مشكلة المياه في نهري دجلة والفرات:

{{مقدمة:}}

اختلفت ما تتمتع به الأنهار الدولية من قيمة على مقياس القوة التي تتمتع بها الدول مع مرور الزمن؛ ففي ما مضى كانت القيمة الرئيسية للأنهار مرتبطة باستخدامها للأغراض الملاحية والنقل والمواصلات، لذا يمكن القول إنّ قدرا كبيرا من الخلاف حول استخدام هذه الأنهار لم يثر طالما كان من الممكن تأمين المرور عبر هذه الأنهار. إلا أنّ ما شهده العصر الحديث من بروز واضح لندرة الموارد بصفة عامّة، وموارد المياه العذبة أو الصالحة للشرب على وجه الخصوص، قد زاد من مقدار ما تتمتع به المياه على مقياس قوة الدولة، ومن ثم فقد أضحت الموارد المائية ذات الطابع الدولي أو العابرة للحدود من أهم المجالات التي تشهد تجاذبا في العلاقات الدولية لاسيما في ظل الندرة النسبية الطبيعية للمياه العذبة في حد ذاتها فضلا عن أهميتها المتزايدة في مجالات الري والزراعة وتوليد الكهرباء وبعض المجالات الصناعية، حتى أن كثيرين يؤكدون على أن الحروب المقبلة في العالم ستكون حروبا حول المياه في المقام الأول.

ويعد الوضع في نهري دجلة والفرات الواقعين بين تركيا وسوريا والعراق من أبرز ما يشهده العالم من أوضاع إشكالية وخلافية ارتباطا بموضوع المياه العذبة. لاسيما وأن المصالح الحيوية للدول الثلاث ترتبط بهذين النهرين لاسيما نهر الفرات. فضلا عما يشهده وضع هذين النهرين من تداخل العوامل والاعتبارات الاقتصادية والإنسانية والقانونية إلى جانب العوامل السياسية والتي تكتسب أهمية خاصة من وقوع النهرين والدول المشاطئة لهما في منطقة الشرق الأوسط التي تتسم بحساسية العلاقة بين دولها في ضوء تداخل الأعراق والحدود السياسية فيما يعد جزءا من الإرث الذي ورثته تلك الدول عن الحقبة الاستعمارية في الماضي القريب.

ويرى البعض أنّ غياب الإطار القانوني الشامل للعلاقات بين الدول الثلاث المشاطئة لهذين النهرين هو السبب الرئيسي في تفجّر هذه المشكلة، في حين يرى البعض أن العوامل السياسية تلعب الدور الأكبر في هذا السياق لاسيما أن إيجاد مثل هذا الإطار القانوني يعتمد في المقام الأول على توفر الإرادة السياسية لدى الدول الثلاث (العراق وتركيا وسوريا) وهو ما يعيد المسألة مرة أخرى للعامل السياسي.

وتتمثل الأطر القانونية لاستغلال مياه الأنهار الدولية في مجموعة من المعاهـدات، الأعراف الدولــية، الأحكام القضائية، دراسات القانون الدولي. وتحدد هذه الأطر مجموعة من القواعد القانونية الدولية أهمها:

* لكل دولة مشاطئة الحقّ في حصة عادلة ومعقولة من مياه المجرى المائي الدول.
* وجوب احترام الحقـوق المكتسبة الناجمة عن الاستخدامات القائمة لمياه المجرى المائي الدولي.
* عدم جواز قيام أية دولة مشاطئة بإجراءات أو إنشاءات على المجرى المائي الدولي أو فروعه إلاّ بعد إخطار الدول المشاطئة معها والتوصل إلى اتفاق معها بشأن ذلك.
* عدم جواز إلحاق الضرر بالدول المشاطئة الأخرى سواء من حيث كمية المياه أو نوعيتها.
* وجوب التبادل المستمر للمعلومات والبيانات بين الدول المشاطئة في كل ما له علاقة بمياه المجرى المائي المشترك.

{{الوضع القانوني لنهري دجلة والفرات:}}

يعد نهرا دجلة والفرات نهرين دوليين بالمعنى المذكور آنفا، إذ يمران عبر أراضي دول ثلاث هي سوريا وتركيا والعراق. وقد بدأت جهود التأطير القانوني لوضع النهرين منذ أوائل الستينات بدعوة من العراق، الذي دعا كلاً من سوريا وتركيا للدخول في مفاوضات ثلاثية بغية التوصل إلى اتفاق ثلاثي يضمن حصص البلدان الثلاثة في مياه النهرين طبقاً لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية(1). وهناك عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي نظّمت بعض أوجه استغلال النهرين، منها(2):

* أفردت اتفاقية [ لوزان] المعقودة بين دول الحلفاء وتركيا في تموز 1923 مادة خاصة شاملة لهذا الموضوع وهي [المادة 109] التي نصّت على ما يلي: [ عند عدم وجود أحكام مخالفة، يجب عقد اتفاق بين الدول المعنية من أجل المحافظة على الحقوق المكتسبة لكل منها، وذلك عندما يعتمد النظام المائي ـ فتح القنوات، الفيضانات، الرّي، البزل، والمسائل المماثلة ـ على الأعمال المُنفذة في إقليم دولة أخرى، أو عندما يكون الاستعمال المائــي في إقليــم دولـة ومصادر هذه المياه في دولة أخـرى بسبب تعيين حدود جديدة، وعند تعذّر الاتفاق تحسم المسألة بالتحكيم].
* في عام 1946 عقدت معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا، وقد ألحق بها بموجب المادة السادسة منها، ستة بروتوكولات، عالج أولها موضوع تنظيم جريان مياه نهري دجلة والفرات مع روافدهما بالتأكيد على حق العراق في تنفيذ أية إنشاءات أو أعمال على النهرين تؤمن انسياب المياه بصورة طبيعية أو للسيطرة على الفيضانات سواء في الأراضي العراقية أو الأراضي التركيـة على أن يتحمل العراق تكاليف إنشاءها. ونصت المادة الخامسة من البروتوكول على ما يلي: [ توافق حكومة تركيا على إطلاع العراق على أية مشاريع خاصة بأعمال الوقاية قد تقـرر إنشاءها على أحد النهرين أو روافده وذلك لغرض جعل الأعمال تخدم على قدر الإمكان مصلحة العراق كما تخدم مصلحة تركيا] .
* وفي عام 1980 وقع العراق وتركيا في أنقرة محضر اجتماع اللجنة العراقية ـ التركية المشتركة للتعاون الاقتصادي والفني، وقد ورد في الفصل الخامس منه الخاص بالمياه ما يأتي: [اتفق الطرفان على انعقاد لجنة فنية مشتركة خلال شهرين لدراسة المواضيع المتعلقة بالمياه الإقليمية خلال مدة سنتين قابلة للتمديد سنة ثالثة وستدعى الحكومات الثلاثة لعقد اجتماع على مستوى وزاري لتقييم نتائج أعمال اللجنة الفنية المشتركة ولتقرير الطرق والإجراءات التي توصي بها اللجنة الفنية المشتركة للوصول إلى تحديد الكمية المناسبة والمعقولة من المياه التي يحتاجها كل بلد من الأنهار المشتركة].
* وقعت تركيا وسوريا عام 1987 اتفاقا مؤقتا قضـى بأن تكون كمية المياه الواردة على الحدود التركية ـ السورية أثناء إملاء سدّ أتاتورك فـي تركيا، بـما لا يقل عن[500م3/ثا]، وهو الاتفاق الذي يعترض عليه العراق كونه لا يلبي الحد الأدنى من حقوقه المشروعة في مياه نهر الفرات، كما أنه اتفاق مؤقت بفترة ملء سـدّ أتاتورك.
* في عام 1990 وقّــع العراق وسوريــا اتفاقـاً مؤقتاً يقضي بتحديد حصة العـــراق بـ [58% ] من المياه الواردة في نهر الفرات عند الحدود التركية السورية وحصة سوريا بـ [42% ] منها ولحين التوصل إلى اتفاق ثلاثي ونهائي حول قسمة مياه الفرات مـع تركيا.

{{قراءة في واقع العلاقات المائية بين الدول الثلاثة:}}

بصفة عامة، لا يمكن فصل العلاقات المائية بين الدول الثلاثة حول نهري دجلة والفرات عن خلفية العلاقات السياسية بينهم، خاصة فيما يتعلق بتركيا وسوريا، فالعلاقات بين الدولتين منذ استقلت الأخيرة عن الامبراطورية العثمانية في عام 1916 والعلاقات بين الطرفين تتراوح بين القطيعة والتوتر والتهديد. وقد لعب الاستعمار الفرنسي دورا في إثراء هذا الصراع بين الدولتين حين قام في عام 1936 بإهداء لواء الاسكندرون السوري إلى تركيا التي تتمسك به نظرا لموقعه على المدخل الشرقي للبحر المتوسط لتركيا، الأمر الذي يمثل مصدر دائم للخلاف بين الدولتين. ومع نهاية الخمسينيات وصل الخلاف السياسي بين الدولتين إلى حد المواجهة العسكرية لولا وصول القوات المصرية لدعم سوريا ثم قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا في 1958.

وفي منتصف الستينات قامت سوريا بتجميد ومصادرة جميع الممتلكات العقارية للأتراك في الأراضي السورية وردت تركيا بإجراء مماثل ولم تكتف الدولتان بذلك وإنما شرعت كل منها تدعم الحركات والجماعات المناهضة للأخرى داخل حدودها، فقامت سوريا في بداية السبعينات بدعم المجموعة الأمنية المسلحة في نشاطها ضد تركيا، وشمل هذا الدعم بعد ذلك الأكراد مما دفع تركيا إلى تقديم المساعدة العسكرية لبعض التيارات الإسلامية السورية في صراعها مع النظام السياسي وفرارها عبر الحدود. وعلى الرغم من حرص تركيا على الاحتفاظ بعلاقات جيدة إلى حد ما مع العراق إلا أنه ومع عام 1974 أصبحت مياه نهر الفرات موضع خلاف بين تركيا وسوريا والعراق من ناحية، وبين سوريا والعراق من ناحية أخرى حيث شرعت تركيا وسوريا في بناء السدود الأمر الذي قلص كمية المياه المتدفقة في النهر لتتراوح بين 24-25 مليار متر مكعب(3).

وقد استمرت التوترات في هذه العلاقة مع قيام أى من الدول الثلاثة بأعمال على مجرى النهر تقلل من كمية المياه المتدفقة فيه إلى أن وصلت أزمة الفرات إلى ذروتها في يناير 1990 عندما قامت تركيا بخفض المياه المتدفقة في هذا النهر لمدة ثلاثين يوما لملء البحيرة التي تكونت خلف سد أتاتورك الأمر الذي أضر بسوريا والعراق أشد الضرر وكاد الأمر يصل إلى المواجهة المسلحة لولا الجهود الدبلوماسية وضبط النفس الذي مارسته الأطراف المختلفة. تجدر الإشارة إلى أن الأمور بدأت تتعقد وتأخذ مسارا خطيرا منذ أن بدأت تركيا تنفذ مشروع جنوب شرق الأناضول المعروف اختصارا باسم “جاب”، وقد تصاعد الأمر إلى تصعيد خطير بين سوريا وتركيا في أواخر عام 1998 وصل إلى حد حشد القوات التركية والتهديد بضرب سوريا تحت دعوى مساعدتها للأكراد وإيواء زعيمهم عبد الله أوجلات الذي تبين لاحقا وجوده بروسيا. ومع أن اللقاءات بين الدول الثلاثة لم تنقطع خلال التسعينيات حيث تعقد تارة بين المسئولين الفنيين، وتارة أخرى يشارك فيها المسئولون السياسيون إلا أنها لم تسفر عن أية نتائج(4).

ويمكن القول أن المشكلة الرئيسية لنهر الفرات تتمثل في أن كمية المياه المستهدفة للاستهلاك من قبل الدول الثلاث تتجاوز إجمالي إيرادات النهر بمقدار 17.3 مليار متر مكعب، وبالتالي من المستحيل تلبية الأهداف الاستهلاكية للدول المعنية من النهر بحدود إمكانياته. ويتضح ذلك بالنظر إلى الجدول التالى الذي يوضح الفارق بين نسب تدفق المياه في الفرات والأهداف الاستهلاكية للدول المشاطئة له.

|||||
|{{الدولة}}|{{تدفق المياه (%)}}|{{الأهداف الاستهلاكية (%)}}|
|تركيا|88.7|35|
|سوريا|11.5|22|
|العراق|0|43|
|المجموع|100|100|

المصدر: نقلا بتصرف عن د. منذر خدام، ” الأمن المائي العربي: الواقع والتحديات”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص 242.

ويلاحظ الأمر ذاته بالنسبة لنهر دجلة، حيث تزيد المطالب المائية للدول المشاطئة له عن إمكانيات النهر المائية وذلك بحدود حوالي 5.8 مليار متر مكعب. وهذا ما يتضح من خلال الجدول رقم (2) والذي يستعرض الفجوة بين نسب تدفق المياه في نهر دجلة والأهداف الاستهلاكية للدول المشاطئة له.

|||||
|{{الدولة}}|{{تدفق المياه (%)}}|{{الأهداف الاستهلاكية (%)}}|
|تركيا|51.8|13|
|سوريا|0|4|
|العراق|48.1|83|
|المجموع|100|100|

المصدر: نقلا بتصرف عن د. منذر خدام، ” الأمن المائي العربي: الواقع والتحديات”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص 243.

من ناحية أخرى، لابد من الإشارة إلى أن جانبا كبيرا من التوترات التي تشهدها العلاقات المائية بين الدول الثلاثة ترجع إلى اعتبارات فنية ذات صلة مباشرة بالمشروعات التي يجرى تنفيذها لاستغلال مياه النهرين، وبالآثار المترتبة على هذه المشروعات، ومن أهمها:

{{مشروع جنوب شرق الأناضول ـ GAP:}}

يعد هذا المشروع محور جهود تركيا الرامية إلى ضمان إمدادات المياه، وهو يتكون من 22 سدّاً و 19 محطة كهرومائية وعدد من الأنفاق والقنوات والمشاريع الإروائية. وقد باشرت تركيا بإنجاز أهم مرتكزات هذا المشروع. فأنشأت على نهر الفرات سدّ كيبان عام 1974 وسدّ قرقايا عام 1986، وفي عام 1990 أنجزت [سد أتاتورك] وهو من السدود الكبيرة في العالم إذ تبلغ طاقته الخزنية بحدود [48] مليار متر مكعب. وفي عام 1994 أكملت تركيا المرحلة الأولى من مشروع لأطول نفق إروائي من نوعه في العالم [نفق أورفة] الذي يأخذ المياه من خزّان سدّ أتاتورك إلى مسافة بعيدة لإرواء أراضٍ تقع خارج نطاق حوض الفرات. ويجري حالياً إنشاء سدّين جديدين على نهر الفرات وعلى مقربة من الحدود التركية ـ السورية، هما سدّ [بيره جك] و سدّ [قرقاميش] حيث سيتاح لتركيا بعد اكتمال هذين السدّين التحكّم شبه المطلق بمياه النهر. أمّا على نهر دجلة فقد أنجزت تركيا في عام 1997 سدّي [كيرال كيزي ودجلة] على روافد النهر، وأعلنت عن مباشرتها إنشاء سدّ [ألي صو] على المجرى الرئيس للنهر. وتشير التقارير المنشورة عن مؤسسة مياه الدولة التركية أن إجمالي الأراضي المروية حاليا ضمن مشروع [GAP] تبلغ حوالي 14500هكتار فقط، منها 8 ألف هكتار ضمن حوض نهر الفرات و 6.5 ألف هكتار ضمن حوض نهـر دجلة. وتستهدف تركيا إرواء 1.091 مليون هكتار ضمن حوض نهر الفرات و 0.602 مليون هكتار ضمن حوض نهر دجلة. علماً بأن هناك مساحة قدرها حوالي 537 ألف هكتار شمال سدّ أتاتورك تروى من نهر الفرات وبذلك يبلغ مجموع المساحة المقرّر إرواؤها [في التطوير الكامل لمشاريع التخزين والري على حوض الفرات في تركيا] 1.628 مليون هكتار(5).

وتنبع الاعتراضات السورية العراقية على هذا المشروع من اعتبارات عدة، فعلى سبيل المثال يرى العراق أن تركيا تنكرت لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار الموقعة بين العراق وتركيا عام 1946 والتي ألزم البروتوكول الأول منها الملحق بالمعاهدة على ان تركيا توافق على اطلاع العراق على أية مشاريع خاصة تقرر إنشائها على نهري دجلة والفرات أو روافدهما لتلافي الآثار والأضرار المحتملة لتلك المشاريع.

{{ مشروع أنابيب السلام:}}

من المقترحات المقدمة لحل مشكلة المياه، يبرز الطرح التركي لمشروع أنابيب مياه السلام منذ عام (1987) والذي تم طرحه بعد بدء مسيرة التسوية السلمية في الشرق الأوسط ونتيجة إلى سلسلة من الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الأتراك والإسرائيليين ظهر إلى الأفق ذلك المشروع والذي مفاده أن تبيع تركيا مياه نهري كيهان وسيهان التي تنبع من منطقة (مناوجات) وتصب في البحر المتوسط دون الاستفادة منها ويتم ذلك بشحنها عبر البحر في صهاريج بحرية ضخمة والذي بدأ عملياً مع إسرائيل أو ضخها بواسطة خطي أنابيب احدهما يتجه غرباً عبر سوريا والأردن وإسرائيل ثم الحجاز بينما الآخر يتجه شرقاً إلى العراق والكويت وشرق السعودية وقطر والبحرين والإمارات وهذه الفكرة ممكنة من الناحية التقنية. وتروج تركيا لهذا المشروع من خلال صيغة درج على تسميتها ‘المياه مقابل النفط’

وعلى الرغم مما يراه بعض المحللين من وجاهة في ذلك المشروع إلا أنه قد أثار قلق وحفيظة كل من سوريا والعراق، لاسيما بسبب الخوف من تأثيرات ذلك السلبية على منسوبات المياه في نهرى دجلة والفرات، وتحاول تركيا دائما تهدئة المخاوف السورية العراقية في هذا السياق من خلال التأكيد المستمر على أنه لا توجد أية علاقة بين مشروع سد أتاتورك وفكرة إنشاء نهر صناعي لتزويد دول الخليج بمياه الشرب من تركيا وأن المشروع يرتكز على جر المياه المطلوبة من نهر السيحان والجيحان(6).

ويمكن القول أن المخاوف أو الاعتراضات السورية-العراقية في هذا السياق لا ترتبط فقط باعتبارات فنية خاصة بحصص وتقسيم مياه دجلة والفرات، وإنما ترتبط في جانب كبير منها بقضايا سياسية الطابع لاسيما ما يتعلق منها بالدول الإقليمي لتركيا وما سيعطيه لها مثل هذا المشروع من مقبولية بين دول الخليج العربي وهو ما سيزيد أيضا من التفرد التركي الواضح بالأمن المائي للمنطقة وإعطاء تركيا دوراً فاعلاً لتصبح المنطقة برمتها تحت سيطرة تركيا المائية. ومن ناحية أخرى، من شبه المؤكد أن إسرائيل ستكون طرفا أساسيا في هذا المشروع وهو ما كان يعد مسألة مرفوضة لسوريا والعراق في وقت من الأوقات في ظل توجهات السياسة الخارجية لكل منهما.

{{نهج التعامل الدول الثلاث مع مسألة المياه في نهري دجلة والفرات:}}

يمكن من خلال القراءة السريعة لمواقف وسياسات الدول الثلاث المعنية بالمسألة المائية لنهرى دجلة والفرات القول بأن موقف كل منها يرتكز على مجموعة من الثوابت الوطنية التي تبلورت من خلال سلوكياتها تجاه التطورات المختلفة لهذه المسألة. من ناحية أخرى يمكن ملاحظة أن هناك قدر كبير من التقارب في الموقفين السوري والعراقي (على الرغم من عدم انطباق ذلك على مجمل العلاقات فيما بينهما) في مواجهة الموقف التركي الذي ينبني على مجموعة مختلفة من المنطلقات، وهذا ما يمكن تفسيره في ضوء اختلاف المصالح الوطنية بين الجانبين.

{{ 1- الموقف التركي:}}

يمكن تلخيص أهم ثوابت الموقف التركي في النقاط التالية:

* تعتبر تركيا أن نهرى دجلة والفرات يتميزان بخصائص تجعلهما يختلفان عن العديد من المجارى المائية الأخرى في العالم، وأنهما ليسا نهرين دوليين بالمعنى المتعارف عليه بل يندرجان في إطار ما يمكن اعتباره “مياها عابرة للحدود”.
* تركز تركيا على مبدأ الانتفاع المنصف وتعتبره المبدأ الأكثر قبولا في القانون الدولي في مجال تخصيص مياه نهر عابر للحدود، كما يلقى مبدأ عدم إحداث ضرر بالغ أيضا تأييدا واسعا في هذا السياق.
* من ناحية أخرى تدعو تركيا كلا من سوريا والعراق إلى مشاركتها في إعادة النظر في السياسات الداخلية واتخاذ تدابير تمنع هدر المياه وخاصة تطبيق نظام التسعير المعقول للمياه، كما تدعو إلى معالجة مياه الصرف وإعادة استعمالها.
* تطالب تركيا بضرورة الأخذ بمعايير مشتركة بين البلدان الثلاثة في تخصيص مياه حوض الفرات ودجلة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن تركيا تحاول اعتبار دجلة والفرات حوضا واحدا استنادا إلى اشتراكهما عند المصب في مجرى واحد وإلى اتصالهما عن طريق الثرثار الصناعية(7).
* تتجه تركيا في الكثير من الأحيان التي تثار فيها قضية تقاسم المياه إلى الارتكان لمبدأ السيادة المطلقة، مؤكدة أن على أن أنقرة لها السيادة المطلقة على ثروتها الوطنية ومنها هذين النهرين اللذين ينبعان من أراضيها ويعتبران ثروة طبيعية تركية صرفة مثلما هو النفط المتدفق من الاراضي العراقية والسورية ثروة خاصة بهما وفي هذا الجانب لا تفرق تركيا بين الثروة الطبيعية الثابتة والموجودة تحت سطح الأرض والتي هي داخل السيادة الوطنية لتلك الدول والثروة الطبيعية المتحركة والجارية.
* ومن الجدير بالذكر أن هذا المبدأ قد تراجع دوليا ليحل محله مبدأ السيادة المطلقة والتكامل المقيد في استغلال مياه الأنهار. فالقانون الدولي العام ينص على عدم الإضرار بالآخرين وحل النزاعات حول مياه الأنهار المشتركة بالطرق السلمية إضافة إلى أن اقتسام المياه الأنهار يجب أن يتم بشكل عادل ومقبول لجميع الدول المشاطئة له(8).
* ربط العلاقات المائية بالملفات السياسية خاصة لواء الاسكندرون والأكراد وغيرها، الأمر الذي اتضح غير مرة في منظومة التفاعلات بين الدول الثلاثة، فعلى سبيل المثال يقوم الطرح التركي على أن التوصل إلى أي اتفاق حول تقسيم المياه يجب أن يشمل كافة الأنهار المشتركة بينهما وتعني بهذا الطرح نهر العاصي الذي ينبع من الأراضي السورية ويصب في البحر المتوسط بالقرب من لواء الأسكندرون الذي ضمته تركيا إلى أراضيها في منتصف العقد الثالث من القرن الماضي الأمر الذي سيتم تفسيره وكأنه اعترافاً رسمياً بالسيادة التركية على الأسكندرون. ومن الملاحظ أن القضايا التي تصر تركيا على ربط مسألة المياه بها هي من قبيل التوترات المزمنة في العلاقات بين سوريا والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى، وفي ظل لعبة التحالفات الدولية وبغياب الركائز المنطقية لضمان علاقات دبلوماسية طبيعية فإن مشكلة المياه تتغير حسب المصالح الأمنية والتجارية للأطراف المختلفة.

{{ 2- الموقف السوري-العراقي:}}

ومن الممكن إجمال أهم ثوابته في:

* تركز البلدان على مبدأ الحقوق المكتسبة ومبدأ عدم الإضرار بالغير من الدول المشاطئة لمجرى المياه الدولية، كما تدعو سوريا دائما إلى تحكيم الهيئات الدولية المختصة مثل محكمة العدل الدولية في القضايا المتنازع عليها والتي لا يمكن التفاهم حولها بالحوار. قدمت سوريا في أواسط السبعينات بوساطة من البنك الدولي اقتراحا باقتسام المياه بين البلدان الثلاثة بنسبة الثلث لكل منها(9).
* يرفض الجانبان السوري والعراقي مفهوم “المياه العابرة للحدود” باعتباره مفهوما خاطئا يشكل خروجا على الشرعية والإجماع الدوليين، كما أنه لا مؤيد قانونيا له ولا يشكل نظاما قانونيا مستقلا بل يندرج تحت مفهوم المجاري المائية الدولية.
* تتمسك الدولتان بالانفصال بين نهري دجلة والفرات، انطلاقا من مما ورد في الفقرة (أ) من المادة الثانية من قانون استخدام المجاري الدولية في الأغراض غير الملاحية والتي ورد في مذكرة الشرح الخاصة بها أن كون حوضي صرف مختلفين يتصلان بواسطة قناة لا يجعل منهما جزءا من مجرى مائي واحد، وهذا ما ينطبق تماما على حالة حوضي دجلة والفرات من النواحي الجغرافية والطوبوغرافية (10). وترى سوريا والعراق أن الإصرار التركي على اعتبار حوضي دجلة والفرات حوضاً واحداً إنما يرجع إلى أن ذلك يبرر تعويض سوريا والعراق بحصتهما من مياه الفرات بحصة أكبر من مياه نهر دجلة بغض النظر عن منطق السيادة الوطنية والمردود السلبي للنقص الحاد في مياه نهر الفرات وانعكاساته على المشاريع الزراعية على ضفاف ذلك النهر في دول المجرى والمصب وكذلك تعتبرهما حوضاً واحداً من أجل تعويم المشاريع الكثيفة والمقامة في أعالي نهر الفرات مقابل قلتها على نهر دجلة.

{{خاتمة:}}

هناك العديد من علامات الاستفهام حول حدود الالتزام الدول الثلاث بالمبادئ القانونية المستقرة في التفاعلات المائية المرتبطة بنهري دجلة والفرات، ففيما يتعلق بمبدأ الاستعمال المنصف للمياه، يشير المراقبون بأن عدد السدود المقامة على نهر الفرات يفوق حاجة تركيا من المياه والطاقة الكهربائية والغاية الأساسية منه هو ترحيل الأكراد وما تبقى من الآشوريين في جنوب شرق تركيا ولأسباب أمنية وعسكرية واستخدامها كورقة ضغط ضد سوريا والعراق(11).

أما فيما يتعلق بمبدأ الاستعمال البريء بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه، فمن المعروف مثلا أن مشروع السدود الذي تقيمه تركيا يحقق لها مجموعة من الأهداف غاية في الأهمية، منها توفير المياه اللازمة لريّ ما يعادل 20% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية، إنتاج المزيد من الطاقة الكهربائية، توفير العديد من فرص العمل، زيادة الإنتاج السمكي من بحيرات المشروع، زيادة الصادرات الزراعية، إلا أنه وفي المقابل لهذا المشروع أثار غاية في السوء بالنسبة لكل من سوريا والعراق لاسيما لجهة التأثير السلبي على كمية ونوعية المياه التي تحصل عليها البلدان، وهنا قد يكون من المفيد التذكير بأن قيام تركيا بخفض معدل تدفق معدل نهر الفرات لملء بحيرة سد أتاتورك قد أدى حالة من الجفاف في سوريا أدى في ظل عدم كفاية نهري اليرموك و العاص إلى فقدان سوريا لأكثر من ثلث إنتاجها الزراعي المعتاد(12). وفي هذا السياق يرى البعض أن تركيا تتصرف وكأنها الوحيدة التي تمتلك خططا للتنمية المائية والزراعية، الأمر الذي يزيد من تعقد العلاقات بين الأطراف الثلاثة وضاعف من مشكلات الإدارة والتوزيع وتخطيط التنمية بين الدول الثلاثة(13).

واستناداً إلى المعطيات القانونية دولياً فهناك لوائح تنظم كمية وسعة المياه التي تمر بين الدول المتشاطئة ولا يوجد مبرر قانوني يسمح لتركيا أن تتحكم في المياه التي تنبع من أراضيها وتجري عبر دولاً أخرى والتصرف فيهاً طبقاً لمصالحها من دون مراعاة حقوق الدول الأخرى بعد أن ثبت وبموجب الاتفاقية الدولية الموقعة عام (1997) والخاصة باستخدام المجاري المائية الدولية لأغراض ملاحية والتي حددت المجرى المائي الدولي بأنه المجرى الذي تقع أجزاؤه في دول مختلفة وهذا بدوره يؤكد الصفة الدولية لنهري دجلة والفرات.

أخيرا، لا يمكن النظر إلى المسألة المائية بين سوريا وتركيا والعراق اليوم بمعزل عن التطورات السياسية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة والتي أدت إلى الكثير من التغيرات على موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، ويقصد بذلك بالأساس الحرب الأمريكية على العراق في 2003 ثم احتلاله. فمن ناحية أولى أدت تلك الأحداث إلى توارى أهمية هذه المسألة على الأجندة العراقية التي باتت منشغلة بقضايا تبدو أكثر أهمية في الوقت الراهن مثل محاولة تجنب الحرب الأهلية وإعادة بناء الدولة التي تحللت نتيجة للحرب والاحتلال.

من ناحية أخرى، يمكن القول أن المستقبل المنظور سيشهد اختلافا في نمط العلاقات المائية بين سوريا والعراق وتركيا، فعلى الرغم من أن العلاقات بين سوريا والعراق لم تكن جيدة في غالبية الأحيان إلا أن المواقف المائية للجانبين بدت متشابهة إلى حد ما في مواجهة الجانب التركي، ومن المتوقع أن يتغير ذلك في حالة عودة الاهتمام بالمسألة المائية مرة أخرى، خاصة في ظل العراق الجديد الذي من المتوقع أن يكون أكثر ميلا للتقارب مع تركيا بسبب العلاقات الإستراتيجية لكل منهما مع الولايات المتحدة الأمريكية (والوضع الخاص للولايات المتحدة في العراق) الأمر الذي يمكن أن يزيد من تعقيد الأوضاع بالنسبة لسوريا لاسيما في ظل علاقاتها السيئة بالولايات المتحدة التي أضحت اللاعب الإقليمي الأهم في هذه المنطقة في الوقت الراهن.

{{الهوامش:}}

1- http://www.islammemo.cc/xfile/one_News13.asp?IdNews=70

2- http://www.islammemo.cc

3- محمود محمد محمود خليل،”أزمة المياه في الشرق الأوسط والأمن القومي العربي والمصري”، مرجع سبق ذكره، ص ص 87-88.

4- د. منذر خدام، ” الأمن المائي العربي: الواقع والتحديات”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص 240.

5- http://www.islammemo.cc/xfile/one_News13.asp?IdNews

6- حسن العبد الله، مرجع سبق ذكره ص ص 76-77.

7- منذر خدام، المرجع السابق، ص ص 244-246.

8- حسن العبد الله، “الأمن المائي العربي”، مركز الدراسات الاسترتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، 1992، ص 71.

9- منذر خدام، المرجع السابق، ص 241.

10- المرجع السابق.

11- د. وليم أشعيا، “أزمة المياه من خلال أنابيب السلام التركي”،

http://www.bethsuryoyo.com/currentevents/MEWaterProblem/MEWaterProblemArabic.htm

12- د. محمود محمد محمود خليل، “أزمة المياه في الشرق الأوسط”، مرجع سبق ذكره، ص ص 89-93

13- حسن العبد الله، مرجع سبق ذكره، ص 70.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق