مصادرة الرغبة الجنسية والعلاقات الزوجية في سورية

قبل أيام، اشتكى بعض العاملين في دور النشر، من مصادراتٍ عديدةٍ لكتبٍ تتحدث عن الزواج والمعاشرة الزوجية والجنس. ومنها ” العادة السرية لغسان جعفر، والموسوعة الجنسية (تحفة الزواج)، والموسوعة الجنسية ( العلاقات الزوجية ) وكلاهما لحسين سليم والرغبة الجنسية عند المرأة للبروفيسرو جيتر، والضعف الجنسي لعزيز سالم، والكفاءة الجنسية لكمال أبو العينين، وموسوعة الجنس لحسان جعفر “. وبالفعل تمتّ مداهمة تلك الدور المساهمة في معرض الكتاب ال24 في مكتبة الأسد، ومصادرة الكتب الشريرة والفاسقة، المخالفة للشرع المتبع في وزارة الأوقاف.

المفارقة، أنّه في السنوات السابقة كما السنة الحالية تحتل واجهات دور النشر كتب الخرافات والسحر والتكفير وعذاب القبر والمبشرون بالنار. وهي رخيصة الثمن وخاصةً القادمة من العربية السعودية، ومتاحة أمام الجمهور ولم تصادر، ويبدو أنّ مشايخنا الكرام لم يذهبوا لدور النشر السعودية؟!

وإذ صحّ أن وزارة الأوقاف أو جهة فيها هي صاحبة القرار في إجراء المصادرة وتطبيق الحسبة، فإن هذا يدلّ على تعاظم القدرة الكلية لدى هذه الوزارة. وأنها أصبحت وزارة تماثل وزارة الخارجية وربما الداخلية أيضاً وربما الاثنتين معاً.

والسؤال ما هي وظيفة وزارة الأوقاف العتيدة، وهل أصبحت هي وزارة الإعلام أو الثقافة، وما هي سلطتها على إدارة المعرض. وكيف مارست ضغوطها الخيّرة؟ وبمن اتصلت. وهل أصبحت وزارة الثقافة”العلمانية” تأتمر بأوامر وزارة الأوقاف “الإسلامية”؟ وهل صار للأخيرة صولة وجولة وثقل في السلطة السياسية السورية حتى تستطيع مصادرة كتب”الضعف الجنسي, الكفاءة الجنسية، والرغبة الجنسية”؟!

أعتقد أن وزارة الأوقاف تخطّت حدودها ودورها الديني وربما لو أتيح لها مصادرة نصف كتب المعرض لن تتأخر مطلقاً. ما دامت تتدخل في أمور علمية عن موضوع الجنس. فكيف بالكتب التي تتحدث عن الآراء والفلسفة والأدب والشعر والحريات ونقد الدين. ودون أن ننسى تدخلها السافر سابقاً بما يخص التعليم واتهام كل من يرسل بناته إلى التعليم المختلط بالفسق والفجور وعظائم الأمور. وهذا ينطبق على أكثر من نصف سكان سورية، وخاصةً في الأرياف، وهم من كل الأديان والطوائف، والحمد لله؟!

ربما يفسر أمر ذلك التدخل بأنه كلما تراجعت قوة السلطة السياسية تقدمت قوة السلطة الدينية. وكأن الأخيرة رديفة للأولى. بدلاً من أن تتقدم قوة القانون، والمؤسسات، أو السلطة القضائية أو التشريعية.

حرية النشر، كما حرية القراءة، كما كل الحريات العامة، هي قضايا يجب الدفاع عنها. وحثّ الناس على المعرفة بها، لا على تكريس الجهل، بأمور الجنس وبكل ما يخص الزواج. فالمرأة ليست نعجة، والبشر ليسوا بقطيع يساق بأوامر رعاة كان يجب أنّ يطلعوا على العلوم الحديثة قبل أن يطلقوا الأوامر المقدسة. المثير للاستهجان أن هذه القضايا مفصلة في كتب التراث. وهو ما يدفعنا للقول إننا مع موجة التدين الجارفة أصبحنا نجمع الجهل-لا المجد- من كل أطرافه، في التراث وفي العلم الحديث.

الجيل الشاب، كما العتي في العمر،وخاصةً المرأة غير المتزوجة عليها أن تستزيد بهذه العلوم وبغيرها كي تستطيع بناء الأسرة المتكاملة المتضامنة.التي كثيراً ما يتكلم عنها رجالات الدين. وهذه المعرفة تساعد العائلات على حل المشكلات التي تواجههم أثناء الزواج.في ليلة الدخلة، وفي المعاشرة الزوجية وفي المتعة الجنسية وحتى في تربية الأولاد.

لذلك كان الأوّلى بشيوخ وزارة الأوقاف الاهتمام بأسباب الطلاق وبآثار ذلك على الأطفال وعلى مستقبل المرأة التي لم تنجب، لسبب رباني أو خاص. وإنصافها إن تعرضت لمشكلة الطلاق، وما أكثر الطلاقات. وربما من أسبابها: الجهل في أمور الزواج ومشكلات وصعوبات الحياة الاجتماعية وعدم تأمين المنزل المستقل والبطالة وغير ذلك. وليس الاهتمام بما لا يدخل في أمور الدين والإيمان والعقائد. وحتى القضايا الأخيرة، يحق للفرد وبشكل مطلق، الاختيار فيها: بين التقيد بالشرع وفق رؤية وزارة الأوقاف أو بغيرها أو حتّى الابتعاد عن المنظور الديني بأكمله.

أخيراً، نأمل أن تُكفّ يد وزارة الأوقاف، عن ما لا يدخل في اختصاصها، كما كل الوزارات، وأن تكون وزارة الثقافة حصراً، ومن خلال مثقفين ونقاد وكتاب معروفين بنزاهتهم، هي المسؤولة عن تقييم الكتب، وأن تستبعد الكتب التي لا علاقة لها بالعلم أو بالفكر أو بالنقد أو بالتراث، وخاصةً الكتب التي تشجع على السحر والشعوذة والتكفير وعذابات القبر والمبشرين بالنار.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق