مصر حاليا إلى ثلاثة تيارات: الإخوان المسلمين، وحزب الوسط وأنصارا والسلفيون بتوجهاتهم المختلفة، والجماعات الأخرى الأكثر تشددا وهم الأقل تأثيرا وليس لهم نشاط سياسي كجماعة، الطرق الصوفية، ويمكن القول أيضاً إن الأحداث التي تلت الثورة مباشرة ساهمت كثيراً في تقليل فجوة الخلافات الحركية بين الإخوان المسلمين وجميع التيارات السلفية، وحدث نوع من التقارب شوهد أثره في تكتل الإخوان والسلفيين في جبهة واحدة لإقرار التعديلات الدستورية التي أجري عليها استفتاء فى شهر مارس 2011 وشوهد أثره أيضاً في التصدي الحاسم لكل محاولات التيارات المدنية لإثارة قضية هوية الدولة ومرجعية الشريعة الإسلامية، بينما وقفت الطرق الصوفية موقفاً حائراً كالمعتاد، ولم يكن لها أي تأثير حقيقي في الرأي العام في الشارع المصري. على الجانب الآخر، فإن نفس الأحداث التي قاربت وجهات النظر بين السلفيين والإخوان، قد ساهمت في تقريب وجهات النظر بين التيارات الليبرالية والأحزاب ذات التوجه اليساري، فحدث هناك نوع من التخندق لهذين التكتلين لرفض تمرير التعديلات الدستورية.

 

ويمكن في هذا الإطار رصد اتجاهين أساسيين في الخطاب الإسلامي الراهن في مصر، فيما يتعلق بمسألة نهضة مصر وتحديثها وتطورها تيار معتدل يمثله الاخوان المسلمون وهو ماسوف نركز عليه فى التحليل والثانى متشدد يمثله السلفيين والجماعات الإسلامية:

 

الأول، هو الخطاب الإسلامي المعتدل، ويمثله حاليا تيار جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية حزب “الحرية والعدالة”، وكذلك الجماعات الصوفية، إضافة إلي حزب الوسط وعدد كبير من الإسلاميين المستقلين.

وإذا بدا تركيز خطاب الإصلاح الإسلامي الأول لدي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في إضفاء الحداثة علي الإسلام وقابليته للتكيف والتأقلم مع حضارة العصر، فإن خطاب الإسلاميين المعتدلين يتولي إضفاء الطابع الإسلامي علي الحداثة بتأكيد خصوصية هذا الطابع، وصوغ هوية له ثابتة وصافية بمعزل عن أي تأثير أو عدوي، واعتبار بعض النظم الحديثة في الإدارة والعملية السياسية والنظام القانوني وغيرها متوائمة ومتوافقة مع أفكار الإصلاح الإسلامية. والإسلاميون المعتدلون يرون أن تقدم مصر يقوم علي أسس ثلاثة، وهي فكرة الاستنارة الإسلامية، والاهتمام بالعلوم الحديثة، وبناء صناعة وطنية قوية.

 

ويوعز هذا الخطاب حالة التخلف التي تعيشها مصر إلي ابتعاد المجتمع عن الإسلام باعتباره نظام حياة “دستور حياة في كل شئون الدين والدنيا”، كما يري هذا الخطاب أن تقليد الغرب لن يحدث التقدم المرغوب فيه بدلالة فشل المحاولات الليبرالية في القرنين التاسع عشر والعشرين في تحقيق نهضة مصر، وأن وسائل تحقيق هذه النهضة موجودة في أصل الإسلام. ويتلخص مشروع جماعة الإخوان المسلمين في نشر التزام الناس بالعبادات الإسلامية المعروفة، وبما يعرف بالزى الإسلامي للرجل والمرأة، ونبذ المحرمات مثل لحم الخنزير والخمر، والالتزام بالقواعد الدينية في العلاقات الاجتماعية وهم يريدون تطبيق الحدود الإسلامية متى نجحوا في أسلمة المجتمع حسب تصورهم ، وحرية العقيدة لديهم لا تتضمن حق المسلم فى تغيير دينه .

 

وفيما يتعلق بموقف التيار المعتدل من العولمة يري أن العالمية سمة أصيلة للإسلام وهم يصنفون العولمة إلي أركان مختلفة: البحث العلمي، والتقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات والمعلومات، وهم لا يرفضون هذه الآليات في تحديث المجتمع وتقدمه، ولكنهم يرفضون المضامين اللاأخلاقية في هذه الأدوات، خاصة تلك المرتبطة بالسلوك الإنساني كما هو موجود في بعض مواقع الإنترنت “المواقع الجنسية وغيرها”، لكنهم يدعون إلي الاستفادة من هذه الثورة المعرفية والتكنولوجية بعد فرض رقابة صارمة عليها لحماية الهوية الإسلامية والأخلاق السليمة للمجتمع الإسلامي، كما يرفض الإسلاميون المعتدلون أيضا المضامين الاستهلاكية للعولمة والنزعات الترفيهية باعتبارها تتجاهل المضامين الروحية للإنسان، وتجعله يلهث وراء نعيم الدنيا فيترك الآخرة. ورغم إيمان الإسلاميين المعتدلين بالتعددية السياسية والفكرية، إلا أنهم لم تجذبهم عولمة الثقافة وإن استخدموا أدواتها في الترويج لأنفسهم وأفكارهم، ولكنهم علي أية حال استخدموا تلك الأدوات في إيجاد حالة حوار حضاري فيما بينهم وبين التيارات الأخرى المختلفة معهم وفيما بينهم وبين الآخر في الغرب والشرق.

 

ويري الإخوان والاسلاميين مالعتدلين امثال كل من د. محمد عمارة وطارق البشري وفهمي هويدي وغيرهم أن الإسلام مع التعددية كسنة من سنن الله بينما العولمة تدعو للهيمنة الثقافية والمحاكاة والتقليد ونشر ثقافة الاستهلاك. وإذا كانت هذه هي تحفظات هذا التيار المعتدل علي العولمة، فإنه يقبل بأركانها المتعلقة بالسوق والاقتصاد والمال والتكنولوجيا، أما فيما يتعلق بالمرأة ودورها في الحياة العامة، فإن هذا التيار يقبل، بل ويدافع عن دور المرأة في المجتمع وعلي مساواتها بالرجل في العمل والأجر ويدعو للمساواة بين الأغلبية والأقلية في المجتمع طارحا رؤية للعدل الاجتماعي بين كل فئات المجتمع.

 

أما النظام السياسي الذي يطمحون إليه فيقوم على تطبيق الشريعة واستخراج كل القوانين والقواعد المنظمة للمجتمع منها، ولأن الإخوان يدركون ولو شعوريا أنهم لا يستطيعون الانخراط في الحياة السياسية كجماعة، قرروا إنشاء حزب كذراع سياسية للجماعة باسم”الحرية والعدالة” قدم مشروع برنامج يبدو ديموقراطيا من حيث الشكل، ينص على المساواة، وأقر مبدأ المواطنة، ونادي بالحريات العامة، واستقلال القضاء، والنظام البرلماني، إلا أنه لم يتخل عن الشريعة التي يجب أن تشمل كل شيء مبشرا بشمولية دينية لن تجد أغلبية شعبية تؤيدها، كما تخلى عن الشعارات التقليدية للجماعة دون أن يقدم برنامجا ديموقراطيا بالفعل، فوقع في التناقض الذي حاولت الجماعة الهروب منه بتشكيل حزب ينسجم مع الديموقراطية المرتقبة بعد الثورة، وهم يتصورون إمكانية إقامة خلافة إسلامية في النهاية لمسلمي العالم، ولا يسمحون بتولي المرأة أو غير المسلم رئاسة الدولة، ولا يتصورون قيام حوار مجتمعي إلا على أساس النص الديني كما يفهمونه، فالنص فوق البرهان، والشريعة قبل الاختيار ولا اجتهاد مع النص، ولا خروج على “المعلوم من الدين بالضرورة”.

 

وواضح من هذا أن النظام الذي يبشر الإخوان به هو نظام شمولي، فلا شيء يمكن أن يعمل خارج سيطرة الدولة بحكم أنها المشرف على تطبيق الشريعة. فلا يمكن أن يكون هناك إعلام وتعليم وإنتاج ثقافي حر، بل لابد من الالتزام بما تقره الشريعة الإسلامية كما يفهمها أهل السنة، وكل كلامهم عن الحرية وتداول السلطة يفترض أن كل ذلك يتم على أرضية الشريعة الإسلامية، أي الخلاف داخل أيديولوجية واحدة فلا شيء من خارج الإسلام، ولا شيء يتجاوز دولة الشريعة. وهكذا يتبنى هؤلاء في الوقت الحاضر إعلاميا مبدأ الديموقراطية الذي يساوون بينه وبين “الشورى”، رغم الفرق الشاسع وهكذا تصبح الديموقراطية لديهم هي في حدود صناديق الاقتراع وليس الثقافة الديموقراطية وآليات تداول السلطة، وتحرير إرادة الناس.

 

ذلك لأن الإخوان ملتزمون بالفقه التقليدي القديم، ولكنهم ابتكروا فكرة : فقه الأولويات، بمعنى تقديم وتأخير القضايا حسب ظروف المرحلة، وهو ما يفسر “المرونة” السياسية التي تميزهم، وأمام موازين القوى السياسية الحالية لا يستطيعون الالتزام بكل أفكارهم خصوصا أن القوى المدنية قوية، كما يمس مشروعهم مصالح فئات ضخمة في المجتمع تتعامل في مجال البنوك والسياحة والفن.. إلخ. فيضطرون إلى إصدار التصريحات المطمئنة ويقدمون مصلحة استمرار التنظيم على الالتزام بكل المبادئ المذكورة.

 

 ولأنهم يعرفون أن أفكارهم يتخوف منها كثير من الناس أعلنوا بعد ثورة 25 يناير أنهم لا ينوون الاستيلاء على السلطة في اعتراف منهم بأن الرأي العام يخشي وهذا ليس مجرد دعاية، بل هي حقيقة فعلا، فالمشاكل الاجتماعية المتراكمة منذ عقود يصعب حلها، وسوف تواجه أية حكومة خلال السنوات القادمة تحديات ضخمة قد تضطرها لاتخاذ قرارات لا تحظى بإجماع شعبي، ولا يملك الإخوان رؤية واضحة لتحقيق نتائج مضمونة، وسيكون عليهم اتخاذ قرارات تتعلق بإسرائيل والقضية الفلسطينية، وسيضطرون إلى مخالفة “الشريعة”، إذا مارسوا الحكم مما يهدد بفقدانهم قواعدهم وتآكل جمهورهم .

 

ويوجد أيضا على الساحة “حزب الوسط الجديد”،وهو يتبنى مبادئ قريبة من مبادئ حزب العدالة التركي، والأحزاب المسيحية الأوروبية، فمرجعيته هي الحضارة (وليس الشريعة) الإسلامية ، وهو يؤمن بحرية الاعتقاد بالفعل بمعنى حرية التدين من عدمه، ويؤمن بالحداثة، ويتبنى فكرة المواطنة فعلا لا قولا مثل الإخوان، ولا يقترب الحزب من موضوع تطبيق الحدود، فهو يستلهم مبادئه كما يقول من الحضارة العربية الإسلامية التي ساهم في صناعتها غير المسلمين، ولا يتمسك بالنصوص وأحكام الفقه، وقد صار الحزب مشروعا بعد ثورة 25 يناير، وراح يكتسب مزيدا من النفوذ ساحبا البساط تدريجيا من تحت أقدام الإخوان.

 

تساؤلات وتحديات :

 

وعلى الرغم من عمليات “التهويل” أو “التهوين” بشأن دور الإسلاميين في مصر بعد الثورة، فإن ثمة تساؤلات مشروعة وتحديات كبرى تميز مرحلة ما بعد الإقصاء والتهميش، ومن ذلك:

 

أولا: القسم الأكبر من الحالة الإسلامية المتصفين بالاعتدال يمتلك وعيًا سياسيًا جديدًا ورؤية اجتهادية شرعية، تتعاطى مع المصالح المرسلة من خلال دراسة جيدة للمجتمع الإنساني المليئ بالخبرات التي تراكمت فيه، وموازين القوة وأدواتها التي اختلفت عن العصور السابقة، وأيضًا وفق بنية للسلطة وتكويناتها ومؤسساتها وأدواتها، تختلف أيضًا عن بنية السلطة التي عرفتها العصور السابقة، وهي بنية مؤسّسية نتجت عن تراكم خبرات بشرية وتجارب إنسانية في السبل الفضلى لإدارة شؤون الناس في مجتمع جديد يمتلك أدوات تواصل واتصال وتقنية وإدارة لم تكن معروفة بأي شكل من الأشكال فيما سبق.

أما القطاع الآخر من الإسلاميين المتصفين بالتشدد رفض أن ينظر إلى تلك التحوّلات الضخمة التي عرفها المجتمع البشري ،وحصر نفسه في محض النصوص الاجتهادية التي كانت تتعامل مع بنية لنظام الحكم مختلفة للغاية عن بنية المجتمع الإنساني الحديث، وأبى أن يقتنع أو يتصور أن تكوين المجتمع والدولة في بغداد في القرن الثاني الهجري يختلف عن تكوين المجتمع والدولة في بغداد أو القاهرة في القرن الواحد العشرين، وراح يستحضر نصوص بعض الأئمة القدماء ليحاكم بها الواقع الحالي ، فظلم الواقع وظلم الأئمة وظلم الأمة نفسها معه ، وقدم أبلغ إساءة إلى صورة الإسلام وشريعته كداعم للاستبداد، وقناع للديكتاتورية.

لكن انتصار الثورة الشعبية في مصر ولّد رؤية مختلفة،أضافت الكثير إلى الفريق الأول من الإسلاميين الذي خاضها ودعمها أو ناصرها، ومن المؤكد أن الفريق الثاني من الإسلاميين سوف يستفيد منها ؛ لأنها أثبتت أن “قوة الأخلاق” يمكنها أن تقهر قوة السلاح والاستبداد، وأن الحديث عن “الفتنة”، يحتاج إلى مراجعة جديدة ؛ لأنه غالبًا ما يكون هواجس ووساوس لا تتأسس على أي علم أو منطق، وأن بنية الدولة والنظم السياسية في العصر الحالي تحمل في طياتها ـ كجزء من مشروعيتها ـ حقوقًا مقنّنة للشعب وقواه السياسية والاجتماعية المختلفة لم تكن موجودة أو مقننة في العصور السابقة، دون أن يعني ذلك “خروجًا” بالمفهوم القديم لهذا المصطلح ذي الظلال السلبية في الذاكرة السلفية الإسلامية.

 

ثانيا: هناك تنوع وتعدد في خريطة الجماعات والقوى الإسلامية في مصر، التي تعاني في معظم الأحيان تناقضات كبرى، إذ يلاحظ أن قمع النظام السابق قد ساعد على جمع شتات هذه الجماعات التي عانت في معظمها الظلم والاضطهاد. أما اليوم فقد ظهر الاختلاف والتناقض جلياً. وعلى سبيل المثال، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أنها تؤمن بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية،ولكنها لم تعلن أنها لا تمانع تولي قبطي أو امرأة منصب الرئاسة في مصر، وأعلنت في الوقت نفسه تشكيل حزب سياسي في إطار الدستور والقانون المصري، بينما قبلت بذلك تيارات أخري منشقة عن الإخوان، ومنها حزب الوسط والتيار المصري. وفي المقابل، نجد أن عبد المنعم الشحات المتحدث باسم الجماعة السلفية يرفض تولي القبطي والمرأة منصب الرئاسة، كما أبدى تشككه من مفهوم الديموقراطية بحسبان أنه نتاج حضارة غربية كافرة، كما أن كل التيارات ترفض تعريف مصر كدولة مدنية .

 

ويلاحظ أن كلا من جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية عانتا ضعفا تنظيميا واضحا نتيجة الضربات الموجعة التي وجهها إليها النظام السابق، فقد خرج نحو 150من قياديى الجماعتين من السجون المصرية بعد مراجعات فكرية أفضت بهم إلى نبذ العنف وتقبل فكرة المشاركة السلمية في النظام السياسي. ولا أظن أن أياً من الجماعتين بقادر على صياغة خطة متماسكة للعمل في الفترة المقبلة، وهو ما يزيد من تناقض المشهد الإسلامي في مصر بعد الثورة.

 

ثالثا: التناقضات الداخلية في صفوف الإسلاميين المصريين، وتعطي جماعة الإخوان مثالاً واضحاً، فثمة صراع بين الأجيال، فهناك ما يسمى الصقور المتشددين والحمائم المعتدلين، وثمة مطالب بين شباب الإخوان بضرورة إحداث تغيرات هيكلية في البناء التنظيمي والمؤسسي للجماعة ليعكس روح التغيير في المجتمع المصري بعد الثورة. والمثير للتساؤل حقاً هو استبعاد المرأة من قيادة الإخوان المسلمين، وهو ما يفرض ضرورة مشاركة المرأة والشباب بفاعلية في عملية صنع القرار داخل الجماعة، ولا أحسب أن الجماعات الإسلامية الأخرى بما فيها الحركات الصوفية بمعزل عن هذا الانقسام الداخلي الذي يؤثر في دورها السياسي في المستقبل.

 

رابعاً: أهمية تجديد الخطاب الإسلامي بما يتناسب وطبيعة المرحلة الجديدة، وأظن أن الحد الأدنى الذي ينبغي الاتفاق عليه هو التأكيد على مدنية الدولة المصرية التي تعلي من قيم المواطنة والمساواة بين الجميع، وتطبق النظام والقانون. ولعل ذلك كله كان يمثل المقصد والغاية لثوار 25 يناير على اختلاف أعمارهم وتوجهاتهم الفكرية والدينية، بيد أن الحاصل اليوم هو وجود درجة من التخبط الشديد في لغة الخطاب الديني التي تثير في أذهان الكثيرين التوجس والريبة، فهل يعقل مثلاً أن يتحدث بعض رموز التيار السلفي عن “غزوة الصناديق” للدلالة على نجاح دعوتهم المؤيدة للتعديلات الدستورية في مصر؟ وهل يجوز لبعض قيادات الإخوان الذين أصبحوا على رأس حزبها السياسي الوليد أن يعلنوا ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية بعد تملك الأرض؟

 

 

الذي أتمناه أن نتجاوز موقف التصيّد أو المحاسبة أو التثريب أو المحاكمة على هذا أو ذاك، حتى لا يعوقنا ذلك عن دراسة تلك التجربة الإنسانية المدهشة، وأن يتولّد لدى الإسلاميين رؤية اجتهادية جديدة تواصل جهود السلف الصالح وتضيف إليها ، وتؤسس لوعي شرعي جديد تستهدي به الأمة في صياغة حياة أفضل لها؛ لأن تجاهل هذا سيعطل مسيرة التغيير، وتخسر فيه التيارات الإسلامية قبولها عند الناس وحضورها الأخلاقي في مجتمعاتها ،لأنه سينظر إليها على أنها “عبء” على تطور المجتمع وحريته وكرامته ، ومعوّق لإقامة العدل بين الناس، وهذا ما لا يتمناه أي مخلص للأمة.

 

فالحالة الإسلامية عبر مراحل متعاقبة من النظم كانت في موضع المفعول به وليست الفاعل! وكانت في حالة تجريم مستمر من قبل الحكومات، واليوم تتاح الفرصة للاعتراف بها كقوة اجتماعية على قدم المساواة ببقية أبناء الوطن، وهي أمام تحدِ كبير لإعادة بنا الصورة وترميمها واستعادة الشراكة الاجتماعية التي غابت عنها لعقود، وأوراق التحول التي يمكن أن تغير من هذا الوضع هي:

 

1ـ تغير ضخم في عالم الأفكار، وإنتاج أدبيات جديدة تناسب مجتمع الحرية والعدالة والشرعية، وبالتالي تغذية الشباب بفكر يصلهم بالمجتمع ولا يعزلهم عنه.

2ـ تغير ضخم في عالم السلوك والعلاقات، والاعتراف بالمجتمع باعتباره مجتمعا كامل الأهلية، ولا يحتاج لوصاية الإسلاميين عليه بل يحتاج لشراكتهم.

3ـ تغير عالم المشاريع بدل فكرة التسلل للمجتمع للسيطرة عليه، لفكرة تحديد برامج وسياسات الحركة الإسلامية لمعالجة مشكلات وقضايا المجتمع المختلفة.

ومرتكزات التغيير تشمل:

 

1ـ يجب أن يدخل في حسابات الحالة الإسلامية أن متخذ القرار السياسي في مصر أيا كان، أمامه قوة مصر الذاتية وقدراتها، وموضوع الأمن القومي، واستقرار مصر بالنسبة لمحيطها الدولي والإقليمي، وهي مسائل مهمة، ويجب أن تتحرر الحالة الإسلامية من مقررات الأيديولوجيا الكثيفة للغة يفهمها العالم ويستطيع التعاطي معها، وفي المدرسة التركية نموذجا.

2ـ المحيط المجتمعي الذي أطلق الحراك الشعبي وعبر عن نفسه فيما رأينا في الشارع, أظهر أنه محب للدين، ولكنه يستدعي دينا يناسب البيئة، وليس الحمولة الكاملة للطرح السلفي أو الإخواني… وهذا انعكس على كل أنشطة الثورة.

3ـ مرتكز المحيط الإقليمي، وهو يقوم في جوهره على تكييف العلاقة بدولة إسرائيل ومواجهة تحديات تواجه مصالح مصر في نهر النيل، والوطن العربي، وأفريقيا. 

4ـ مرتكز المحيط الدولي، وهو يقوم على اختلال القوة لصالح الغرب ومنظوماته حتى اليوم .

وبالتالي كل هذه المعطيات يجب أن تدخل في أعماق وعي صانع القرار في الحالة الإسلامية, فالحركة الإسلامية مستقبلها مرهون بقدرتها على الاستجابة للشروط والمعطيات السابقة. إذن نستطيع أن القول إن مسار الحركة الإسلامية لا يزال صعبا وشائكا، وعليها اتخاذ قرارات صعبة ومصيرية.

 

ولكن في تاريخ الحركة الإسلامية باستمرار كان هناك عائقان أمام التفكير الموضوعي:

الأول: هو إغواء الفكرة السياسية أولاً، وتقدمها على رؤية الصورة الكلية للمشهد، وهي منطقة مقتل الحالة الإسلامية باستمرار، فأي مقاربة موضوعية للحالة الجديدة يجب أن تسمح بإعادة رؤية المشهد الكلي، وكل ممكنات الحالة المصرية وما تستطيع تحمله في الحال، وفي الاستقبال وليس الانحصار في الفضاء السياسي والمدافعة الآنية ، أو في فضاء مقررات الأيديولوجيا التاريخية.

الثاني: هو كثافة الاستدعاء الأيديولوجي وتغليبها على الواقع الموضوعي الحاكم، والتحول من تصور وضع جديد لتمركز الإسلام في الحياة الجديدة للمجتمع، وإعادة إنتاج ذات الصورة القديمة، والتي اصطدمت بواقع صلب, وتأخرت في انطلاقتها، وتأخر المجتمع في تحولاته الإسلامية.

 

 

وبنظرة واحدة لمجمل الصورة يمكن تصور المقاربات المحتملة للحالة الإسلامية في مصر.إما إعادة إنتاج نفسها في ذات القوالب القديمة، والتمترس تحت عناوين قديمة مثل فكر الثوابت والقداسة الموهومة، أو إجراء عمليات تحول كبرى، والتحول المطلوب كبير لأنه يمس كل الأدبيات التاريخية ومناهج التربية، وأشكال العمل لو تم تبني الرؤية الثانية. لكن تحديد أي الخيارات التي تتجه إليها التيارات الإسلامية سيعتمد على ما تمتلك هذه التيارات من روافع حقيقية، وفي ضوء تجربتها وتجربة شقيقاتها الأخريات، وما تم استخلاصه من استنتاجات من دروس الماضي، وتلك هي المقدمة الطبيعية لرسم صورة واضحة للمستقبل، وربما لا تتاح فرصة أخرى لبداية جديدة حتى آماد طويلة للحالة الإسلامية، ولكن ذلك مرهون بأخذ الخبرة التاريخية بعين الاعتبار، وأخذ الواقع المحلي والإقليمي والدولي في الحسبان، وهنا يلعب الخيال الاستراتيجي والقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة الدور الأكبر في صناعة اللحظة.

 

 وهكذا فإن الحالة الإسلامية المصرية تحتاج أن تعيد تعريف دورها في المشهد المصري وفق معطيات الخبرة التاريخية، وفي ظل توازن القوى المختلفة ولو اضطرت لاتخاذ قرارات مصيرية كبرى لإعادة إنتاج المستقبل المرجو.

 

عن مجلة “الديمقراطية” المصرية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق