مصر: هجوم سلفي على الدولة المدنية / السيد يسين – القاهرة

اتبع الاخوان المسلمون في العقود الاخيرة استراتيجية الخفاء، بمعنى التصريح بأنهم من أنصار الدولة المدنية حتى ينالوا القبول العام. لكن نائب المرشد العام للجماعة افصح في مؤتمر شعبي اخيراً عن ان الاخوان يسعون لاقامة الحكم الاسلامي وتطبيق الحدود "بعد امتلاك الارض".

 

تحدثنا من قبل عن الثورة وتحديات التغيير الشامل، وقلنا أن الهدف الاستراتيجى للثورة باعتبارها ثورة ديموقراطية هو السعي إلى تحقيق الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية فى ظل دولة حديثة.

وقررنا أن الدولة الحديثة لابد أن تكون دولة علمانية تفصل بوضوح بين الدين والدولة، بحيث تقوم على التشريع وليس على الفتوى، ولا تتيح أدنى فرصة لرجال الدين أي دين أن يهيمنوا على مقدرات التطور الاجتماعي من خلال تأويلاتهم الصحيحة أو المشوهة للنصوص الدينية.

والعلمانية – على عكس ما يشيع تيار الإسلام السياسي – تحترم الأديان كافة، وتتيح الفرصة لأتباع كل دين أن يمارسوا طقوسهم كما يشاؤون فى ظل الدستور والقانون.

وأضفنا أن العلمانية لا تعني إطلاقا فصل الدين عن المجتمع، لأن الدين يتخلل أنسجة المجتمعات الإنسانية، وإنما هي كمذهب سياسي تحرص على الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.

هل هناك وضوح أكثر من ذلك فى تعريف العلمانية، والإقرار بضرورة فصل الدين عن السياسة، وليس فصل الدين عن المجتمع؟

ومع ذلك ثار عديد من القراء الذين علقوا على مقالي الماضي على شبكة الإنترنت، واعتبروا العلمانية وكأنها ضرب من ضروب الكفر، فى سياق وجهوا فيه الانتقادات اللاذعة لي بطريقة تجاوزت أحيانا آداب الحوار، وأخلاقيات الإسلام في الاختلاف!

والواقع أن تيارات الإسلام السياسى جميعا وعلى اختلاف منطلقاتها وأشكالها التنظيمية، تدعو صراحة أو ضمنا الى إقامة الدولة الدينية على أنقاض الدولة العربية العلمانية الراهنة.

لا فرق فى ذلك بين "الاخوان المسلمين" و"الجماعة الإسلامية" و"جماعة الجهاد" وأخيرا الحركة السلفية التى برزت فى المشهد المصري فى السنوات الأخيرة.

وقد اتبع الإخوان المسلمون على وجه الخصوص فى العقود الأخيرة استراتيجية الخفاء، بمعنى التصريح بأنهم من أنصار الدولة المدنية التي تقوم على سيادة القانون وتداول السلطة السياسية، وذلك حتى ينالوا القبول العام من المجتمع الذي يسعى الى تحقيق الديموقراطية، ومن قبل التيارات الليبرالية.

وقد نجح خطاب الإخوان المسلمين فى إقناع عدد من الأحزاب الليبرالية بأنهم أخيرا قبلوا بالديموقراطية والتعددية، مما يبرر التعاون معهم بل وانتقاد إقصائهم عن العمل بالسياسة.

غير أننا منذ أوائل التسعينات قررنا أن خطاب الإخوان المسلمين الذى ينص على قبول الدولة المدنية خطاب خادع، لأن المشروع الاستراتيجي لكل تيارات الإسلام السياسى بلا استثناء هو إقامة الدولة الدينية!

ووجهت لي انتقادات متعددة من قبل أنصار الإسلام السياسي على أساس عدم موضوعيتي في النقد ، وعدم تصديقي تصريحاتهم العلنية. وتشاء الظروف وخصوصاً بعد ثورة 25 يناير المجيدة، ومحاولات الإخوان المسلمين الالتفاف حولها بكل الطرق وخصوصاً في الظهور الإعلامي المتكرر مع شباب الثورة وكأنهم كانوا جزءاً منها، وإن كان هذا غير صحيح، أن يكشفوا عن وجههم النقاب الخادع ويظهروا الحقيقة التي أكدنا عليها مرات عدة.

وبيان ذلك أن جريدة "المصري اليوم" انفردت في عددها الصادر في 16 نيسان 2011 بنشر موضوع على الصفحة الأولى عنوانه المثير "الإخوان: نسعى لإقامة الحكم الإسلامي وتطبيق الحدود بعد امتلاك الأرض".

وجاء في تفصيل الخبر أن جماعة الإخوان المسلمين عقدت في "إمبابة" مؤتمراً حاشداً تحت عنوان "من نحن؟ وماذا نريد؟".

وقد صرح الدكتور محمود عزت نائب المرشد العام بأن الجماعة "لن تدير حزب الحرية والعدالة فهو منفصل عنها، وله قياداته الخاصة، لكنه مشترك مع الجماعة في  الأهداف والسياسة الاستراتيجية نفسها، ويميزه عن باقي الأحزاب أنه يمارس السياسة لكن على أساس أخلاق الإسلام".

وحول موقف الإخوان من تطبيق الحدود أكد أن هذا الأمر يأتي بعد امتلاك الأرض، لأنه لابد أن تقام الحدود بعد أن يكون الإسلام في حياة الناس وأخلاقهم ومعاملاتهم.

وهكذا كشف نائب المرشد عن حقيقة المشروع الإخواني، وهو إقامة دولة دينية إسلامية تطبق الحدود.

وأكد ذلك المهندس سعد الحسيني عضو مكتب الإرشاد الذي نادى على كل التيارات الإسلامية قائلاً "… يا سلفيين ويا صوفيين ويا أنصار السنة لا نوم بعد اليوم حتى نمكن هذا الدين في البلد العظيم، فلا تضيعوا علينا هذه الفرصة العظيمة وعلينا أن نعلم أن فرصتنا ليست في الانتشار السياسي ولكن في نشر الإسلام في المساجد والمصانع والجامعات" وقد أثارت هذه التصريحات كما قررت جريدة "المصري اليوم" غضب الأحزاب لأنها كما قرر ممثل حزب "الوفد" أزالت دعاوى الإخوان حول الدولة المدنية. وقد أثارت تصريحات نائب المرشد الدكتور محمود عزت والمهندس سعد الحسيني ضجة سياسية كبرى، فقد استنكرها أعضاء بارزون من شباب الإخوان واعتبروها عودة لأفكار سيد قطب، كما أن بعضهم اعتبر دعوة الحسيني للتحالف مع السلفيين وأنصار السنة خطأ.

وقد كان رد فعل شباب الثورة والقوى السياسية رفضا كاملاً لدولة الإخوان المقترحة. بل إن الثوار طالبوا جماعة الإخوان المسلمين باعتذار للشعب، أما الأحزاب السياسية فتعهدت بالرد في الانتخابات.

واللافت للنظر أنه حدث انقسام داخل الإخوان حول تصريحات الدكتور عزت والمهندس الحسيني.

غير أن الدكتور عزت بعد ظهور حرج موقفه، لأنه صرح بالمسكوت عنه في خطاب الإخوان مما كشف عن مخططاتهم السياسية الحقيقية في إقامة الدولة الدينية، قدم بلاغاً ضد "المصري اليوم" يتهمها بالكذب، غير أن الجريدة بثت التسجيل الصوتي لتصريحات نائب المرشد على موقعها في شبكة الإنترنت.

وأياً ما كان الأمر وبعيداً عن زحام الوقائع والأخبار والأحداث، فإن أهم ما في الموضوع أنه صدق تحليلنا لخطاب الإخوان المسلمين والذى نشرناه فى كتابنا الصادر عام 1993 بعنوان "الكونية والأصولية وما بعد الحداثة" (المكتبة الأكاديمية).

فقد تحدثنا ونحن نحلل خطاب الحالة الإسلامية، عن استراتيجية الخفاء والتجلي التى يتقنها الإخوان المسلون. وهذا الخفاء يعني التغطية على المشروع الاستراتيجي للجماعة، وهو إقامة الدولة الدينية الإسلامية على أنقاض الدولة العربية الراهنة كخطوة أولى نحو استعادة الخلافة الإسلامية.

وقد قررنا أن المشروع الحقيقى للإخوان هو عدم الاعتداد بالتعددية السياسية حتى ولو قبلوها كخطوة تكتيكية، ولكنهم لو تولوا السلطة فسينقضون على حرية التفكير وحرية التعبير، وسيتبنون منظورا مغلقا فى المجالات الثقافية والاجتماعية.

وقد تحديناهم ودعوناهم الى أن يتقدموا ببيان عناصر مشروعهم الذين يدعون إليه فى المجال السياسي والاقتصادي والثقافي.

ان المجتمع السياسي المصري مدعو لمناقشة نقدية جادة لطروحات الإخوان المسلمين. ليس ذلك فقط ولكن لسلوك الجماعة السلفية التى هجمت اخيراً على معاقل الفكر العقلاني فى مصر.

وهكذا يتأكد أننا لسنا فقط فى حاجة إلى ثورة ديموقراطية ولكننا أيضا فى حاجة إلى ثورة ثقافية شاملة شعارها هو شعار الحداثة "العقل هو محك الحكم على الأشياء".

 

عن جريدة النهار البيروتية 26/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق