مصادر الفكر التكفيري: كيف يقرأ الفقهاء القرآن

لماذا تستسهل بعض الحركات السياسية الدينية تكفير المخالفين لآرائها، رغم تأكيدها على الإيمان بحق الاختلاف وحرية الرأي و التعبير، مما يدفعنا للاحتياط من إعلانات الإيمان بالديمقراطية وحقوق الإنسان التي تطلقها هذه التيارات ؟

وتجعلنا هذه الظاهرة نستخلص بأن المعيار الأساسي في تحديد طبيعة فكر ما لا يتمثل فقط في طبيعة المصطلحات السياسية المتداولة لغويا وفي مرجعياتها، بل في طبيعة الأسس المعرفية للفكر السياسي.
وعليه فإن أهم سؤال يمكن أن يطرح على تيار سياسي، هو السؤال المتعلق بمصدر معرفته وكيفية استقائها وتفاعلها مع معطيات الواقع.

وفي حالة التيارات السياسية التي تستلهم معرفتها من الدين، يبدو تحقيق التوازن بين الفكر والواقع صعبا، بالنظر إلى اعتقادها بأنها تنهل معتقدها حصريا من كلام الله، ما يجعلها لا تعرف للحق إلا وجها واحدا. و الحقيقة أن المسألة هي مسألة تقدير شخصي ليس لها من معيار سوى ما تعتقده هذه التيارات “حقا ثابتا” أو “باطلا مطلقا” اعتمادا على طريقتها الخاصة في قراءة النص والتراث الديني

وفي فهمها لهذين المصدرين. ويترتب على هذا الاعتقاد نتائج خطيرة تتمثل أهمها في تكفير كل من يخالف هذه الرؤية الإيديولوجية.

إنه عقل يعتمد إيديولوجيا من أكثر الإيديولوجيات انغلاقا وتطرّفا، لاعتقاده بأن منظومة قيمه تنبع من المقدس وليس من العقل البشري، مما يسمح له بتكفير كل من يفكّر خارج هذه الدائرة الفكرية وإن تعلّق الآمر بمسائل بسيطة تخص المعاملات.

وتتعامى هذه التيارات عن الفوضى الفقهية أو حتى التناقض التام الحاصل في المنظومة القيميّة التي تسميها شريعة، والتي تظهر في الاختلاف الفكري لجلّ الحركات الإسلامية وكذلك في قوانين دول تعلن أنها تعتمد على الشريعة. ونحن لا نقصد تلك الدول التي تكتفي بالإعلان بأنها مسلمة، بل نقصد دولا تطبق يوميا على البشر ما تقدمه على أنه شرع الله، ومنها السعودية والسودان وإيران وباكستان وأفغانستان طالبان سابقا. و تدّعي هذه الدول جميعا، رغم اختلافهم وتناقضهم في قضية واحدة، الاستناد إلى مصدر واحد وهو الشريعة الإسلامية.

فإذا كان الاختلاف في التشريع الوضعي مفهوما ومطلوبا لأنه يتوافق مع ظروف كل بلد وخصوصياته، ولأنه يعلن مصدره البشري ويقبل الخضوع للنقد والتعقيب البشري، فالمشكل مع ما يسمى بالقانون الإلهي هو عدم اعترافه ببشريته التي يفضحها هذا الاختلاف الدنيوي العادي، ولا يقبل بالتالي التعقيب البشري، بل ويجعل كل من يخالف ذلك عرضة للتكفير والقتل.

هذه هي الأسباب الأساسية لنشوء الفكر التكفيري بخصوصياته التالية:

–الإيمان بعدم كفاية العقل البشري المحكوم حسب رأيه بظروف المادة، والعاجز عن الوصول إلى الحقيقة مباشرة مما يبرر التضييق على مجالات عمل العقل.

–الإيمان بإطلاقية حقائق ما يقدمه كشريعة، والاعتقاد في استحالة خضوع هذه الحقيقة للتعقيب الإنساني.

–البحث لكل طارئ عن مكانه في منظومة القيم التي يُعتقد راسخا بأنها تمثل الحقيقة الوحيدة التي استوعبت كامل المعرفة الإنسانية، فإذا لم يجد للمستجدّ مكانا فيها نبذه ووضعه في دائرة الخارج عن الدين.

–عدم القدرة على التمييز بين المعتقدات والعبادات باعتبارها ثابتة، وبين المعاملات المتغيرة.
وقد تولّدت هذه التحريفات من الاكتفاء بالنقل عن السّلف، وإن خالف هذا السّلف القرآن ذاته، وإن كان هذا السّلف يعبّر عن مجرد إيديولوجيا. لذلك، ولفهم آلية اشتغال العقل التكفيري يجدر بنا البحث في آلية اشتغال عقل هذا السّلف ومصادر حقيقته وأهداف خطابه.

يؤخذ حكم الشريعة من القرآن والسنة والقياس وإجماع الصحابة والعلماء وأخيرا الاجتهاد.

وتحمل الأحكام الاجتهادية الطابع الثقافي لكل من الشخصيات التي قامت بها، وهو ما يفسر وجود خمس مدارس في الفقه الإسلامي معترف بها رسميا، أربعة مدارس سنيّة و مدرسة جعفريّة.

فحين يتحدّث المسلمون عن الشريعة فإنهم يقصدون غالبا الفقه المشار إليه، أي أن الأمر يتعلق بالنهاية بقانون بشري وضعي لا يكفي استناده إلى النص القرآني، ناهيك عن الحديث والإجماع، لإضفاء صفة القداسة عليه، خاصة أن قاعدة السلم الهرمي للمصادر المشار إليها لم تطبق دائما بالصرامة والانضباط المطلوبين نظريا، بسبب غموض بعض الأحكام في القرآن وضعف بعض الأحاديث، وبسبب طبيعة البشر المتأثرة بالتقلبات السياسية. وهو أمر ينطبق على جامعي الحديث وعلى الصحابة والفقهاء. فهؤلاء يتشددون تارة تشددا مبالغا فيه بحرفية النص، ويتحللون تارة تحللا تاما من بعض النصوص الواضحة، وذلك حسب موازين القوى ومتطلبات السياسة أو حتى بسبب قصور ذهني.

وقد يصيب هذا القصور بعض الفقهاء الكبار، مثال ذلك فتوى الشافعي التي تجيز للرجل التزوج بابنته من الزّنا. كما رأى أبو حنيفة أن من تزوج امرأة لا يحل له نكاحها كأمه أو ابنته أو عمته فوطأها لا يجب عليه الحدّ و لو اعترف بأنه يعلم بأنها محرّمة عليه، و إنّما يعاقب على فعله بعقوبة تعزيريّة.

و يسقط أبو حنيفة الحدّ في هذه الحالة للشبهة. و بيان الشبهة، عنده، أنه قد وجدت صورة المبيح، وهو عقد النّكاح الذي هو سبب الإباحة، فإذا لم يثبت حكمه، وهو الإباحة، بقيت صورته شبهة دارئة للحدّ.

كما قال ابن حزم في حديث الرسول في الماء الراكد: “لا يبولنّ أحدكم في الماء الدّائم الذي يجري ثم يتوضأ منه” (1) و قد رأى ابن حزم أن الوضوء من ذلك الماء حرام أما شربه ووضوء الغير به فهو حلال، رافضا بذلك قياس الشّرب بالوضوء على البائل نفسه، و قياس غير البائل على البائل. كل ذلك تشددا في التمسك بظاهرية النص ورفضا لتعليل أحكام الشّرع وربطها بحكمة أو بمصلحة. فأجاز بذلك أن يكون المنهي عنه مأمورا به، كما في المثال المذكور، وأن يكون المأمور به منهيا عنه، كما في تفسيره لحديث: “البكر تستأذن و إذنها صمتها” (2)، ومن الواضح في هذا الحديث أن صمت البكر يدل على رضاها غير أن ابن حزم رأى أنها إذا تكلّمت بالرضا فلا ينعقد النكاح عليها، لأنه خلاف الحديث النبوي(3).

ومن هنا نفهم، قياسا، كيف أن حتى النص القرآني القطعي الدلالة لا ينجو من التقلبات والتأويلات المتناقضة ومن التحويرات عن طريق الاجتهاد رغم وجود القاعدة القائلة: لا اجتهاد في ما ورد فيه نص.
و هذا يجرنا إلى الحديث عن طريقة التعامل مع المصدر القرآني.

ليس من اليسير فهم كل معاني القرآن. وقد تقود صعوبة الفهم أحيانا إلى الخطأ، غير أن هذا الأمر وعلى خطورته، يظل مقبولا طالما أن الخطأ حاصل عن حسن نية، مع أن سببه يكون في الغالب اختيار منهج غير ملائم، غير أن أخطر الممارسات إطلاقا تتمثّل في إعلاء الحديث (وهو رواية أشخاص) على القرآن من قبل بعض الفقهاء لأسباب اجتماعية بحتة مثل ممارسة ختان البنات على أساس أحاديث ضعيفة و متعارضة مع مقاصد النص الداعية إلى حفظ النفس، وحديث منع تولي المرأة منصب الولاية الكبرى رغم عدم تنصيص النص على ذلك. أما أغلب الانحرافات فسببها سياسي كما سنرى ذلك.

{{إعلاء الحديث على النص}}

اعتبر البعض أنّ السنة يمكنها نسخ القرآن، ويظهر ذلك في حكم الردّة مثلا. فقد جاء في القرآن “ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة و أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون” (البقرة 217) لقد أرجأ القرآن إذن العقاب إلى الآخرة، ربما تحسبا للخطأ فيظل القرار والحكم في بد الله الذي يعلم ما بالصدور. غير أن الفقهاء، ولأسباب سياسية، اعتبروا أن جزاء المرتد في الدنيا هو الإعدام لحديث: “من بدل دينه فاقتلوه” وبهذه الطريقة تم نسخ القرآن بالسنة. وهو أمر في منتهى الخطورة لأنه، وإلى جانب عدم احترام السّلم الهرمي للقانون الإسلامي، فإن المسألة تتعلق بالحدود، وبأقصى حدّ و هو قتل النفس.

كما تم نسخ بعض الآيات مع الإبقاء على التلاوة مثلما جاء في حكم الصوم في سورة البقرة “وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين” بحيث تصبح ممارسة الصوم ممارسة تطوعية لا تتحمل الإكراه ولا العقاب “فمن تطوع خيرا فهو خير له، وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون” البقرة 184

وقد جاءت أغلب التناقضات الفقهية نتيجة لهذه الظاهرة. ومن أهم الخلافات والتناقضات، رفض الخوارج اعتماد السنّة كمصدر للتشريع. والحقيقة أن الحديث مهما كان متواترا لا يرقى إلى درجة القرآن فضلا عن إمكانية نسخ إحدى آياته، أي إبطال العمل بها. فالقرآن لا ينسخه إلا القرآن استنادا إلى الآية: “ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها” لكن الفقهاء اعتبروا نسخ القرآن بالحديث جائزا. والأخطر هو رفض جماعة السنة في عديد الحالات تحكيم القرآن في الأحاديث، وهي قاعدة خطيرة تنزّل الرواية منزلة القرآن، بل و تعليها عليه. فهم يعتمدون أحيانا الحديث ولو خالف القرآن.

وحيث أن السنة هي تبيين للقرآن فإن هذا التبيين إنما يكون في حدود القرآن ولا يتجاوزه. وعلى هذا يمكن نبذ كل ما ينسب إلى الرسول مما يخالف نصوص القرآن. غير أن عديد الفقهاء في قرننا هذا، وكذلك بعض الإسلاميين يواصلون تحكيم الحديث في النص ويكفّرون على أساس ذلك الناس بل ويهدرون دمهم، كما أشرنا إلى ذلك في مسألة الرّدة، ويواصلون الاعتداء على الأعضاء الحميمة لبنات صغيرات بدعوى أن الختان ممارسة إسلامية، وغير ذلك من البدع المتخلفة التي تظهر المسلمين في شكل شعوب متوحشة. وبعدها يستغربون من الصورة السلبية المروجة عن المسلمين في حين أنهم رسموها بأنفسهم لأنفسهم.

{{إعلاء النقل على العقل}}

يرفض كذلك العديد من الفقهاء التخلي عن النقل لفائدة العقل في فهم النص، أي أنهم يرفضون تجاوز المنطوق إلى المدلول والأخذ بالمقاصة وتبني مبدأ تاريخية نزول النص. فالإمام الشافعي مثلا يرى استحالة تطبيق القرآن بمعزل عن أسباب النزول، وهي منهجية تسمح بالتمييز بين المعتقدات باعتبارها ثابتة وبين المعاملات المتغيرة. ولكن هذا التنظير يظل غالبا بين دفتي الكتب. فالإخوان المسلمون في مصر، ورغم انتمائهم تقليديا إلى هذا المذهب، فضلوا المذهب الوهابي البدوي المتشدد، فعادوا بالمجتمع المصري إلى الوراء مع الإدّعاء بأنهم صححوا العقيدة وأنتجوا صحوة إسلامية.

ويحتج المتشبثون بحرفية النص وظاهره بآية: “ولا مبدل لكلمات ربك” دون التوقف عند المعنى العميق لهذه الآية التي تتعلق بالقضاء والقدر وليس بالمعاملات. وإلا كيف أمكن تبديل عديد الأحكام القرآنية القطعيّة من طرف الخلفاء الراشدين أنفسهم وأولهم عمر ابن الخطاب، اعتمادا على مبدأ “لكل حكم علة يدور معها” أو بدعوى الضرورة السياسية؟

لقد اتسمت قراءة النص القرآني بالضعف بسبب اعتماد منهج يجعل الحديث أعلى من النص ويشدد الخناق على العقل. ويظهر ذلك في طغيان منهج القراءة النصيّة.

{{طغيان منهج الشرح على المتون}}

يفصل البعض النص على دلالاته ولا يأخذون الألفاظ في معناها المجازي والرمزي بل في معناها الاصطلاحي فقط لاعتقادهم بأن “اللسان العربي يفيد العموم في التكليف إلزاما للإنسان مطلقا عن الزمان والمكان”، أما التأويل فهو محصور في النصوص الظنية وتتوقّف وظيفته على فك الألغاز والتعبيرات المبهمة، بطريقة تجعلها متطابقة مع النصوص القطعية. كما أن الأخذ بالمقاصد لا يتعدّى حرفية النصّ، أي أن المقاصد متماثلة عندهم مع النص. فالمصلحة العامة ومتطلبات الواقع لا تؤخذ عندهم بالاعتبار إذا أدّت إلى تعطيل الأساليب والأشكال التطبيقيّة التي جاء بها الوحي. وهكذا فإن تجريم الزنا في القانون الوضعي لا يعتبر كافيا في نظر الفقهاء إذا لم يطبّق حكمها كما جاء في النصّ أو في الحديث (الجلد أو الرجم).

وعلى هذا فإنهم ليسوا مستعدين لتبني مناهج التفسير التي تتطلب الأخذ بالغايات وبما وراء النص من معطيات تاريخية وللبحث عن إرادة المشرع من خارج النص، حتى يتسنى تغيير الأحكام بما يتماشى مع متطلبات الواقع دون خرق الغاية التي جاءت من أجلها.

وقد أوقع هذا المنهج بعض الفقهاء في أخطاء كبيرة وانتهى ببعضهم إلى أفهام غريبة ينكرها الشرع والعقل كما رأينا ذلك في الأمثلة المذكورة سلفا. و في المقابل نجد تحليلات لا يقبلها شرع ولا عقل مثل الإفتاء بجواز زواج المسيار، أو قطع الآيات من سياقها وبترها، مثل آية تعدّد الزوجات حيث لا يؤخذ في الحسبان ما يبرّرها نصّا وبوضوح تام، و هو القسط في الأيتام، ولا يذكر ذلك إلاّ نادرا و من طرف المطالبين بمنع رخصة التعدّد. و قد اتضح في عديد من الحالات أن السند الشرعي الذي يرتكز عليه أغلب الفقهاء، سواء كان من القرآن أو من السنة، ليس فيه ما يفيد التمييز الاجتماعي القائم حكما ضدّ المرأة أو الضعيف اجتماعيا أو الذمي، لأن الأمر يتعلق غالبا بتفسير أو تأويل أو بتر من النوع الذي أشرنا إليه. و مع ذلك يواصل اليوم المتشبثون بفقه السلف اعتماد هذه التأويلات واعتبارها من المسلمات.

كما اجتهد الخلفاء الراشدون في عديد القضايا مع توفّر نصوص صريحة وأعلوا الرأي على النص (قال عمر، مثلا، ليبرر تعطيل حكم المؤلفة قلوبهم: “لا حاجة لنا فيهم”) و يبرّر بعض العلماء مثل هذه التجاوزات بالضرورات السياسية. يقول الشيخ الطاهر ابن عاشور في ذلك: “إن المعاملات موكولة إلى تدبير ساسة الأمة” وما زالت هذه الممارسات السياسية المتلفعة بجلباب الدين والتي تعلي الرأي على النص الواضح متواصلة إلى اليوم مثل فتوى علماء السعودية التي برروا بها مشاركة جيوش المسلمين مع الأميركان في الحرب ضدّ العراق سنة 1991، وهي فتوى مخالفة نصا وروحا للآية الصريحة 28 من سورة آل عمران. و لو طالب اليوم مصلحون، من خارج السّاسة، بالعمل بالمثل في نصوص خاصة بالمعاملات لاتهموا بالكفر.

هذا فيما يخص القرآن و النصوص قطعية الدلالة، أما بالنسبة للحديث فأمره أكثر تعقيدا وخطورة.

{{المراجع:}}

(1) أحمد والترمذي والنسائي وصحيح الجامع الصغير (94-75).

(2) صحيح الجامع الصغير (298).

(3) أورد هذه الأمثلة الشيخ يوسف القرضاوي في مقال “أسس ومرتكزات السياسة الشرعية” نشر على ثلاث حلقات في جريدة الشرق الأوسط بدءا بتاريخ 17-1-1998 ص.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق