مصادر الفكر التكفيري: حديث الرسول أم حديث الرواة؟

لا يمكن الاعتداد بكل حديث لأن عصمة الرسول جزئية. فالرسول يعتبر معصوما في جانب تبليغ القرآن فقط ” قل إنما أنا بشر يوحى إليّ” (فصلت:41) أما في ما عدا ذلك، فهو يخطئ كغيره من البشر كما دلت على ذلك حادثة التمر في المدينة. فقد قال عن تأبير النخل :”لو لم يفعلوا لصلح لهم” و لما أخبروه أن النخل لم ينتج ذلك العام قال: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”.

وأكد في مناسبة أخرى على هذا الجانب بالقول “إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض وأحسب أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها”.

وقد كان الرسول يعمل بالقياس. قال لابن مسعود: “اقض بالكتاب والسنة فإن لم تجد فيهما اجتهد رأيك”. وموقفه من معاذ بن جبل معروف إذ سأله قبل أن يبعث به إلى اليمن:”بما تحكم؟ قال معاذ بكتاب الله، قال فإن لم تجد قال فبسنّة رسول الله قال فإن لم تجد؟ قال اجتهد رأيي فقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله”.

وقد ثبت عن الرسول أمره بالشورى وبالاجتهاد وبالقياس. سأل عليّ الرسول:” الأمر ينزل بيننا ولم ينزل فيه قرآن ولم يمض فيه سنة ؟ قال الرسول: “اجمعوا له العالمين من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد”.

كل هذا يدعو إلى التمحيص والتثبت في الأحاديث للتأكد من طبيعتها (قدسية أم بشرية) قبل الاعتداد بها في قضايا تمس حقوقا أساسية للإنسان.

والغريب أن العديد من العلماء يعتمدون على بعض أقوال الرسول وأفعاله حتى وإن كانت متناقضة بوضوح مع القرآن أو فيما بينها، وينفون عنها الصفة البشرية ويصرون على أنها امتداد للوحي.

وإلى جانب الأحاديث البشرية توجد شبهات حول رواة الأحاديث وعملية جمعها وتدوينها. حتى أنه في عهد الخليفتين الأول والثاني منعت الرواية وأحرقت صحفها وفرض عمر ابن الخطاب حظرا على أبي هريرة لإكثاره الرواية عن الرسول.

ويقول سفيان الثوري الذي يوصف بأمير المؤمنين في الحديث حتى أنهم رفعوه فوق مالك: “لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعنا ما حدثناكم بحديث واحد”(1).

ويروى في مسلم (المقدمة): “لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث”، وهناك نماذج عديدة من هؤلاء الرواة المجروحين الذين لا تنطبق عليهم صفة الرّاوي الثقة مثل أبي بكرة الراوي لحديث “لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة” الذي يتم على أساسه إلى اليوم حرمان النساء من واحد من أهم حقوق المواطنة. و لقد واجه زعيم الأصوليين الباكستانيين الشيخ المودودي نفسه عنتا كبيرا حينما رأى أن انتخاب فاطمة جناح “أقل ضررا من انتخاب أيوب خان” وشنُ عليه هجوم بحديث “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”.

ولم يرد في القرآن ما يفيد عدم تأهل المرأة لممارسة الحكم بل ورد العكس، فقد أقر مشروعية تولي بلقيس ملكة سبأ للولاية الكبرى من خلال تمجيد طريقتها في الحكم.

إذن يكتفي الفقهاء لتبرير موقفهم الرافض لتولي المرأة المناصب السياسية بصفة عامة بإيراد حديث آحاد قاله الرسول في معرض تعليقه على خبر سياسي يتعلق بأهل فارس عندما ملكّوا عليهم بنت كسرى. وحديث الآحاد يفيد الظن لا اليقين و لا يلزم المسلم. كما جاء هذا الحديث في صورة الإخبار مما يجعله مرتبطا بحدث سياسي محدد بالزمان والمكان.

ولهذا الحديث قصة تجعلنا نتردّد في اعتباره صحيحا. فهو حديث عرضي متصل بمقام التخاطب ورد في صحيح البخاري كالآتي:”حدثنا عثمان بن الهيثم حدثنا عوف بن الحسن عن أبي بكرة قال:لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل لما بلغ النبي أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، وإنها فعلا صدفة نافعة ومفيدة لهذا الراوي كما علّقت على ذلك الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي (2). فراوي الحديث لم يتذكر كلام الرسول إلا في واقعة الجمل، أي بعد 25 سنة من وفاة الرسول وفي ظروف أقل ما يقال فيها إنها كانت متفجرة، أي خلال ما سمي بالفتنة الكبرى، وكانت حينئذ عائشة المرأة، خصما لعليّ. و إذا ما عرفنا أن أبا بكرة هذا كان من أنصار علي وأنه فاقد لأحد الشروط الأساسية لمصداقية الشهادة، لأنه جلد في قضية قذف بسبب شهادة زور، تصبح قوة هذه الرواية في الميزان. فهو إذن حديث آحاد جاء في صور الإخبار أيام فتنة على لسان رجل منحاز لأحد الخصمين وفاقد للمصداقية. ورغم ذلك فإن أغلب الفقهاء يعتمدون اليوم هذا الحديث اليتيم الضعيف المجروح المصدر والمناقض للقرآن لاستبعاد المرأة من المشاركة في الحياة السياسية وحتى لمجرد تقلد منصب القضاء. وهو ما يبرهن على وقوع انحرافات كثيرة في عملية تجميع الأحاديث وتدوينها. وهي عملية تمت بعد قرن أو أكثر من وفاة الرسول.

وقد لعبت التّناحرات السياسية دورا هاما في تفضيل تدوين أحاديث على أخرى. فبين لحظة القول والفعل النبوييْن ولحظة التدوين كانت الدول تتغير والفرق السياسية تتناحر وتتجادل وتبحث عن الحديث، أي القانون، المناسب لتأكيد مقولاتها.

فالبخاري مثلا لم يرو لجعفر الصادق شيئا، وهو حفيد الرسول، كما لم يرو لفاطمة ابنة الرسول سوى حديث واحد، بينما روى 242 حديثا لعائشة و446 حديثا لأبي هريرة و8 لمعاوية.

وإذا ما نظرنا في مسند أحمد نجد أنه أسند إلى الإمام علي 818 حديثا في حين لم يرو عنه البخاري سوى 29 حديثا. و هناك الكثير من النصوص المنسوبة إلى الرسول تصطدم بالعقل أو بقواعد الإسلام وحقائقه الثابتة مثل حديث “تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع” أو الحديث الذي يمكن على أساسه تبرير قتل الحسن ابن علي ابن أبي طالب والقائل:” إذا بويع لخليفتين فاقتلوا واحدا منهما”(3)، مع الملاحظة أن جل الأحاديث المتعلقة بالطاعة رواها أبو هريرة وعمرو ابن العاص وغيرهما ممن تحالفوا مع معاوية ضدّ علي.

ولعل هذا اللبس هو الذي دفع الإمام محمد عبده إلى الدعوة إلى اعتماد القرآن في التفسير قائلا:” إن الدليل الوحيد الذي يعتمد عليه الإسلام في دعوته هو القرآن الكريم، و أما ما عداه فليس مما يوجب القطع عند المسلمين”
الإجماع وله مصدران، الصحابة والعلماء.

{{إجماع الصحابة بين سقيفة بني ساعدة و معركة الجمل}}

يعتبر إجماع الصحابة المصدر الثالث للشريعة عند بعض الفقهاء. وقد اعتبرت قلّة قليلة منهم أن إجماع الصحابة على النصوص الظنية يسبغ على فهم هذه النصوص “ديمومة زمنية” فجعلوه بذلك موازيا للنصوص القطعية وغير قابل للتعقيب الإنساني عن طريق الاجتهاد. وبذلك رفعوا رأي الصحابة إلى مستوى النص القرآني وشدّدوا الخناق أكثر على المجتهد.

وبسبب وجود القاعدة التي ترفع اجتهاد الصحابة إلى مرتبة المقدس، أصبح بعض الفقهاء والأيمّة يقيسون على هذه الاجتهادات مقابل نصوص صريحة ويرفضون أحيانا النص النّبوي أو حتى القرآني إذا تعارض مع ما قرّره أو فعله صحابي.

وما كل ما اجتهد فيه الصحابة يعدّ مقبولا أو مستساغا، ففيه ما لا يستسيغه العقل وما تأباه الأخلاق، مثل تسامح أبي بكر في قضية خالد ابن الوليد وقول عمر بترك الصلاة مع فقدان الماء خشية أن يتكل الناس على التيمم، وفيه ما هو منطقي ومتماش مع مقاصد النص مثل تحريم متعة النساء وتعطيل العمل بقطع يد السارق عام مجاعة.
إجماع علماء خمس مذاهب؟

وفي ما يتعلق بضعف هذا المصدر، وهو إجماع العلماء، فحدث و لا حرج. فالمسألة محل خلاف بين الفقهاء أنفسهم، ذلك أن هناك استحالة لوقوعه. و نحن نعرف أن الخلفاء الأربعة أنفسهم لم يكونوا أصحاب سنّة واحدة. وإذا ما عرفنا عدد الفرق المتناحرة، وهي تعدّ بالمئات، جاز لنا التساؤل حول مصداقية الإجماع الذي يتطلب توافقا وانسجاما في الرأي. ثم إن هناك صورا من الإجماع تثير الشك لأنها لا تظهر سوى في المسائل السياسية، حتى أن فكرة الإجماع تبدو وكأنها من اختراع السّاسة. فمن أبرز عوامل الشك في مبدأ الإجماع، إجماع العلماء على طاعة الحكام رغم فسادهم. وقد استخدم هذا المبدأ كسلاح ضدّ المعارضين. وهو ما يفسر تشدّد بعض الحكام في مبدأ الإجماع وجعله من أصول الاعتقاد ومن مصادر الشريعة.

فكم من الفتاوى السائدة تعكس مواقف سياسية ظرفية أكثر من كونها تعكس نصوصا. وكم من أطروحات ما زالت تنهل وتتبنى فقه الماضي دون البحث في جذوره وفي ظروفه ولا تعطي للحاضر حقه ولا تتيح الفرصة للخروج عن خط الماضي بدعوى “إجماع الفقهاء” على مسألة، مما أدى إلى جعل العقل المسلم أسير الماضي.
اجتهاد أم شرح الشرح على المتون؟
الاجتهاد هو المصدر الأخير من مصادر الشريعة، وهو المنوط به استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها اليقينية ويسمى أيضا القياس أو دليل العقل، و يعرّف على أنه تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لتشابه في العلة.

فالاجتهاد هو إذن كبقية المصادر المذكورة عمل بشري صرف، وهو أكثر مصادر الفقه استعمالا.

ورغم “ضعفه” البشري، فهو الذي يعطي المعنى العميق للمبدأ القائل بأن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. ذلك أنه كما هو معروف وبديهي ومنطقي فإن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، والاجتهاد هو القادر على استنباط الأحكام من النصوص المتناهية للإجابة على الأحداث المستجدة. فهو يجمع إذن بين العقل والتجربة والظروف المستجدة وبين الاستنباط والاستقراء.

واعتبارا لسنّة الحياة و تبدل الظروف والأحوال حسب الأزمنة والتطور فإن الكم الهائل من الفقه المتراكم للعلماء القدامى لا يمكن أن يكون كله صالحا لزمننا هذا.

ثم لماذا نواصل تضييق دائرة الاجتهاد بفرض قاعدة لا اجتهاد فيما ورد فيه نص واضح، والأحرى إذا كان لا بد من تضييق، أن يمنع الاجتهاد في العقائد ويسمح به في المعاملات، سواء جاءت في نص قطعي أو ظني. فهو أمر مطلوب خاصة إذا جاء ليرفع ضيما ويحقق عدلا أو يضع حدا لممارسة غير أخلاقية مثلما تم إيقاف العمل بزواج المتعة رغم وروده في نص واضح وقطعي الدلالة. والميراث مثلا ليس من العقيدة في شيء فهو يدخل في باب المعاملات، وبالتالي يمكن الاجتهاد فيه. غير أن ما يحصل أن البعض أصبح يكفّر من يطالب بالمساواة في الميراث بين الجنسين أو حتى بإلغاء رخصة تعدد الزوجات كما حصل مع الصحافية الأردنية توجان الفيصل سنة 1989.

ففي التشريع، يرجع إلى أن المساواة هي الأصل فلا يمنع منها إلا مانع معتبر أو عارض إذا زال يقتضي العودة إلى الأصل. وليس في مثل هذا الاجتهاد ما يضير حق الله أو يمس منه، خاصة وأنه تم الاجتهاد في نصوص قطعية فيما ليس فيه نفع واضح للناس، اللهم منفعة الحكام الآنية.

والنص القطعي المتعلق بالمعاملات ليس نصا محنّطا، فهو يرتبط بظروف أنتجته، وهو عبارة عمّا يسميه الحقوقيون بالقاعدة الجامدة التي تقوم على اصطلاحات محدّدة ومنضبطة، وهي الأقرب إلى مقتضيات الصّياغة القانونية نظرا لوضوحها. ومع ذلك فإنّ الصياغة القانونية ليست هدفا في حد ذاتها وإنما هي وسيلة لتحقيق العدل. ونظرا إلى أن الصياغة القانونية تعتمد على الألفاظ والمصطلحات وتحاول عن طريقها التعبير عن حقائق الحياة، فإنه من المحتم أن يحدث شيء من التباعد بين ما هو حقيقي وبين ما هو لفظي. وكلما زاد اللفظ تحديدا و جمودا، زادت شقة البعد بينه و بين حقائق الحياة المتغيرة أبدا. ولذلك فبقدر ما تعتبر الصياغة الجامدة أقرب إلى مقتضيات الصنعة القانونية بقدر ما تؤدي إلى انحراف القانون عن مقاصده ومنعه من ملاحقة مستجدات الحياة. فعندما نزل النص كان متماشيا مع الواقع وقائما على استقرائه وآخذا بالأمر الغالب فيه، لكن بتبدل الأحوال يفقد صفته تلك، فيصبح محاذيا للواقع وغير فعال. يقول الشيخ الطاهر ابن عاشور: “ومن بناء أحكام الحقوق على اعتبار الواقع، إلغاء التصرفات العائدة على مقاصد الشريعة بالإبطال (…) ذلك أن البعض يستعملون ما أبيح لهم بالنص الصريح و لكن في غير المقصد منه نكالة بالمرأة (…) ويسمى ذلك هزوءا بآيات الله” (4).

ومن ثم يجوز النقد والتمحيص في التراث الفقهي والأخذ منه ما يصلح للعصر، وفتح باب الاجتهاد لتسيير حياة الناس ومعاملاتهم بما يتفق مع ضرورات الحياة.

{{اختلاف الفقهاء و تناقضاتهم}}

وهو اختلاف طبيعي متأت من طبيعة البشر المتقلبة ومتفاوتة المواهب. لذلك نؤكد على أن كلام الفقهاء لا يعادل كلام الله ولا يعد شريعة الله ولا يُحتج به على أنه الدين، فضلا عن تكفير الناس على أساسه. فهو فهم بشري للنصوص الشرعية غير معصوم من الخطأ. وهو ما يفسر الكم الهائل من الأحكام المختلفة حول نفس المسألة. وقد اختلف الفقهاء حتى في الأساس أي الأدوات العملية للتفسير والتأويل. فمنهم من يأخذ بمقولة “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب” كمبرر للتشبث بالمنهج الظاهري وللهروب من إعمال العقل، فتأتي تفسيراتهم مجرد شرح على المتون، ومنهم من يقوّل النصوص ما لم تقله، باسم التأويل، مثل التدليل على نقصان عقل المرأة بقول النص بقوامة الرجل. بل لقد اختلف الفقهاء حتى في أركان الدين، مثل الفرائض. فلئن اعتبر أبو حنيفة البسملة واجبة في الصلاة، فإن مالك يراها مكروهة. كما أن الشيعة يدعون إلى مسح الرجلين في الوضوء، كما جاء ذلك بوضوح في النص، في حين يدعو السنة إلى غسلها. بل و اختلفوا في أمور دقيقة مثل التزوج بزوجة الأب وأحكام الزنا.

واستعمل الفقهاء الشريعة كسلاح سياسي أيضا. وبما أن السياسة تقوم أصلا على الاختلاف في الرأي فإن التفسيرات الفقهية ذات التوجهات السياسية تكون بالضرورة مختلفة وحتى متناقضة. فالأحناف مثلا لا يقيمون الحدود في المرأة المرتدة لعدم الخوف من تحولها إلى محاربة للسلطة. وبهذا يظهر أن قتل المرتد لا يرتكز على سبب ديني بل على سبب سياسي بحت. وهناك فتاوى وتأويلات تأباها الأخلاق و لا تخدم سوى السياسة، مثل قول الشيعة بالتّقيّة وهي نفاق وبالبداء وهو كذب.و كذلك قول الأحباش، اليوم في لبنان، بجواز اغتصاب غير المسلمة باعتبارها مسبيّة.

وكل هذا يبدو طبيعيا في العرف السياسي حيث، مع الأسف، لا حواجز أخلاقية في كل الأنظمة والأزمنة، أما الادعاء بأنه من الدين وفرض تطبيقه على الناس فهذا أخطر ما في الأمر لأن التأويلات السياسية تفرض على الناس بالسلطان أي بما يسمى العنف الشرعي الذي لا يترك مجالا للإنسان للدفاع عن نفسه.

هذا الركام الهائل من النظريات المختلفة بل والمتناقضة والتي يتداخل فيها السياسي بالاجتماعي والموضوعي بالذاتي، هو ما اتفق إذن على تسميته شريعة، تهدر على أساسها دماء الناس.

لذلك نسأل المتشبثين بها والمكفرين للناس على أساسها: عن أي شريعة تتحدثون؟ وإن كنتم تخلطون بين قول الله والمذاهب البشرية فعلى أي مذهب تعتمدون؟ وما دام الواحد منها يبيح الشيء ويحرمه الآخر ولا يمكن للشيء أن يكون حراما وحلالا في آن، فإن هذه المذاهب ليست من عند الله ولا تلزمنا، بل هي أحكام بشرية موضوعة لعهد من وضعها وحسب ظروف عصره “وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما اكتسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون”.

كل هذا يدفعنا إلى التساؤل حول قيمة بعض المصادر ومدى إمكانية التّحجّج بها. ولعلّ التساؤل الأكثر حرجا وأهمية أيضا هو ذاك المتعلق بمعرفة ما إذا كان ما بين أيدينا تراث أم دين؟

إنّ رفض الاعتراف ببشرية هذه المصادر ومحاولة فرضها بإيهام الناس بأنها كلام الله وبتكفير كلّ من يبحث فيها ويقدّم قراءة تتماشى مع العصر، هي عملية مصادرة لسلطة التأويل أدّت إلى خلق كنيسة في الإسلام. لذلك ترى المتزمّتين من هؤلاء يهاجمون بشراسة فكرة اللائكية ويدّعون أنّها كفر أو محاربة للدّين أما المعتدلون منهم فيرون في اللائكية مغالطة مفاهيميّة باعتبار أن الإسلام لا يشكل سلطة بالمعنى الكنسي و يستخلصون بالتالي أنه لا يمكن المطالبة بتطبيق هذا المبدأ الذي ليس له معنى في الإسلام. ولكن هل يقتصر مفهوم اللائكية على حصر السلطة الدينية في مؤسسة الكنيسة فقط؟ أم أنها تعني تحرير المجال العام من سلطة الدين بصفة عامة، سواء تمثلت هذه السلطة في مؤسسة أو تجسّمت في قوانين ؟

فإلى أي حد ستتمكن التيارات السياسة التي تدّعي اعتمادها على قول الله والقيام بواجب حراسته، من مواصلة مقاربة الظواهر الاجتماعية المعقدة والمتغيرة بفكر كنئسي لا يعرف للحق سوى وجه واحد وبمنهج أسّس لمواجهة مشاكل مجتمعات قديمة ومختلفة عن مجتمعاتنا ؟

إن المنطق يقتضي باستحالة مثل هذا الالتصاق الحميمي بالماضي السحيق والقفز إلى الوراء خارج نطاق الأوضاع والشروط الحديثة، للتماثل مع القدامى. ويصبح الإشكال متعلقا بكيفية اجتهاد مثل هذه التيارات السياسية لطرح برنامج سياسي دون إضفاء صفة القداسة والإطلاقيّة على هذا البرنامج، لأن كل مقترح عملي لحل القضايا المطروحة على المجتمع لا يمكن أن يكون إلا نسبيا بسبب اختلاف المصالح والآراء والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مما يصعب معه تأسيس الحياة العامة على حقائق تقدم على أنها مطلقة وأزلية ولا يحق مراجعتها، ناهيك عن نقدها أو رفض الالتزام بها.

كل هذا يفرض على هذه الحركات، إذا رامت عدم التسبب في قيام حرب أهلية أو طائفية، التحول من طرح عقائدي لا تاريخي إلى طرح فكري مرتبط بمتطلبات العصر، ذلك أن الإرهابي ليس فقط من يحمل السلاح في وجه مخالفيه في الرأي بل هو أيضا من يمهّد الطريق فكريا للقاتل.

—-

{{المراجع:}}

(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ

(2) قامت الباحثة فاطمة المرنيسي بالنبش في مرجعية هذا الحديث وتوصلت إلى النتيجة التي أوردناها. انظر كتابها “الحريم السياسي. الرسول و النساء” المنشور باللغة الفرنسية سنة 1987 ص 66

(3) مسلم: كتاب الإمارة وجوب طاعة الأمراء.

(4) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. ص 36

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق